14 November,2018

حاول القوميون الانقلاب على حكم فؤاد شهاب.. فكان المكتب الثاني بالمرصاد وصرخ الضباط: يعيش فؤاد شهاب، يعيش لبنان! »

بقلم صبحي منذر ياغي

11

لم يعرف لبنان في تاريخه انقلابات بالمعنى الحقيقي للكلمة كما الانقلابات التي كانت تحصل في دول عربية أخرى ومنها سوريا، وما يذكره اللبنانيون في هذا المجال المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي ليل 30/12/1961، ضد حكم الرئيس اللواء فؤاد شهاب. والانقلاب الأبيض الذي قامت به الجبهة الاشتراكية الوطنية ضد الرئيس بشارة الخوري عام 1952، وأجبرته على الاستقالة، ومحاولة انقلابية ليل 11 آذار/ مارس 1976، لإجبار الرئيس سليمان فرنجية على ترك الحكم افساحاً في المجال لانتخاب رئيس جديد للبلاد، قام بها العميد الركن عزيز الاحدب عام 1976، كمحاولة خلاص للبنان، الذي كان غارقاً في أتون الحرب الأهلية.

لعل تركيبة لبنان الطائفية التي يعتبرها البعض نقمة تشكل في بعض جوانبها نعمة كما يرى أحد الكتّاب، لأن هذه التركيبة تفرض ان يتم كل شيء في هذا البلد الصغير بالتوافق بين جميع أبنائه، لذا تحطمت على صخرة الواقع اللبناني كل المؤامرات والمشاريع من محاولة تقسيمه، الى زجه في أتون الحروب الطائفية، لأن اللبنانيين كانوا يعودون الى واقعهم ويرون الحاجة لأي توافق لحل مشكلتهم.

فالوطن العربي في تاريخه شهد سلسلة من الثورات الشعبية والانقلابات، نتيجة عوامل عدة أبرزها نكبة فلسطين عام 1948، وتحميل الأنظمة العربية القائمة حينذاك مسؤولية هذه الهزيمة، فضلاً عن التدخلات الخارجية والصراعات الدولية على منطقة الشرق الأوسط، كانت الانقلابات دوماً مغلفة بشعارات الإصلاح والتغيير والقضاء على الفساد، إلا أنها كانت في خلفيتها نتيجة حتمية للواقع الإقليمي، والدولي الذي يتغير باستمرار، وتنعكس تردداته على الوطن العربي بأسره.

في تلك الحقبة التاريخية، حاول رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة القيام بعصيان مسلح، انتهى به الى محاكمة صورية، وإعدامه بطريقة أثارت حفيظة الرأي العام المحلي والدولي في 8 تموز (يوليو) عام 1949.

شكل اعدام الزعيم أنطون سعادة مصدر قوة للقوميين الذين بدأوا بالعمل بصمت بعد الكارثة التي منيت بهم نتيجة إعدام الزعيم، زعيمهم، حتى قاموا في أوائل الستينات بمحاولتهم الانقلابية في لبنان، في الوقت الذي كان فيه المد الناصري يسود أكثر الدول العربية، وفي ظل نشوء الاحلاف الغربية ضد الرئيس جمال عبد الناصر وضد الاتحاد السوفياتي.

 

دوافع الانقلاب

انتهت أحداث 1958 التي نشبت في وجه الرئيس كميل شمعون، بسبب انضمامه الى حلف بغداد الذي قام لمواجهة المد الناصري بصيغة لا غالب ولا مغلوب، وتسلم اللواء ا

