13 November,2018

حذار من التدخيــن السلبــي.. فـهــــو قـاتـــــل أيـضــــــاً!  

بقلم وردية بطرس

passive-smoking-heightens-dementia-risk-_tkvi-----1

كثيرون من الناس يظنون ان المدخن حين يدخن انما يضر نفسه وحسب، وهذا غير صحيح ذلك لأن المدخن يضر كذلك من حوله بسبب تعاطي هذه الآفة في الأماكن العامة او التي يشغلها غيره من الناس… فالتدخين السلبي يعني استنشاق الدخان المنبعث من منتجات التبغ التي يستخدمها الآخرون، ويطلق عليه الدخان غير المباشر <Secondhand Smoke – SHS> او <دخان التبغ البيئي> ويحدث ذلك عند التعرض لدخان التبغ الذي ينفذ الى اية بيئة، ما يتسبب في استنشاق الموجودين داخل تلك البيئة له. وقد أثبتت الأدلة العلمية ان التعرض لدخان التبغ غير المباشر يسبب المرض والعجز وقد يتسبب بالوفاة.

لقد كان للتدخين السلبي دور أساسي في الجدل المثار حول أضرار منتجات التبغ وضرورة وضع قواعد تنظيمية لاستخدام هذه المنتجات. ومنذ أوائل سبعينات القرن العشرين كان التدخين السلبي هو الشغل الشاغل لشركات صناعة التبغ لكونه يمثل تهديداً خطيراً لمصالحها التجارية، وكانت فكرة دفع الأذى عن <المارة الأبرياء> من غير المدخنين الدافع الأساسي لفرض قواعد أكثر صرامة على منتجات التبغ. وعلى الرغم من ادراكها المسبق للأضرار المحتملة للتدخين السلبي، الا ان شركات تصنيع التبغ نسقت في ما بينها لتوجيه دفة الجدل العلمي للحيلولة دون وضع قواعد تنظيمية مسبقة لمنتجاتها.

في المقابل، هناك اجماع علمي في الوقت الحالي حول المخاطر الصحية لدخان التبغ غير المباشر، وقد مثلت هذه المخاطر أحد الدوافع الرئيسية وراء حظر التدخين في أماكن العمل وفي الأماكن العامة المغلقة، ويشمل ذلك المطاعم والحانات والنوادي الليلية.

وكانت احدى الدراسات التي أجرتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان في العام 2004 والتي تعد جزءاً من منظمة الصحة العالمية قد أفادت ان غير المدخنين يتعرضون للمواد المسرطنة تماماً مثل المدخنين بشراهة، إذ يحتوي الدخان الثانوي الناجم عن التدخين على أكثر من 4000 مادة كيميائية، بما في ذلك المواد المسرطنة المعروفة والتي يبلغ عددها 69 مادة. ومن أكثر هذه المواد خطورة الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، ومركبات <النتروزامين> الموجودة في أنواع معينة من منتجات التبغ، والأمينات العطرية والتي تعرف جميعها بأنها مواد مسرطنة للغاية، ويحتوي تيار الدخان الرئيسي الناجم عن التدخين، اضافة الى تيار الدخان الثانوي، والدخان غير المباشر على المكونات نفسها تقريباً، الا ان تركيز تلك العناصر يختلف باختلاف نوع الدخان. وقد أثبتت الأبحاث التي قامت بها شركات التبغ نفسها ان أكثر من مادة من المواد المسرطنة المعروفة توجد في التركيزات المرتفعة من الدخان الثانوي بصورة أكبر من وجودها في الدخان الرئيسي، كما ثبت ان الانبعاثات الملوثة الدقيقة الصادرة عن دخان التبغ البيئي تفوق مثيلاتها الصادرة عن محرك ديزل منخفض الانبعاثات اذا تم تشغيله في وضع الثبات. ففي تجربة أجراها المعهد الوطني الايطالي للسرطان، تُركت ثلاث سجائر تحترق وتدخن من غير لهب واحدة تلو الأخرى في مرآب سيارات سعته 60 متراً مكعباً وليس به منافذ تهوئة جيدة، فأصدرت السجائر انبعاثات دقيقة ملوثة تخطت حدود الكاراج، وكذلك تركيزات مواد دقيقة تصل الى 10 أضعاف الانبعاثات التي يصدرها محرك يعمل في وضع الثبات.

