14 November,2018

حذار يا انسان من الطقس الحـار في هـذا الفصــل لأنه خطــر علـى الحيــاة!

بقلم وردية بطرس

Hani-Shahin-----1

تتأثر الكائنات الحية بحالة الطقس بدرجات متفاوتة ويتأثر الانسان بالطقس بصورة تختلف من شخص الى آخر في الظروف نفسها، لأن هناك عوامل تؤثر على العلاقة بين الانسان والطقس منها عمر الانسان، ووضعه الصحي، والغذاء الذي يتناوله، والطقس الذي اعتاد عليه الانسان بالماضي. وبالنسبة لتأثير درجة الحرارة والرطوبة على الانسان فان الحرارة العالية مع الرطوبة المرتفعة تزيد من وصول الحرارة من الجو الى الجسم، وفي الوقت نفسه تعيق التبخر، مما يجعل الجسم لا يبرد بسرعة وتصبح حرارته مزعجة. أما خلال الطقس البارد فان الرطوبة العالية تزيد من وصول الحرارة من الجسم الى الجو المحيط، مما يجعل الجسم يخسر جزءاً من حرارته في الوقت الذي هو بحاجة الى مثل هذه الحرارة. ان فترات الحر الطويلة او فترات البرد الطويلة تؤثر بدرجة كبيرة على القوى الحيوية للانسان، ومن هنا نستنتج ما يأتي: ان الحرارة العالية والبرودة الشديدة كلاهما ضارتان بصحة الانسان، لأن جسم الانسان يحافظ على درجة حرارته الداخلية وهي 37 درجة مئوية. كما ان الرطوبة العالية وكذلك الرطوبة المنخفضة ضارتان أيضاً بصحة الانسان، إذ ان الجو الرطب يساعد على نمو البكتيريا والجراثيم ويبعث على الكسل والخمول، لكن الهواء المعتدل الرطوبة يكون مريحاً وصحياً وهو أفضل من الهواء الرطب او الجاف.

عند ارتفاع درجة حرارة الجو يتفاعل جسم الانسان مع ذلك بضخ كميات أكبر من الدم الى سطح الجلد، وذلك حتى يتم طرد حرارة الجسم الداخلية الى السطح، وهو ما يؤدي الى حدوث التعرق. ومع تبخر ذلك العرق تبدأ حرارة الجسم بالانخفاض مرة أخرى. وتتراوح درجة حرارة الجسم العادية ما بين 37 و38 درجة مئوية، اما اذا ارتفعت لتصل الى 39 او 40 درجة مئوية، فان الدماغ يقوم بارسال اشارات الى العضلات حتى تبطىء من حركتها، وهو ما يجعل المرء يبدأ في الشعور بالاعياء. وعند ارتفاع درجة حرارة الجسم لتتراوح ما بين 40 و41 درجة مئوية، يكون من المحتمل ان يُصاب الجسم بالاعياء الحراري، واذا ما ارتفعت الحرارة عن 41 درجة، تبدأ وظائف الجسم في التوقف حيث يبدأ ذلك الارتفاع في درجة الحرارة بالتأثير على العمليات الكيميائية داخل الجسم، وتبدأ الخلايا داخل الجسم في التدهور مع خطورة ان يعتري الفشل عدداً من أعضاء الجسم، وفي هذه المرحلة لا يمكن للجسم حتى ان يفرز العرق، اذ يتوقف تدفق الدم الى الجلد، وهو ما يجعل الانسان يشعر بالبرودة والرطوبة. كما يحتاج الشخص الذي أصيب بضربة الحر والتي قد تحدث في درجة حرارة تزيد عن 40 درجة مئوية الى مساعدة صحية عاجلة، واذا لم تتم معالجته فان فرص نجاته قد تصبح ضعيفة. وتتمثل أفضل طريقة لخفض حرارة الجسم في وضعه داخل ماء مثلج، او وضع كمادات الثلج عند الفخذ وتحت الابط اذ تحتوي تلك المناطق على شرايين شديدة الأهمية. الا ان كل ذلك يعتمد على الفترة التي استغرقها الجسم في درجة الحرارة العالية هذه.

