14 November,2018

حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد أعلن مطلع هذا الشهر إطلاق «مسبار الأمل »  لاكتشاف المريخ!  

11202956_1392457674414973_4189648265369818307_n لطالما دخلت الشمس والقمر والنجوم شريكة أساسية في معظم أغنياتنا، فهذا يريد ان يهدي الشمس لحبيبته، وذاك ينوي ان <يقسم القمر> نصفين: نصف له والنصف الآخر للتي يعشقها، وذلك يريد ان يطفئ النجوم واحدة تلو الأخرى حتى تلمع فقط عينا حبيبته فتضيء الكون كله. وفي جانب آخر، لطالما احتفلنا بالفلك من باب المنجمين الذين يستوحون منه ما يبشروننا به من مصائب سوداء تقع على رؤوسنا في بلد كثر منجموه ولو صدقوا.

اليوم تأتينا هذه الأجرام، الشمس والقمر والنجوم وعلوم الفلك بشكل عام من باب العلم، العلم وحده الذي يسبر أغوارها ويدرسها عبر تقنيات فائقة الدقة ويكتشفها مادة أمام عينيه يطور فيها حياته، ويحافظ على بيئته ويدرسها من جوانبها كافة، وقد يكتشف فعلياً ان له جيراناً في كواكب أخرى.

المؤتمر الاول لعلوم الفلك تحت عنوان <مهرجان الفلك من فلورانس الى لبنان> اتخذ على عاتقه هذه المهمة رافعاً شعار <كلنا أولاد النجوم، متحدون تحت سماء واحدة>، وقدمها هدية الى اللبنانيين المهتمين بهذا الشأن في سابقة هي الاولى علها تنسحب على السنوات اللاحقة. ..

  

 كواكب أخرى مأهولة؟

من منا لم يتساءل يوماً: هل هناك كواكب أخرى يعيش عليها آخرون، ام ان الارض فقط هي الكوكب المأهول؟  إذا نظرنا الى قرص الشمس ماذا نرى، وماذا نكتشف لو رأينا بأم العين ما يخبئه القمر وسطحه؟  هل كانت الشمس يوماً ما مأهولة، وهل ستكون كذلك يوماً؟  كم يبلغ عمر الكون، وكيف نشأ؟  وكم عمر الشمس؟ وإلى متى سوف تمدنا بالحرارة والحياة؟ كيف تكون نهايتها؟  ومتى؟ وهل سيبقى مدار الأرض حول الشمس كما هو أم سيتغير في المستقبل؟ هذه الأسئلة طرحها <مهرجان علوم الفلك من فلورانس الى لبنان> الذي نقل تجربته بنجاح الى بلد الأرز للمرة الاولى بعد المكسيك، وذلك تحت رعاية السفارة الفرنسية وفي جامعتين ومدرسة: هي الى اليسوعية، جامعة <سيدة اللويزة> ومدرسة <لويز فيغمان>.

فما الذي تضمنه هذا المهرجان، وأين لبنان من هذا العالم الغريب عنا، وأين وكيف تمت مشاهدات الكواكب؟

يعتبر علم الفلك من اقدم العلوم، ولطالما وقف الانسان مندهشاً أمامه يتساءل عن النجوم ومواقعها ومسارها، وهو تطور ليصبح أحد العلوم الحديثة. فقد تكون علم الفلك في العصور المبكرة من الملاحظات والتنبؤات حول حركة الأجسام التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة.

وقبل اختراع <التليسكوب> أو المرقب، كانت الدراسات المبكرة للنجوم تجرى من خلال أماكن الرصد المتاحة في ذلك الوقت، مثل البنايات والأراضي المرتفعة باستخدام العين المجردة. ومع تطور الحضارات، تم تجميع نقاط الرصد الفلكية في كل من العراق القديمة، اليونان، ومصر، وبلاد فارس، وحضارة <المايا> في أميركا الجنوبية، والهند، والصين. اما اليوم، فقد تطور ليصبح علماً حديثاً، ولبنان على خارطته.