55

لرئيس فؤاد شهاب مقاليد الحكم، وبما ان القوميين السوريين وقفوا الى جانب الرئيس شمعون خلال مواجهته الأحداث التي عصفت بلبنان، شعروا بعد انتخاب شهاب انهم أصبحوا في <عين العاصفة>، وسيدفعون ثمن ولائهم للرئيس شمعون، ويقول رئيس الحزب السابق الراحل عبد الله سعادة في كتابه <أوراق قومية> عن هذه الحقبة ما يأتي: <.. كان حزبنا يعاني أكثر من سواه من اضطهاد السلطة وقمعها على كل صعيد حتى انني اضطررت كرئيس للحزب ان أراجع رئيس الجمهورية شاكياً اليه هذا الاضطهاد المتنوع الأشكال، من جملته اضطهاد المدرسين القوميين الاجتماعيين، ونفيهم دون حق الى المدارس النائية، علاوة عن باقي الموظفين في القطاعين العام والخاص.. وأذكر انني قلت له: <ان هناك ضجة كبرى تتزايد في الشعب ضد سياسة العهد، وان سلفيه بشارة الخوري وكميل شمعون قد أعفيا من مركز الرئاسة الأولى: الأول بثورة بيضاء والثاني بثورة حمراء، وأخشى ان استمرت الحال على هذا المنوال ان نواجه مشاكل في العهد الثالث.. وفي 15 ايلول/ سبتمبر 1961، أرسلت إليه كتاباً مفتوحاً عبر الصحافة أنقل إليه فيه شكوى الشعب من الحكم وكان لموقف رئيس الجمهورية اثر كبير في قرارنا بتوسل السياسة الانقلابية لإنقاذ الحزب ولبنان مما كان يعد لهما..>.

وفي السياق نفسه، ورد في قرار المجلس الأعلى في الحزب القومي في 8/7/1972 وفي معرض تقييمه لأسباب المحاولة الانقلابية في لبنان سنة 1961 انه <أثر الأحداث التي تعرض لها الكيان اللبناني عام 1958، وتدخل الحزب فيها بالقوة المسلحة، وهي أحداث خاض القوميون الإجتماعيون معاركها بقوة وشراسة واستشهد فيها عدد كبير من الرفقاء ثم انتهت الى تسوية سياسية على حساب الحزب أن أقصته عن المشاركة في الحل، وأن جاءت بحكم أخذ يعمل، بمختلف الوسائل، على خلق العراقيل واصطناع المضايقات وممارسة الضغوط في وجه العمل الحزبي وصلت الى حد محاولة اغتيال رئيس الحزب عام 1960، ومنع الاحتفالات الحزبية، واعتقال بعض المسؤولين والرفقاء بتُهم شتى ومن غير تُهم أحياناً، وإخراج العديد من الرفقاء غير اللبنانيين خارج الحدود اللبنانية، ثم ممارسة ضغوط التزوير والإرهاب وغيرهما في الانتخابات النيابية ضد مرشحي الحزب أدت الى إسقاطهم، اثر هذا كله، أخذ أكثر من رفيق مسؤول بل وأخذ الكثير من الرفقاء القوميين الإجتماعيين يفكرون ويطالبون بعمل جدي حاسم لوضع حد لهذا التنكيل، وفك الطوق الذي أخذ يشتد على الحزب، وللدفع بالحزب الى الفعل في سياسة البلد وقيادته، بما يتناسب مع قوته ونضاله ومساهمته الأساسية في أحداث عام 1958. ونشأ في القيادات العليا اتجاه نحو الإقدام على خطوة حاسمة ترفع المعنويات في الداخل، وترد للحزب اعتباره في الخارج وتدفع به الى أن يغدو قوة مؤثرة في سير الأحداث، وفاعلة في سياسة البلد>.

يجب ان نسبقه!

كان أسد الاشقر أول من طرح فكرة الانقلاب على رئيس الحزب عبد الله سعادة في أوائل عام 1961، وكان دافعه الى ذلك حسب ما قاله <ان الحزب هو الحسكة العملاقة الباقية في حلق فؤاد شهاب الذي يتحين الفرصة حتى يضرب الحزب ولذلك يجب أن نسبقه>.

وما أن وقع الانفصال في سوريا مع مصر، فقد استقر عزم رئيس الحزب عبد الله سعادة، فبادر فوراً، وبعد أربعة أيام فقط من وقوع الانفصال الى تطيير البرقيات لبعض القوميين وبدأت قيادة الحزب القومي إعداد الخطة النهائية لتنفيذ الانقلاب، وجرى وضع الخطوط العامة للخطة الانقلابية.