وتجدر الاشارة الى ان الجهاز العصبي لدى الانسان يتحكم في ضبط حرارة الجسم وابقائه في حالة صحية، فعندما ترتفع حرارة الجسم تجده يحاول الحفاظ على درجة الحرارة الطبيعية، فالتعرق وتدفق الدم الى الجلد وهو ما يعرف باسم الضبط الحراري <Theumonegwlahian> يساعدان على الحفاظ على درجة الحرارة الطبيعية للجسم عن طريق التحول الحراري. ويُصاب الانسان بالأمراض ذات العلاقة بالحر او تحديداً الحرارة عندما لا يستطيع جسمه القيام بما يكفي في عملية التحول الحراري، وابقاء الجسم يتمتع بالبرودة. ويختلف ارتفاع حرارة الجسم الذي تسببه الاصابة بالحمى عن اشتداد حرارة الجسم الناتج عن الأمراض التي تسببها أشعة الشمس وارتفاع حرارة الجو، فالحمى غالباً ما تكون ردة فعل الجسم على الالتهابات وغير ذلك من العوارض البسيطة منها والخطرة، أما تلك الناتجة عن حرارة الجو فإن حرارة الجسم تزيد في هذه الحالة نتيجة لعدم تمكن الجسم من القيام بعملية تحويل الحرارة او لأن الحرارة الخارجية المكتسبة مرتفعة للغاية.

ومن أهم الأمراض المرتبطة بحرارة الجو: الطفح الجلدي، وتشنج العضلات، وتورم الساقين واليدين، وانقطاع الأنفاس، والتوتر الناتج عن الحرارة، والاغماء الناتج عن انخفاض ضغط الدم والارهاق المفرط، وضربة الشمس التي تحدث عندما يفشل الجسم في المحافظة على حرارته فتستمر حرارة الجسم في الارتفاع. وفي أغلب الأحيان، فان الظروف البيئية والجسدية قد تجعل من الصعب على الانسان الاحتفاظ ببرودة الجسم. والحالات المرتبطة بحرارة الجو غالباً ما تكون ناتجة عن العطش او الجفاف والارهاق او انهما قد يفاقمان الحالة، فممارسة التمارين الرياضية تحت ظروف حرارة مرتفعة، والعمل في تلك الظروف، او ارتداء الملابس الثقيلة كل ذلك يزيد من خطر الاصابة، كما يزيد <الكافيين> والكحول من امكانية الاصابة بالعطش والجفاف. وكانت الاحصاءات قد ذكرت انه توفي نحو 3500 شخص في الولايات المتحدة ما بين عامي 1999 و 2003، وفي فرنسا توفي 1500 شخص في العام 2003 بسبب التعرض للحرارة، وقد بينت منظمة السلامة الدولية الأميركية انه ومنذ العام 1936 وحتى الآن توفي نحو 30 ألف شخص بسبب ارتفاع الحرارة في العالم.

الموجات الحارة

وتعتبر الموجات الحارة من الظواهر الجوية الضارة والتي تحدث خسائــــر في القطــــاع الزراعــــي والاقتصـــــادي علــى حــد ســــواء، اضافــــة الى تأثيرها على الجانب الصحي والنشاطات اليومية لدى الكائنات الحية. والموجات الحارة هي من أكثر الظواهر الجوية تأثيراً على الانسان من نواحٍ متعددة وهي خطيرة لأنها قد تتسبب في وفاة الانسان والحيوان وأحياناً النبات، وتعتبر موجة الحرارة التي تأثرت بها ولاية <شيكاغو> الأميركية في العام 1995 من أسوأ الموجات الحارة في تاريخ الولايات المتحدة حيث أدت الى وفاة ما يقارب 600 شخص خلال خمسة أيام.

وتعتبر المناطق العربية وخصوصاً مناطق الخليج العربية والجزيرة العربية ومناطق الصحراء الكبرى من أكثر مناطق العالم حرارة على مدار العام حيث تصل الحرارة فيها خلال فصل الصيف الى ما يقارب 50 درجة مئوية لاسيما في العراق والكويت وشمال شرق السعودية والأجزاء الصحراوية من الامارات وسلطنة عمان، ويعتبر الطقس الحار في هذه المناطق أمراً اعتيادياً ولا يطلق اسم موجة حارة الا في حال قاربت الحرارة الـ50 مئويـــــة أو أكثر متجاوزة معدلاتها الطبيعية… ويحذر خبراء المناخ من ان ارتفاع درجات الحرارة في منطقة الشــــرق الأوســــط هذا الصيف يشير الى مــا هو أسوأ من ذلك في المستقبل، كما يتوقع مسؤولو الأمم المتحدة وعلماء المناخ ان سكان المنطقة الآخذين في التنامي سيواجهون خطــــر ارتفاع درجات الحرارة لدرجة تهدد حياة الانسان، وكذلك ندرة المياه وغيرها من عواقب الاحتباس الحراري.