11221840_1393214657672608_4095185642124790914_n 

الفيزياء الفلكية

في العام 2010 وفي ﻣﺒﺎﺩﺭﺓ لا ﺳﺎﺑﻖ ﻟﻬﺎ ﻋﻠﻰ صعيد جامعات لبنان، أعطت وزارة التربية والتعليم العالي جامعة <سيدة اللويزة> وجامعة <القديس يوسف> ترخيصاً لمباشرة التدريس في برنامج <الماستر> المشترك في علم الفيزياء الفلكية اعتباراً من السنة الجامعية 2011 -2012. والفيزياء الفلكية هي اﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟــﺬﻱ ﻳﻄﺒﻖ مبادئ الفيزياء في مجالات عدة من علم الفلك ويحاول تحديد الطبيعة المادية للنظام الشمسي والنجوم والمجرّات والكون كله وأصولها وتطورها. ويتناول هذا العلم بحسب ما يشرح الدكتور وهبة فرح الكون كله بما في ذلك الخصائص الفيزيائية من لمعان وكثافة وتكوين كيميائي للأجرام الكونية من نجوم ومجرات وكذلك تحركاتها وتأثيراتها وتفاعلاتها. ويجري علماء الفيزياء دراساتهم في هذا الميدان من خلال <تلسكوبات> بصرية تمكنهم من رصد الأجرام الفضائية التي ترسل موجات كهرومغناطيسية في شكل ضوء مرئي وأشعة ما تحت الحمراء اي بنفسجية.

 أما الغاية من وجود هذا الاختصاص بين جامعتين في لبنان بحسب ما يحددها مدرس مادة الفيزياء الفلكية في جامعة <اللويزة> روجيه حجار، فكانت التحفيز على درس العلوم الفلكية في لبنان وتثبيت هذا العلم وتطويره لـفـيـزيـاء الـفـلـكـيـة، وهو اخـتـصـاص لا يمكن لجامعة بمفردها ان تأخذه على عاتقها لكثرة متطلباته ان في المعدات والتجهيزات ولندرة الاختصاصيين الموجودين وقد لا يتعدون عدد اصابع اليدين، فكانت الشراكة لخلق شيء ما جديد للطلاب.

 ويهدف هذا الاختصاص الى ايجاد مرصد لعلم الفلك في لبنان قد يكون في القرنة السوداء، ذلك ان اوروبا واميركا مثلاً تراقب حركات النجوم لكنها لا تتمكن من متابعتها في مرحلة معينة لذلك هي بحاجة الى مرصد في الشرق الاوسط لإتمام عملها.

لا يعتبر لبنان بعيداً جداً عن علوم الفلك اذ ان لبنانيين كثر حلقوا في هذا المجال في الخارج، الا ان التقنيات المطلوبة لا تتوافر في بلدنا على نحو واسع. كذلك، فإنه مع فتح باب هذا الاختصاص، فإن الطلاب سيتشجعون على دراسته وهو بالطبع يشمل مجالات عدة، من رصد للأجرام السماوية ومعرفة حال الطقس بشكل دقيق ومواكبة العالم وجديده في هذا المجال، كما ان هذا العلم بات مطلوباً في المدارس الثانوية لأنه يضيف معلومات جديدة ومعمقة الى مادة الفيزياء وهو يتيح للطلاب العمل في الشركات التي تعنى بمعدات وأجهزة <التلسكوبات> وكاميرات لها علاقة بـ<التلسكوبات> فضلاً عن إكمال الدراسة لنيل شهادة الدكتوراه.

 

 شمس. . بـ<الفيلتر>

11223710_925670334121016_5690855826542764105_n 

 وفي إطار الترويج لهذا العلم وهو يجذب الكثير من الشباب المهتمين كان <مهرجان الفلك من فلورانس الى لبنان>. فما هو مهرجان <فلورانس> الفرنسي الفلكي الذائع الصيت؟

تحت عنوان <مزرعة النجوم>، يعتبر مهرجان <فلورانس> في فرنسا لعلوم الفلك لقاءً سنوياً كبيراً للثقافة العلمية وهو مع التركيز كأولوية على علوم الفلك والفيزياء الفلكية، وضع ثلاثة أهداف أساسية يسعى الى تحقيقها :السماح لكل فرد منا فهم العالم الذي يحيط به بشكل أكبر، تسهيل وصول العلوم الى الجميع ومواكبة تطورها المستمر في المجتمعات. هذه الأهداف جذبت المهتمين اللبنانيين في مجال هذه العلوم وكانت شرارة نقله الى لبنان قد اندلعت في العام الماضي. فجان – بيار صغبيني المهتم الكبير بعلوم الفلك سافر في شهر آب/ أغسطس من العام 2014 للمشاركة في الدورة الرابعة والعشرين لهذا المهرجان الذي انطلق منذ ربع قرن تقريباً، ولمعت فكرة إحياء مهرجان مماثل للمرة الاولى في بيروت بالشراكة مع مهرجان <فلورانس>. عقد صغبيني لقاءً مع <برونو مونفلييه> مؤسس ورئيس هذه التظاهرة وحول غداء ودي في <مزرعة النجوم> التابع للمهرجان ولدت صداقة فرنسية – لبنانية هدفها علوم السماء.