ويؤدي التعرض للدخان الصادر عن التبغ الى آثار فورية وهائلة على الدم والأوعية الدموية على نحو يزيد من احتمالية الاصابة بأزمات قلبية، وخصوصاً في الحالات المعرضة بالفعل لخطر الاصابة، ويؤدي التعرض لدخان التبغ لمدة 30 دقيقة الى التقليل بشكل هائل من سرعة تدفق الدم عبر الشرايين التاجية لدى غير المدخنين الذين لا يعانون من أي مشاكل صحية.

والتدخين السلبي اللارادي لا يقتصر تأثيره على الشخص الذي يقوم بالنفخ فقط، إذ ان أي شخص في الجوار يستنشق الدخان الخارج من النهاية المشتعلة في السيجارة أو السيجار او النرجيلة فضلاً عن استنشاق الدخان الذي ينفثه المدخن نفسه. والتنفس وسط التدخين السلبي اللارادي يزيد من مخاطر اصابة الشخص بالعديد من الأمراض نفسها التي تؤثر على المدخنين ومنها: سرطان الرئة، مرض الشريان التاجي، السكتة الدماغية وغيرها. والتدخين السلبي يسبب 46000 حالة وفاة في الولايات المتحدة كل عام، كما ان أطفال المدخنين يعانون بشكل أكبر عادة من التهابات الأذنين وأمراض الجهاز التنفسي مثل التهاب الشعب الهوائية والربو، ويكونون أكثر عرضة لخطر الموت من جراء متلازمة موت الرضع المفاجىء.

وقد ثبت في الوقت الحاضر ان التدخين السلبي من المسببات الأكيدة لسرطان الرئة عند الانسان حيث ثبتت علمياً العلاقة المباشرة بين التعرض لهذا النوع من الأذى والاصابة بسرطان الرئة الذي يعد في التصنيف العلمي من مسببات سرطان الرئة من فئة (أ) اي التي لا تقبل الشك نتيجة اثبات هذه العلاقة المسببة المباشرة عن طريق دراسات علمية موثقة حسبما أوردت وكالة حماية البيئة في أميركا، بل انها ذهبت الى أبعد من ذلك بأن أثبتت بالدراسات العلمية ان التدخين السلبي يسبب أكثر من 3000 حالة وفاة من غير المدخنين سنوياً في أميركا.

 

6 ملايين انسان يموتون سنوياً

فما هي المخاطر الصحية التي يتعرض لها غير المدخن؟ ولماذا غير المدخن يتضرر اكثر من المدخن نفسه؟ وغيرها من الأسئلة اجاب عنها الدكتور نديم كنج اختصاصي الأمراض الصدرية وسألناه:

ــ ما هي المخاطر التي يتعرض لها غير المدخن عند استنشاق الدخان؟

– أولاً لا بد من الاشارة الى ان التدخين هو أهم مسبب للوفيات في العالم، اذ ان 6 ملايين انسان يموتون سنوياً بسبب التدخين. كما ان التدخين مسؤول عن الوفاة أكثر من السل والملاريا وغيرها من الأمراض… وهناك أربعة أمراض سببها التدخين وهي امراض السرطان، أمراض الرئة، أمراض القلب، والجلطة الدماغية. فتأثير التدخين السلبي على الرئتين كبير لدى الأطفال والكبار، كما انه أيضاً سبب رئيسي من مسببات ضعف الرئتين في أداء وظائفها حيث ان التعرض لدخان السجائر من غير المدخنين يؤدي مع الوقت الى ضعف وهبوط في قدرة الرئتين على استنشاق الهواء مما يؤدي الى الاصابة بضيق في الصدر والتنفس. وبالنسبة لعلاقة التدخين بأمراض القلب فلقد أكدت بعض الدراسات ان هناك علاقة وثيقة بين التدخين السلبي والاصابة بأمراض القلب وخصوصاً أمراض شرايين القلب.