الدكتور شاهين والحرارة المرتفعة

وصيف لبنان هذه السنة كان حاراً جداً، فالطقس الحار هو حديث الناس. فما مدى تأثير الحر الشديد على صحة الانسان؟ وما هي النصائح والارشادات لتفادي الاصابة بمشاكل صحية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وغيرها من الأسئلة طرحتها <الأفكار> على الدكتور هاني شاهين الاختصاصي في الأمراض الصدرية والأمراض الداخلية، ونسأله:

ــ كيف يؤثر الحر الشديد على الانسان وصحته؟

– ان تأثير الحر على الانسان بشكل عام يرتبط الجسم على التأقلم مع الحرارة، وهذه القدرة هي فائقة ومميزة، وان هذه القدرة بالفعل تأخذ الأنفاس بعظمتها، ولكن للأسف هذه القدرة الهائلة على التأقلم مع الحرارة تخف كثيراً عند الصغار والمتقدمين في السن حيث يكون الجسم ضعيفاً، وبالتالي فإن هؤلاء يعانون بشكل هائل من المشاكل بفعل التعرض للحرارة المرتفعة. فلدى الجسم البشري قدرة على التكيف ويخاطب صاحبه عن طريق الاحساس بالجوع والعطش والحرارة والبرودة، فعلى سبيل المثال إن الشعور بالعطش هو شعور لاارادي يحدد كمية السوائل التي نشربها، وهذا الشعور يساعد معظم البشر على المحافظة على مستوى المياه والأملاح ضمن مجال دقيق ومحدد جداً، وهذه الدقة هائلة ولكن عند الصغار والمتقدمين في السن يخف هذا الاحساس. لا شك ان التعـــــرض الفجــــائي للحــــرارة يجعل جسم الانسان يفرز مواداً معينة تتحكم بتدفق الماء الى البشرة الخارجية وحتى الى الأعضاء الداخلية، وبالتالي يقوم الجسم بمجهـــــود لمواجهــــة هــذه الحـــــرارة الشديدة والمحافظة على حرارتـــــه الداخليـــة عند مستوى معين، وإن تغير الحرارة الفجـــائي كالانتقـــــال من أماكن بــــاردة الى أماكن دافئـــة او حارة جـــــداً او العكس يجعــــــل الأمـــــر اصعب على الانسان ممــــا يــــؤدي الى افراز مواد تكون معاكسة للمــــواد التي كانت موجودة عند حرارة مختلفة.

hot-weather_722927_large------2ويتابع الدكتور شاهين:

– هناك أمر آخر عند حصول الحرارة الشديدة او البرودة وهو أن الهواء الذي يتنفسه الانسان، لدى دخوله الى مجاري التنفس يقوم أحياناً بتهييج الأعصاب المتحكمة بمجاري التنفس مما يؤدي لافراز مواد معينة تكون مسؤولة عن تشنج القصبات الهوائية، ونعاين ذلك بصورة كبيرة لدى مرضى الربو ومرضى الجهاز التنفسي حيث تزداد نسبة الاصابة بهذه الأمراض عند التعرض للحرارة الشديدة او البرودة الشديدة. ناهيك عن قدرة الجسم في التأقلم مع هذه الحرارة. فطبياً، ان تعبير <الجسم يخاطب> هو تعبير سليم جداً وقاعدة مهمة جداً في الطب، فمثلاً عند البرودة لاشعورياً يسعى الانسان للحصول على الدفء، وعند الحرارة الشديدة يحاول الحصول على الظل والماء، ويقوم الجسم بافراز نبضات عضلية خفيفة جداً تزيد في احراق السكر، وبالتالي ترتفع حرارة الجسم، في حالة البرودة الشديدة، أما في حالة الحرارة المرتفعة فالعكس تماماً يحصل حيث يقوم الجسم بتخفيض معدل انتاج الحرارة ويقوم بعملية التعرق التي تتسبب في فقدان كبير للحرارة الزائدة، كل هذا يتم وفق آلية محددة ودقيقة جداً في جسم الانسان اذ يتداخل فيها أكثر من 250 مادة كيميائية.

