25 August,2019

حادثة الطفلة ايلا طنوس دفعت  للاهتمام بمـوضـــوع خدمــات الـطـــوارئ فـي لـبـــنان!

 

بقلم وردية بطرس

2 

طب الطوارئ هو أحد فروع العلوم الطبية السريرية الذي يهتم بعناية ورعاية الكبار والأطفال من المرضى او المصابين، الذين تتطلب حالتهم الصحية التدخل الفوري السريع والمناسب والصحيح، ولا يعنى كثيراً بمتابعة ورعاية المريض على المدى الطويل حيث يقوم طبيب الطوارئ او اختصاصي الطوارئ بتشخيص مجموعة كبيرة من الأمراض المختلفة، كما يقوم بالتدخلات الحادة والسريعة لمساعدة وتثبيت الحالات الحرجة…

بالنسبة لقطاع خدمات الطوارئ الطبية في لبنان فهو مجزأ الى حد ما بحيث يفتقد الى الادارة المناسبة على مستوى الموارد، وبسبب التحديات المختلفة المتعلقة بالنظام الصحي، فإن خدمات الطوارئ الطبية تشهد حالياً حالة من محدودية الفعالية والكفاءة مما يهدد استمرارية الرعاية. وكان <مركز ترشيد السياسات الصحية في كلية العلوم الصحية> في الجامعة الأميركية في بيروت قد نظم بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني ووزارة الصحة العامة حواراً للسياسات بهدف تقوية وتعزيز قطاع خدمات الاسعاف والطوارئ الطبية في لبنان. وخلال مشاورات الحوار اتفق المشاركون على تشكيل لجنة توجيهية موحدة تشرف على التعاون والتنسيق بين جميع العاملين في قطاع الاسعاف، واستناداً الى الأدلة العلمية التي قدمت خلال الحوار وضع أصحاب القرار نموذج تمويل جديداً لهذه الخدمات. وكانت الجلسة قد انعقدت بحضور ومشاركة المدير العام لوزارة الصحة العامة الدكتور وليد عمار، ونقيب الأطباء البروفيسور ريمون صايغ، ونقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون، والأمين العام للصليب الأحمر اللبناني السيد جورج كتانة، والمعنيين والممثلين عن الجهات ذات العلاقة مثل نقابة الممرضين، الجيش اللبناني، قوى الأمن الداخلي، الدفاع المدني، المستشفيات والمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية المعنية بقطاع الرعاية الصحية ما قبل الاستشفاء، والجهات الخاصة التي تقدم خدمات الطوارئ الطبية وعدد من الباحثين وطلاب من كليات الطب والصحة العامة. وبحسب موجز السياسات الصحية والذي يعدّه <مركز ترشيد السياسات الصحية> استناداً الى أحدث البراهين من الدراسات المحلية والدولية ذات الجودة العالية، فان وكالات خدمات الطوارئ الطبية في لبنان تنقل فقط حوالى 15.2 من المرضى المصابين بالجلطة الدماغية متأخرين الى طوارىء المستشفى وذلك بحسب احصائيات أحد أكبر المستشفيات في بيروت، كما يبين موجز السياسات العامة ان محدودية قطاع خدمات الرعاية الصحية في لبنان تعود الى مشاكل على مستوى الحوكمة والتمويل وترتيبات تقديم خدمات الرعاية، وقد تلقّى جميع المشاركين في النقاش نسخة عن الموجز قبيل انعقاد جلسة الحوار ليتمكنوا من النقاش بطريقة أكثر اطلاعاً.

بدوره أوضح السيد جورج كتانة الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني ان الصليب الأحمر اللبناني يستجيب اليوم لغالبية طلبات الاسعاف في لبنان، اذ قدّم في العام 2016 خدمات الاسعاف لأكثر من 130 ألف مريض، مع التأكيد على ان هذا لا يخلو من التحديات، اذ هناك تحديات كبيرة تواجه جميع الوكالات التي تقدم خدمات الاسعاف في لبنان، وهناك الكثير لفعله في ما يتعلق بتحسين وتطوير الاستجابة لحالات الطوارئ وتقديم خدمات رعاية عالية الجودة في هذا القطاع الحيوي.

وبالنسبة لمدير عام وزارة الصحة العامة في لبنان الدكتور وليد عمار فان وزير الصحة العامة في لبنان غسان حاصباني وضع مسألة تطوير قطاع خدمات الطوارئ الطبية في لبنان على رأس قائمة أولويات الوزارة حيث سيتم العمل على تعميم هذه الخدمات وتحسين جودتها ووضع معايير لها ليستفيد منها جميع المواطنين في المناطق اللبنانية كافة.