 

أبو منصور كشف الخطة

66

أجواء المباحثات القومية حول الخطة الانقلابية وصلت للمكتب الثاني من خلال الضابط سامي الخطيب (الذي أصبح فيما بعد نائباً في البرلمان)، والذي تلقى معلومات مفصلة في هذا المجال من صديق له لجأ الى لبنان وهو ضابط سوري سابق مسرح من الجيش يدعى فضل الله أبو منصور وقد هرب من الملاحقات التي كان النظام السوري ينفذها بحق القوميين بسبب اغتيال العقيد البعثي عدنان المالكي في دمشق. وكان الخطيب قد عمل على تسوية إقامة أبو منصور في لبنان ورتب له مساعدة مالية شهرية وأصبح بمنزلة متعاون فاعل مع الشعبة الثانية. وتولى سامي الخطيب رفع تقرير بهذه المعلومات الى رئيس الشعبة الثانية العقيد أنطوان سعد في 16/10/1961.

 ويقول النائب السابق اللواء سامي الخطيب في هذا المجال: <انه منذ ذلك التاريخ، انطلقت عجلة الشعبة الثانية لرصد تحركات القوميين السوريين على الصعد كافة وفي كل المناطق واعتبر نشاط الحزب القومي أولوية في عمل الشعبة الثانية وبدأت ترد الى رئاسة الشعبة التقارير اليومية عن تحركات القوميين السوريين من المناطق وكان أهمها منطقة الشمال حيث تمكن الملازم أول الشيخة من تجنيد سائق الدكتور عبد الله سعادة رياض درويش، وتمكن النقيب إميل كلاس في أبلح من تجنيد أحد مسؤولي الحزب في منطقة شتورا، ومثلهما النقيب كمال عبد الملك في الجنوب، والرائد أنيس أبو ذكي في جبل لبنان، وطبعاً أنا في بيروت..>.

 

ساعة الصفر

تقررت ساعة الانقلاب الساعة الثالثة من صباح 31/12/1961 وكانت خطة التنفيذ وفق ما ذكرها رئيس الحزب عبدالله سعادة تقضي باعتقال رئيس الجمهورية داخل مسكنه في صربا واعتقال قائد الجيش وكبار ضباط الأركان واحتلال وزارة الدفاع من قبل كتيبة النقيب فؤاد عوض المصفحة واحتلال الاذاعة اللبنانية وقطع الاتصالات الهاتفية في كل لبنان والإفراج عن النقيب شوقي خير الله من سجنه في منطقة الفياضية ليكون الى جانب النقيب فؤاد عوض ساعة التنفيذ واستنفار قوميي الشمال في طرابلس لمواجهة اي خلل او اضطراب.

22

وكان النقيب سامي الخطيب قد تبلغ من صديقه أبو منصور معلومات عن إمكانية حصول الانقلاب عند الساعة الثانية والنصف صباحاً، فسارع الى مقر قيادة الجيش التي كانت في منطقة المتحف. ويذكر الخطيب انه باشر مع رئيس الشعبة الثانية العقيد أنطوان سعد اتخاذ التدابير الاحترازية، حيث عمد العقيد سعد الى الاتصال بالقصر الجمهوري في صربا، واستنفر الحرس بالكامل، وكان رئيسه آنذاك الملازم أول صادق رعد، وكان رعد ضابطاً نشيطاً محباً للرئيس فؤاد شهاب.. وطلب سعد من المقدم جان نخول الذهاب فوراً الى المحكمة العسكرية لاستنفار قيادة الشرطة العسكرية واستقدام مصفحاتها لحماية وزارة الدفاع.

تحرير خير الله واعتقال ضباط

ويؤكد علي نزهة (قيادي سابق في الحزب القومي) خلال حديث معه ان الانقلاب يعتبر ناجحاً، لأن القوميين تمكنوا من تحرير رفيقهم الضابط المعتقل شوقي خير الله وبدا تنفيذ العمليات كما هو مقرر، واعتقلوا رئيس الأركان يوسف شميط، وقائد موقع بيروت عبد القادر شهاب، والمقدم توفيق جلبوط مدير الأمن العام، والمقدم الراسي والمقدم جنادري، والزعيم ميشال نوفل قائد قوى الأمن الداخلي، أما قائد الجيش عادل شهاب فكان غائباً عن بيروت.. ولكن الفشل يقع على بطء بعض المسؤولين في الحزب في إكمال الخطة المقررة وفي التنفيذ نتيجة تضارب في المعلومات، ما يعني ان المشكلة كانت لدى الحزب، لا السلطة اللبنانية التي باتت وقتذاك بحكم المعتقلة..