ثم أضاف:

– ان الشرايين الدقيقة في جسم الانسان عندما تتمدد خصوصاً على سطح الجسم تؤدي الى فقدان كمية لا بأس بها من الحرارة ومن السوائل. وبالعكس في حالة البرودة الشديدة يقوم الجسم بتحويل الماء الدافقة الى الأماكن الحيوية في الجسم مثل القلب والدماغ للمحافظة على حرارة معينة لدى هذه الأعضاء. وتجدر الاشارة الى انه طبياً، الشعور بالعطش يتحكم به أيضاً أكثر من 200 عامل ومادة كيميائية تحفز الانسان على طلب الماء بكمية معينة محددة وهذا من الاعجاز العلمي في جسم الانسان، فإن قدرة الانسان على التكيف مع اختلاف الحرارة هي مذهلة، ولكن للأسف قد يفقد أحياناً الصغار والمتقدمون في السن والمقعدون الاحساس بالعطش او البرد او الحرارة وبالتالي يكون التأثير كبيراً في هذه الحالات.

ــ ولماذا يتأثر الجهاز العصبي عند التعرض للحرارة الشديدة؟

– الجهاز العصبي يستجيب للمواد الكيمائية التي يتعـــرض لها الانسان، وهذه المـــــواد الكيميائيـــة تحفـــز الانسان لطلب المـــاء او الظل او البرودة او للجوء الى أماكن مبردة او بالعكس، وكل هذه الأمور تتم بطريقة تلقائية ولا ارادية.

ــ وما مدى تأثير الطقس الحار على الجلد؟

– بشكل عام الجلد هو من الأعضاء المهمة في جسم الانسان، واحدى وظائفه الحيوية هي المحافظة على حرارة ثابتة في جسم الانسان. ان الضرر المباشر او التأثير المباشر للحرارة على الجلد بشكل عام هو تأثير خفيف، طبعاً في حال استطاع الانسان التحكم بحصوله على الماء او الظل في حالة الحر الشديد او بالحصول على الماء والدفء في حالة البرد الشديد. ان بعض العوامل الجلدية او امراض الجلد تزيد كثيراً في حالة البرد الشديد او الحر الشديد، ولكن التأثير المباشر على الجلد يكمن خصوصاً من حيث التعرض لأشعة الشمس بشكل مباشر مما يؤدي للحروق بدرجة اولى او ثانية.

ــ ولماذا يحذرون من تأثير الحر الشديد على القلب؟

– ان التأثير على القلب ناتج بشكل أساسي عن المحاولة للمحافظة على كمية معينة من الماء، وعلى كمية معينة من الاحتراق الداخلي في الجسم البشري وهو ما نسميه <Metabolism>، وطبياً القلب في حالة فقدان السوائل يضطر للقيام بعمل مضاعف مما يؤدي أحياناً الى فشل القلب خصوصاً عند المرضى المصابين بمشاكل في هذا العضو. أما لدى الأشخاص غير المصابين بأمراض القلب فان التأثير لا يكون كبيراً عليهم لأن قدرة القلب على مضاعفة عمله هي موجودة وبكل سهولة، وبالتالي هناك امكانية لمضاعفة عمله ومضاعفة كمية المياه. تجدر الاشارة الى ان ساعة واحدة من التعرض لأشعة الشمس مفيدة اذ ليس كل تعرض للحرارة او البرودة هو أمر سيئ، إذ تبين على الصعيد الطبي ان ساعة واحدة خلال الاسبوع من التعرض لأشعة الشمس تعادل تناول عشرة آلاف مرة لفيتامين <د> الذي يحتاجه جسم الانسان نظراً لفوائده وأهميته.

ــ ما هي النصائح والارشادات الصحية في هذا المجال؟

– ننصح الجميع بالاعتدال في كل شيء خصوصاً في التعرض لأشعة الشمس، وأيضاً الاعتدال في تجنب التعرض لأشعة الشمس، وكذلك الاعتدال في شرب الماء، والاعتدال في كل شيء آخر لأن قدرة الجسم الهائلة على التكيف في مختلف درجات الحرارة تجعل من الانسان مخلوقاً فريداً قادراً على الحياة في مختلف الظروف… ان جسم الانسان لاشعورياً يحفزه على طلب كمية معينة من الماء او كمية معينة من الدفء. وفي ما يتعلق بتأثير الحر الشديد على صحة الانسان فيقر بعض الأطباء ان هناك ساعة بيولوجية في جسم الانسان، وهذه الساعة البيولوجية تتكيف مع الليل والنهار وأيضاً تتكيف مع تغير الفصول بطريقة معينة، وهذه الساعة موجهة بدقة أوضح لدى الحيوانات حيث يُلاحظ ان الكثير منها تقوم بالتزاوج والانجاب بموسم معين، وهذا دليل آخر على وجود ساعة بيولوجية داخل جسم الانسان تتحكم بردة فعل الجسم إزاء التغيير المناخي والفصول المختلفة، مع الاشارة الى ان هذه التغيرات الحرارية الفصلية هي مفيدة للجسم.