ويتابع:

– هناك أمور مهمة يجب التوقف عندها بما يتعلق بالتدخين السلبي: فعندما نتعرض للدخان في الأماكن المغلقة نتضرر اكثر من المدخن، وعندما نقول الاماكن المغلقة فنعني بذلك المنزل، ومكان العمل، والمطاعم والمقاهي، والنوادي الليلية، والسينما، والسيارة، والمجمعات التجارية، والمطارات، وصالات الانتظار، والمؤسسات والدوائر الرسمية وغيرها… بما معناه ان التدخين السلبي يؤثر على الشخص عندما يحضر مع المدخنين في اي مكان مغلق.

الدكتور-نديم-كنج-----2ــ اذاً الضرر الذي يلحق بالشخص غير المدخن تماماً مثل الضرر الذي يلحق بالمدخن نفسه، فما هي الأضرار التي تلحق بغير المدخن؟

– هذا صحيح فالضرر يكون نفسه في حالة التدخين السلبي، وبحسب الدراسات فان التدخين السلبي يؤدي الى مشاكل في الرئة كما ذكرت، وطبعاً لا ننسى الضرر الذي يلحق بالمرأة الحامل إذ يولد الطفل صغير الحجم بسبب تعرض الوالدة للتدخين السلبي، وعند تعرض السيدات الحوامل للتدخين السلبي تزداد احتمالات تعرض الطفل لمتلازمة الموت المفاجىء اي احتمالات موت الجنين داخل رحم الام قبل الولادة، ولا ننسى قلة وزن الطفل عند الولادة اذ أنه من المضاعفات التي تتعرض لها المدخنات السلبيات من الحوامل قلة وزن الطفل عند ولادته عن المعدلات الطبيعية، وقلة الوزن هذه تهدد حياة الطفل حديث الولادة… وان تعرض الأطفال للتدخين السلبي يؤدي لحدوث مشاكل لديهم مثل البرونشيت والربو، ويجب الا يغيب عن البال ان التدخين السلبي يؤثر على المرأة الحامل كثيراً اذ قد يودي بها الأمر الى الاجهاض نتيجة تعرضها للمواد السامة والمضرة، ذلك ان المواد الضارة التي تخرج من السيجارة تدخل الى الرئة لدى الشخص غير المدخن اكثر من الشخص الذي يدخن نفسه، وطبعاً الضرر الحاصل لدى الصغار والكبار هو نفسه ولكن الأطفال يتضررون أكثر اذ ان الطفل يصاب بالتهابات في الاذن نتيجة تعرضه للدخان، وايضاً يُصاب بالربو والحساسية، ولا ننسى الوفاة المفاجئة وغير المتوقعة لدى الأطفال بسبب الاصابة بمجموعة من الأمراض التنفسية بما في ذلك التهاب الشعب الهوائية، التهاب القصيبات والالتهاب الرئوي، كما تزداد احتمالات الاصابة بعوارض الربو والسعال وضيق التنفس الى ما هنالك. وهناك دراسات تذكر انه اذا تعرض الأطفال للتدخين السلبي فإن احتمال ان يدخنوا في المستقبل يرتفع لأنهم اعتادوا على التدخين ويصبحون مدمنين على الدخان لأنهم تنشقوا الدخان منذ طفولتهم.

