22 September,2018

حرب التحكم بأمن الطاقة الأوروبي بين ”ترامب“ و”بوتين“!

 

بقلم خالد عوض

Putin

بدأ الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> يحصد فعليا نتائج تدخله في سوريا. الحصيلة حتى الآن دور كبير على الأرض، وفي الأجواء، ولكن من دون أن يتمكن من <تقريش> ذلك بعد. حتى أنه من الصعب الجزم اليوم أن وجود روسيا في سوريا سيكون مفيدا لها على المدى الطويل، فالعبرة في النتائج النهائية التي لم ترتسم ملامحها بعد، ولكن لا بد من ملاحظة أن <بوتين> هو اليوم صاحب أكبر عدد من الأوراق في سوريا رغم أنه لم يمسك بعد بأهم ورقة بالنسبة له وهي ورقة الغاز الأوروبي.

حليف كل الخصوم يصبح هو الحكم

 

من جهة بيده قرار الحرب والسلم الاقليمي لأنه أصبح ضابط إيقاع المواجهة الإسرائيلية ــ الإيرانية، فهو صاحب التأثير الكبير على إيران وأذرعها العسكرية على الساحة السورية، كما لديه من خلال حضوره العسكري نوع من <الوهرة> على إسرائيل للجمها عن التهويل وعن استباحة الأجواء السورية كيفما تشاء. وأبرز دليل على كل ذلك ما حصل من مواجهة إيرانية ــ إسرائيلية مؤخرا أنتجت إسقاط <طائرة ف ١٦> إسرائيلية لأول مرة منذ ١٩٨٢، وبصاروخ <أس.أس> ٢٠٠ روسي، ومن ثم أدت إلى غارات إسرائيلية على مواقع عسكرية إيرانية من المفترض أنها سرية للغاية. لولا تدخل <بوتين> في النهاية لربما كانت هذه المواجهة غير العادية أبدا تطورت إلى حرب أوسع من حرب ١٩٧٣.

 

الوحول الأميركية في الغابة السورية!

 

ولكن من جهة أخرى أصبح الرئيس الروسي في مستنقع يمعن الأميركيون في إغراقه فيه، ولا مانع لديهم أبدا أن يشاركه الغرق فيه الأتراك والإيرانيون، ومعهم بالطبع النظام السوري. فما يحصل في شمال سوريا يدل على أن الولايات المتحدة منغمسة في الحرب السورية حتى أذنيها. هي تساعد الأكراد في حربهم ضد جيش <اردوغان> لتبقي نفوذها في الشمال السوري، وفي الوقت نفسه تساعد الفصائل الموالية لتركيا في <إدلب> وتدعم إسرائيل في غاراتها على مواقع سورية وإيرانية في وسط البلاد. تعددت الوسائل والغاية واحدة: منع الرئيس الروسي من حسم الموقف في سوريا وبطرق متعددة.  المضحك المبكي في حرب <عفرين> التي كان <اردوغان> قد أعلن أنها لن تستغرق وقتا كبيرا وها هي تدخل أسبوعها الخامس، أن طرفي الحرب يستخدمان الأسلحة الأميركية المتطورة. إذا دل هذا على شيء فهو أن الولايات المتحدة ترغب في إطالة الحرب في سوريا لأطول مدة ممكنة.

 

ابحثوا عن خطوط الغاز!

AOUN  

في موازاة كل ما يحصل في سوريا من غرائب وعجائب حيث لم يعد معروفا من هو حليف من ومن هو خصم من، أي أن الأحلاف والخصومات هناك بالقطعة حسب الظرف الجغرافي والاستراتيجي، هناك اشارات كثيرة أن البعد الإقتصادي لكل ذلك هو الأساس. أوروبا هي أكبر مستورد للغاز في العالم وكل التوقعات تشير أنها ستحتاج إلى أكثر من ١٥ مليار متر مكعب إضافي من الغاز سنويا مع إقتراب عام ٢٠٢٥، وهناك عدة خطوط لنقل الغاز إلى أوروبا جار انشاؤها في هذه الفترة. هناك الخط من إسرائيل الى قبرص ثم اليونان وإيطاليا، والخط من تركيا أيضا إلى إيطاليا عبر اليونان، وخط الغاز من الجزائر إلى إيطاليا، ومن ليبيا إلى إيطاليا التي ستصبح نقطة توزيع مهمة جدا لكل غاز المتوسط المتجه إلى أوروبا وحتى الآتي من روسيا وأذربيجان عبر تركيا. هذه الخطوط ستنافس الغاز الأميركي الذي تستعد أوروبا لاستيراده بكميات كبيرة بعد أن وصلت الشحنة الأولى منه إلى بولندا في حزيران (يونيو) الفائت. لذلك صرح نائب رئيس شركة <غازبروم> الروسية <ألكسندر مدفيديف> منذ أيام أن أوروبا ستواجه نقصا حادا في الغاز في العقد المقبل ولن تتمكن من سد احتياجاتها من الولايات المتحدة وقطر ولا بد لها من زيادة استيرادها من الغاز الروسي. لو لم تحصل حرب في سوريا وتم إستخراج كميات الغاز الكبيرة من هناك لكانت روسيا في موقف أكثر تحكما بالغاز الأوروبي، كما  أن الإستقرار في سوريا يعني إمكانية مرور خطوط غاز عديدة فيها من إيران عبر العراق ومن قطر عبر السعودية (لو لم يحصل الخلاف الخليجي). كل ذلك تأجل اليوم بفعل خلافات وصراعات وحروب ظاهرها شيء وخلفيتها شيء آخر تماما.

 

هل يبقي الفساد غاز لبنان في جوف البحر؟

احتفل لبنان منذ أيام بدخوله نادي الدول النفطية. مع بداية سنة ٢٠١٩ وربما قبل ذلك بفضل تقنيات الاستكشاف الحديثة سيتبين حجم الغاز الموعود وحجم ما يمكن تصديره إلى أوروبا. وعندما يتأكد كل ذلك سيدخل البلد في معركة حقيقية داخلية وخارجية، المرجو أن تبقى فقط دبلوماسية لتحديد الجهة الدولية والاقليمية التي ستتحكم بمسار الغاز اللبناني، وإذا كانت الحروب هي التي منعت سوريا من أن تصبح لاعبا دوليا في نادي الغاز، فإن الفساد والخلافات السياسية الداخلية هي التي منعت لبنان حتى الآن من لعب دور مشابه. بديل الحرب عندنا كان الفساد والصراع السياسي العقيم.

في ظلهما من الصعب أن يبصر النور متر مكعب واحد من الغاز!