 لم يكن صغبيني يتوقع هذا النجاح للمهرجان منذ الإعلان عنه. اعتقد ان الطلاب سيكونون أبرز المهتمين مع بعض الهواة، إلا انه فوجئ بالعدد الكبير من طالبي المشاركة في المهرجان لمشاهدة الشمس والقمر من خلال <تلسكوبات> ومعدات مجهزة ولمراقبة حركة الكواكب. توزعت المهام بين ثلاثة مراكز مختلفة: الجامعة اليسوعية للمحاضرات والمشاهدات النهارية للشمس، جامعة <اللويزة> للمشاهدات الليلية والتعرف الى القمر والنجوم عن قرب، وكانت هناك مشاركة ايضاً لمدرسة <لويز فيغمان>. المعدات جميعها كانت مجهزة ودقيقة مع <الفيلترات> اللازمة لمشاهدة الشمس بحيث لا يسمح لمشاهدها بأكثر من أربعين ثانية. أما المحاضرات المتعمقة والدقيقة، فقد اختلفت عناوينها مع المداخلين السبعة : كلود حايك من الجامعة اللبنانية، <بيتر فون بالموس> من جامعة <تولوز>، <جان فيليب اوزان> من معهد <هنري بوانكاريه – باريس>، روجيه حجار من جامعة سيدة <للويزة>، نيللي معوض من الجامعة اللبنانية – الاميركية في بيروت و<بيار توماس> من <ليون>. واختلفت المواضيع التي طرحت للإجابة عن أسئلة عديدة بينها مثلاً: هل يمكن ان يكون هناك كوكب مأهول غير الارض وهناك الكثيرون يعتقدون ذلك: والجواب ربما يكون هناك نعم، الا اننا لا نملك وسيلة الوصول اليه لنعرف. كذلك اجابت المحاضرات عن أسئلة من نوع: أين كان النظام الشمسي مسكوناً وأين يمكنه ان يكون كذلك مستقبلاً، الثقوب السوداء، كيف تنمو وكيف تتوهج؟ ما هي المواد البدائية للنظام الشمسي؟ وماذا عن <الهارمونيا> في الكون بين العلم والموسيقى فضلاً عن محاضرات حول <ثلاثة آلاف عام من علم الفلك في رحلة الـ13,8مليار عام> و<أضواء على الجانب المظلم من الكون> الى غيرها العديد. . وقد واكبت هذه المحاضرات المستوحاة من المهرجان الفرنسي ورش عمل ومعارض ولقاءات مع الباحثين.

محمد-بن-راشد-آل-مكتوم-aالإمارات السباقة..

 

وفي موضوع الفلك وسبر أغواره، دخلت الإمارات بقوة على الخط. ففي السادس من الشهر الجاري، أعلن حاكم دبي محمد بن راشد خلال حفلة أقامها في قصره ان الإمارات قررت إطلاق مسبار فضائي لاستكشاف المريخ سيطلق عليه اسم <مسبار الأمل> على ان يحط على الكوكب الأحمر قبل نهاية العام 2021 وتحديداً قبل الثاني من كانون الاول/ ديسمبر العام 2021 الذي يصادف الذكرى الخمسين لدولة الإمارات، معتبراً الحدث محطة حضارية مهمة في التاريخ العربي واستثماراً حقيقياً للأجيال المقبلة. وقد جاء اختيار الاسم <مسبار الأمل> بعد حملة على موقعي <تويتر> و<فايسبوك> للحصول على مقترحات. وسوف يعمل على <المسبار> 150 مهندساً ومهندسة من الإمارات تحت إدارة رئيسة الفريق العلمي <سارة الاميري> التي اعتبرته <أول مشروع يعطينا رؤية كاملة للغلاف الجوي لكوكب المريخ بطبقاته كافة ولماذا تحول هذا الكوكب من كوكب عليه مياه الى كوكب من دون مياه سائلة>. اما هدف <مسبار الأمل> فقد حدد بفهم العلاقة والتفاعلات بين طبقات الغلاف الجوي للمريخ واكتشاف أسباب تآكل الغلاف الجوي ومتابعة حالة الطقس باستمرار وفهم التغيرات على سطح المريخ. اما لماذا المريخ؟  لأنه وكما يجيب مدير عام <وكالة الإمارات للفضاء> محمد الأحبابي: <ان المريخ هو اتجاه البشرية. كل الأبحاث حالياً وكل المهمات الفضائية هي باتجاه المريخ لأنه أصبح الجهة التي تنظر اليها البشرية ككوكب قابل للحياة >.

هنيئاً للبنانيين بدء التفتيش عن كواكب أخرى قد يتمكن الانسان من العيش فيها لاحقاً مع التمني بألا تكون الهجرة جماعية الى هناك ايضاً.