كيف فشل الانقلاب؟

44

وصلت المصفحات والشاحنات العسكرية برئاسة الضابط الانقلابي فؤاد عوض الى امام مقر وزارة الدفاع، وجرى تبادل اطلاق النار بين المهاجمين والمدافعين عن الوزارة، والذي كان في عدادهم العقيد سعد، والعقيد اسكندر غانم، والنقيب سامي الخطيب، والنقيب أحمد الحاج الذي تمكن من الافلات من معتقليه.

يقول اللواء سامي الخطيب في هذا الصدد انه في حوالى الساعة الرابعة صباحاً حصل تطور ايجابي لصالحنا اذ وصل صبحي ابو عبيد (وهو عميد في الحزب القومي)، الى ساحة المتحف وكان متوتراً جداً، وأعلم فؤاد عوض بفشل الحملة على منزل فؤاد شهاب، وشرح له كيف فوجئوا بالحرس الجمهوري ومصفحاته التي استقدمت من صربا بحالة استنفار قصوى، وما ان أطل الرتل الانقلابي بقيادة صبحي أبو عبيد والملازم علي الحاج حسن المكلف باعتقال فؤاد شهاب او قتله عند الضرورة حتى فتح الحرس الجمهوري النار على أفراد الرتل، مما أجبرهم على ترك السيارات والتفرق بكل الاتجاهات، وتمكن الحرس الجمهوري من توقيف البعض ايضاً..

 

دبابات <M48>  تفشل الانقلاب

ويتابع الخطيب في مكان آخر: .. حوالى الساعة الخامسة صباحاً، شق صمت الليل الطويل.. فإذا بأصوات جنازير الدبابات <M48> الكبيرة آتية من جهة مستشفى البربير.. ولما سمع النقيب عوض صوت الـ<M48> بدأ يقترب وأصبحت طلائعها على موازاة بوابة قصر الصنوبر، طلب من آمر المصفحة قصف الدبابات الآتية من جهة البربير بالقنابل الحارقة، لكن الرقيب الأول آمر المصفحة سأل النقيب عوض: لماذا نقصفهم وهم من جيشنا، ونحن هنا لنحرر القيادة من جماعة جنبلاط الذين احتلوها ليلاً.. هكذا قلت لنا..

33

واضاف الخطيب: في هذه الاثناء فتحت دبابات <M48> نار رشاشاتها من عيار 12,7 ملم، فأصيب بضعة جنود من كتيبة عوض كما سمعت مصفحات قوى الأمن الداخلي بقيادة العميد سعيد الحسن قائد شرطة بيروت آتية من جهة المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، من جهة منطقة الطبية على طريق الشام، وكذلك كانت قد وصلت قبل ذلك سرايا من الفوج الرابع وتمركزت قرب قصر العدل، وعلى مداخل بدارو..

وهكذا تم الإطباق على كتيبة المصفحات المستقلة الثانية التي كانت تطوق وزارة الدفاع لتحقيق عملية انقلابية بالاشتراك مع الحزب القومي، لكن النقيبين فؤاد عوض وشوقي خير الله تمكنا من الفرار بسيارة جيب <لاند روفر> واتجها نحو الاشرفية…

يعيش فؤاد شهاب، يعيش لبنان!

وفي تمام الساعة السادسة والربع من صباح الأحد 31/12/1961، دخل الملازمان الأولان جوزف روكز وأنطوان بركات والمرافقون الى وزارة الدفاع وهم يرفعون رشاشاتهم ويصرخون بأعلى اصواتهم: <يعيش فؤاد شهاب، يعيش لبنان!..>.

وهكذا فشلت عملية الانقلاب، وجرى تحرير الضباط المعتقلين لدى القوميين الذين جرت مطاردة فلولهم في منطقة المتن، ليتم إلقاء القبض على عبد الله سعادة والانقلابيين والعشرات من القوميين وحظر الحزب ومنعه من العمل، وتبدأ سلسلة محاكماتهم في ثكنة الأمير بشير في بيروت.. وتستمر لمدة طويلة من الزمن..

لذا فإن تاريخ لبنان الحديث لا يحمل بين صفحاته واقعة انقلابية في لبنان الا هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة للقوميين، الذين هم في الأساس لا يؤمنون وفق أدبياتهم وعقيدتهم بنهائية الكيان اللبناني.