ــ وماذا عن الكبار؟

– طبعاً الكبار يتضررون من التدخين السلبي كثيراً فكما قلت انهم يصبحون عرضة للاصابة بمشاكل في الرئة، اذ يتساوى غير المدخن مع المدخن في احتمالية الاصابة بسرطان الرئة وأمراض الجهاز التنفسي مثل الالتهاب الرئوي والتهاب الشعب الهوائية، كما يصبحون عرضة للاصابة بمشاكل في القلب اذ هناك مواد ضارة تخرج من الدخان السلبي وهذه المواد تشكل ضرراً بالغاً للشخص غير المدخن حيث تتزايد معها احتمالات اصابته باضطرابات في القلب عند استنشاقها، ولا ننسى أمراض السرطان. ويظن البعض ان <فيلتر> السيجارة يخفف من ضرر الدخان ولكن هذا غير صحيح اذ تعمد الاعلانات وشركات الدخان الى اظهار <الفيلتر> وكأنه يحمي المدخن من ضرر السيجارة ولكن هذا الأمر غير صحيح.

ــ بالرغم من ان هناك قانوناً يمنع التدخين في الأماكن العامة ولكنه لا يُطبق كما يجب…

– هذا صحيح هناك قانون يمنع التدخين في الأماكن العامة ولكن للأسف لا يُطبق، وقد اجريت حملات توعية في هذا الخصوص، وتذكرين جهود <حياة حرة بلا تدخين> لتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة ولكنه لا يُطبق حتى اليوم الا في بعض الأماكن، ولكن نريد ان يُطبق في كل مكان وخصوصاً في الأماكن المغلقة لحماية صحة وسلامة غير المدخنين لأن المدخن اختار السيجارة ولكن ما ذنب غير المدخن ان يستنشق الدخان في اي مكان يقصده؟!.

ويتابع الدكتور كنج:

– نتوجه للأهل دائماً بألا يدخنوا بحضور أولادهم سواء في المنزل او اي مكان مغلق حفاظاً على صحتهم لأنه ما ذنب الأطفال ان يتعرضوا للضرر والأمراض فقط من أجل التدخين؟ فعلى الأهل ان يحموا ابناءهم قدر الامكان من مخاطر الدخان، ففي كل يوم نرى حالات مرضية بسبب التدخين حيث ان معظم الأمراض سببها الدخان، وقد يقول البعض ان نسبة التلوث في البلد عالية ناهيك عن النفايات المنتشرة على الطرقات وفي الأحياء السكنية، وبأن المواطن يعاني بسبب الفقر والفوضى والاهمال من جميع النواحي، وبالتالي ليس الدخان وحده ما يسبب المرض ويلحق الضرر بصحة الانسان، ولكن أقله نقدر ان نسيطر على الأمر اذا امتنعنا عن التدخين وبذلك نحمي أنفسنا من الاصابة بالعديد من الأمراض… صحيح ان البيئة غير نظيفة ولكن علينا ان نحمي أنفسنا قدر الامكان من خلال الاقلاع عن التدخين او اقله عدم التدخين في الأماكن المغلقة من اجل صحة الآخرين اي غير المدخنين.

ــ هل من نصائح معينة؟

– ننصح الأشخاص غير المدخنين أقله بعدم الاختلاط مع الأشخاص المدخنين في الأماكن المغلقة لأنهم بذلك يصبحون عرضة للاصابة بالأمراض تماماً كما المدخن، وبالتالي عليهم ان يفكروا بهذه الأمور اذا ارادوا الحفاظ على صحتهم. ففي عصر الانترنت اصبح الجميع يدرك مخاطر التدخين على صحة الانسان لهذا نتوجه الى غير المدخنين باعادة النظر بهذه المسألة، فنحن نعلق الآمال على وعي المواطن ليحمي نفسه، اذ للأسف لا تُطبق القوانين وبالتالي على المواطن ان يساعد نفسه بنفسه وذلك بتجنب الاختلاط مع المدخنين في الأماكن المغلقة.