فالى اي مدى قطاع خدمات الطوارئ الطبية في لبنان بحاجة للتطوير؟ وما هي المعايير التي يجب اتخاذها لتقديم افضل الخدمات للمرضى؟ وغيرها من الأسئلة طرحتها <الأفكار> على الدكتور فادي الجردلي مدير <مركز ترشيد السياسات الصحية> في كلية الصحة في الجامعة الأميركية في بيروت اذ يؤكد أولاً ان استمرار الوضع الراهن قد يضع حياة الأفراد والمواطنين في خطر ويقول:

– عندما توجه الينا الصليب الأحمر اللبناني لطرح الموضوع للمرة الأولى، كان ذلك في الواقع طلباً لا يمكن رفضه لما تشكله هذه المسألة من أولوية في قطاع الرعاية الصحية. ان تعاوننا مع الصليب الأحمر اللبناني ووزارة الصحة العامة هو أمر أساسي جداً لتحسين وتعزيز وتحقيق سلامة المرضى. لقد ناقش المشاركون ثلاثة حلول مطروحة في موجز السياسات الصحية وهي: أولاً: توحيد خدمات الاسعاف ما قبل دخول المستشفى من ناحية الاجراءات والتدريب والتعليم. ثانياً: تحسين نظام الخدمات الصحية من خلال تعزيز خدمات الطوارئ والقدرات الفنية والتقنية للعاملين في قطاع الطوارئ الطبية، ثالثاً: زيادة تمويل خدمات الطوارئ الطبية من خلال آليات مختلفة، كما ركز المشاركون على العوائق والعوامل التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند تطبيق هذه الحلول على المستوى المهني والتنظيمي من جهة وعلى مستوى النظام الصحي من جهة أخرى، ويأتي حوار السياسات العامة الذي نظمه المركز بمنزلة منصة لتوليد الأفكار وتبادلها، والدفع لاتخاذ خطوات علمية ومدروسة.

 

المشاكل التي يعاني منها قطاع خدمــــــات الطـــــوارئ

 

ــ وما سبب اهتمام <مركز ترشيد السياسات الصحية> بمسألة الطوارئ في لبنان؟

– لقد أبدى المركز اهتمامه بمسألة نظام الطوارئ والاسعافات الطبية، مع العلم انه سبق ان عملنا على موضوع الأخطاء الطبية وسلامة المريض، وخلال اللقاء والحوار الذي أجريناه مع الشركاء في لبنان تبين ان هناك مشكلة تتعلق بالطوارئ ولهذا عملنا بالتعاون مع وزارة الصحة والصليب الأحمر لأن المشكلة كبيرة، وكما يعلم الجميع ان العاملين في الاسعافات هم متطوعون ويقومون بجهد كبير، ولكن هناك مشاكل عديدة يعاني منها قطاع خدمات الطوارئ في لبنان. ويجب التذكير هنا ان المشكلة ليست متعلقة بكيفية تقديم الاسعافات الأولية للمرضى بل تتعلق بمستوى التنظيم والتمويل بما يخص الطوارئ. وكانت دراسات قد أجريت وقدمنا ملخصاً عنها يظهر ان هناك مشكلة لها علاقة بقطاع الطوارئ لناحية تلبية الاحتياجات، وأذكر هنا ان هناك صعوبة عند تعرض الشخص لسكتة قلبية في عملية نقله من البيت الى قسم الطوارئ في المستشفى، اذ تبين ان أكثر من 50 بالمئة من المرضى بحاجة لنقل سريع ولكنهم يصلون الى الطوارئ متأخرين، لا بل ان قسماً كبيراً منهم يفارق الحياة لانه لا يصل الى قسم الطوارئ بالوقت المناسب، ولهذا رأينا ان المشكلة كبيرة ولها علاقة بنظام الطوارئ الذي يتوجب ان يلبي الاحتياجات بسرعة وبمهنية.

 

غياب هيئة موحدة تدير قطاع

11الطوارئ في لبنان

ويتابع:

– ما لمسناه هو عدم وجود هيئة واحدة موحدة تحكم وتدير قطاع الطوارئ في لبنان، اي ليس لدينا جهة تتولى الاشراف والبروتوكولات، وبالتالي ليس هناك مؤسسة تنظم قطاع الطوارئ في لبنان، اذ كما تعلمين ان معظمها هي جمعيات ومؤسسات تابعة لجمعيات دينية او مثل الدفاع المدني التابع للدولة او الصليب الأحمر، اي هناك جهات عدة تقدم الخدمات ولكن ليس لدينا جهة واحدة تدير هذا القطاع، ويجب ان يكون هناك جهة واحدة تتولى وتتأكد ان العاملين في النظام الصحي يستوفون الشروط. ثانياً وجدنا انه ليس هناك معايير، إذ هناك غياب للمعايير والبروتوكولات الخاصة بالاجراءات والعمليات على المستوى الوطني، ففي مختلف دول العالم هناك ارشادات طبية يجب ان تتوافر في سيارات الاسعاف من قبل أفراد يتمتعون بالخبرة، لكن للأسف في لبنان ليس لدينا هذه المعايير، فكل مؤسسة تضع معايير خاصة بها ولكن تبقى لدينا مشكلة تؤثر على سلامة المريض اذ يجب ان يتم نقل المريض من بيته الى المستشفى بالوقت المناسب كما يجب أن تكون سيارة الاسعاف مجهزة والعاملون فيها متدربين على كيفية نقل المريض لتفادي حدوث الوفاة، وكما تعلمين هناك بعض الحالات يتم فيها نقل المريض بالسيارة الخاصة وليس بسيارات الاسعاف، كما وجدنا ان الوضع المالي وضع هش اي ليس هناك تمويل كاف، وفي بعض الحالات عندما يقع حادث سير مثلاً تتوجه أربع سيارات اسعاف الى المكان نفسه لان الموارد تُقدم بطريقة خاطئة. اذاً ليس هناك اشراف طبي من الناحية التقنية والطبية داخل سيارات الاسعاف… صحيح هناك متطوعون وهم شباب يعملون جاهدين، ولكن يجب ان يكون هناك عدد كاف من الموارد البشرية التي يجب ان تقوم بالعمل الصحيح. هذه الأمور تؤثر على صحة وسلامة المريض الذي يتـــــم نقلـــــــه مــن بيتــــــه الى المستشفى فأي تأخير يودي بحياته، كما ان بعض سيارات الاسعاف غير مجهزة ولا تتوافر فيها الموارد البشرية، وليس هناك جهة متكاملة تعمل في قطاع الطوارئ في لبنان، ففي كل دول العالم هناك قطاع يشرف على تنظيم العمل، وان غياب معايير الاجـــــراءات الصحيــــــة في لبنان يؤثــــر سلباً على حياة المريض في حـــــــال اصيب بالسكتـــــة القلبيــــــة ويستوجب نقله فوراً الى قسم الطوارئ.

حادثة ايلا طنوس

 

ويتوقف عند نقطة قائلاً:

– لا بد من التذكير هنا انه من الأسباب التي دفعتنا أيضاً للاهتمام بموضوع خدمات الطوارئ في لبنان هي حادثة الطفلة ايلا طنوس ابنة التسعة أشهر اذ كان هناك شق يتعلق بمسألة الاسعاف مما ألحق الضرر بالطفلة وخسرت أطرافها، لا شك ان وزارة الصحة والصليب الأحمر يقومان بدورهما ولكن بعد حادثة الطفلة ايلا طنوس تبين ان هناك مشكلة حقيقية ويجب توعية الناس بهذا الخصوص، كما ان فريقاً من الجامعة الأميركية في بيروت وباشراف مازن السيد أجرى دراسات أظهرت ان جودة الخدمة متوافرة ولكن ببعض الحالات يصل المريض الى الطوارئ متأخراً وهناك أشخاص يفارقون الحياة أثناء نقلهم لان الخدمة لا تُقدم بالطريقة المناسبة.

المعايير والمناهج التعليمية

وعن المعايير يشرح:

– عندما نتحدث عن المعايير وحتى المناهج التعليمية المقدمة التي تتعلق بخدمات الطوارئ الطبية علينا ان نذكر ان هناك ما يُعرف بـ<Basic life support> او الدعم الأساسي للحياة وأيضاً هناك <Advanced life support> او الدعم المتقدم للحياة. بالنسبة للدعم الأساسي للحياة يعني اذا كان هناك حالة متأزمة وبحاجة لاشراف مهم فإنه يجب ان يكون العاملون في الاسعافات متدربين بشكل جيد لمساعدة المرضى، أما بما يتعلق بالدعم المتقدم للحياة اي نحاول ان نخفف ونحد من المرض اي ايصال المريض بطريقة آمنة. وللأسف هذا الأمر غير متوافر في لبنان، والطريقة ليست موحدة، ولكن يمكن القول انه منذ العام 2007 حصل تغيير في نظام الطوارئ في لبنان، فقبل العام 2007 كان هناك ما يُعرف بـ<First Aid Team> او الاسعافات الأولية ولكنه حصلت نقلة نوعية في العام 2007 وتحوّل النظام الى ما يُعرف بـ<Emergency Medical Team> او فريق الطوارئ الطبي، وبالتالي يجب ان يكون هناك حد أدنى من الجودة والتدريب المهني لكي يحصل المرضى على الخدمات الطبية الصحيحة.

ــ وماذا عن التمويل؟

– طبعـــــاً التمويــــــل أمــــر مهم وأساسي، ولدينا مشكلة بما يتعلــــق بالجــــــودة ولهـــذا قدمنــــــا كل الأدلـــــــة والبراهين بما يتعلق بهذا الموضوع في لبنان وعلى مستوى المنطقة، وبالتالي من الضروري زيادة تمويل خدمات الطوارئ الطبية من خلال آليات مختلفة.

الحلـــــــول

ــ ماذا عن الحلول لتطوير قطاع خدمات الطوارئ في لبنان؟

– الحل متكامل، فهناك حلول على المدى القصير وحلول على المدى البعيد، وطبعاً هناك اعتراف بأن المشكلة كبيرة في قطاع الخدمات، وقد يقول البعض انه يجب ان يكون الحل على المدى القصير، أما لماذا على المدى البعيد فذلك لان وضع البلد لا يسمح وأيضاً التمويل، ولكن يجب ان يكون هناك حل شامل متكامل. الشق الأول من الحلول يتطلب أن يكون هناك مؤسسة تنظم هذا القطاع، والجميع اعتبر ان وزارة الصحة يجب ان تلعب هذا الدور وبالتالي يجب ان يكون هناك قسم جديد في وزارة الصحة يركز على خدمات الطوارئ ويضع المعايير ويحدد نظام اعتماد للطوارىء الطبية، وهذه الوحدة يجب ان تساعد بوضع المعايير وان توحّد المناهج التعليمية إذ أن هذا هو الحل ولكن يجب ان يكون لدينا قسم في وزارة الصحة يهتم بهذا الشأن، لذا يحتاج الأمر للعمل ولكن هناك اجراءات معينة وقد تتطلب الوقت، وقد اتفقنا نحن المشاركين في حوار السياسات الذي نظمه المركز على وضع معايير موحدة لتنظيم واعتمـــــاد مقدمي خدمات الطوارئ الطبية في لبنان من جهـــــة ولتوحيد المناهج التدريبية المتعلقة بالطوارئ الطبية من جهة أخرى. والحل الثاني على المدى القصير هو توحيد المنهج للأشخاص الذين يقدمون خدمات الطوارئ، وكان هناك اجمـــــاع وقــــــرار انه سيتم توحيد المناهج التدريبية.

ــ وكيف سيتم تنفيذ هذه القرارات التي اتخذت؟

– لانه ليس هناك وحدة تقدر ان تقوم بكل هذه الأعمال لهذا اتخذنا قراراً بأن يكون هناك خلية عمل تحت اشراف وزارة الصحة، وهذه الخلية ستتألف من أشخاص من ذوي الخبرة وهم من الباحثين والمتخصصين في تقديم الخدمات مثل الدفاع المدني والصليب الأحمر، ولقد تبرع نقيب الأطباء بهذا الخصوص اذ قال ان النقابة ستقدم المساعدة بكل ما يتعلق بالاسعافات الطبية والبروتوكولات والاجراءات الطبية. ولذلك خلية العمل ستضع المعايير وتعمل على توحيد المناهج التدريبية التي لها علاقة بالطوارئ في لبنان، ومن المهم ان يكون هناك اهتمام بالوقت المحدد أثناء نقل المريض الى الطوارئ لتقديم الاسعافات الأولية لتخفيض نسبة الوفيات لان الهدف هو تخفيف حدة المرض ومنع حدوث الوفاة من خلال إجراء عملية نقل المريض بشكل سليم وآمن.

كذلك كان هناك اجماع بانه يجب ان يكون هناك تمويل لقطاع الطوارئ لتقديم أفضل الخدمات للمرضى.