18 November,2018

«جيرو » يستنجد بالفاتيكان للضغط على الزعماء المسيحيين واقتراحه بانعقاد «المجمع الانتخابي النيابي » لم يلقَ تجاوبا

جيرو-عون

لولا الزيارة التي قام بها الأسبوع الماضي لبيروت مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الفرنسية السفير <جان – فرنسوا جيرو> لإطلاع المسؤولين والسياسيين اللبنانيين على حصيلة لقاءاته في كل من السعودية وإيران وموسكو والفاتيكان، لأمكن القول ان الملف الرئاسي اللبناني غائب كلياً عن المفكرة الدولية، وهو يتراجع داخلياً على حساب تطورات أمنية متسارعة، وأخرى اقتصادية وحياتية طارئة… وإذا صحت المعطيات التي تتحدث عن ارتباط وثيق بين إنجاز الاستحقاق الرئاسي من جهة ومستقبل دول الجوار التي تشهد اقتتالاً واضطرابات من جهة ثانية، والاتفاق الأميركي – الإيراني حول الملف النووي من جهة ثالثة، والاستراتيجية السعودية الجديدة مع بدء عهد الملك سلمان بن عبد العزيز من جهة رابعة… فإن ذلك يعني أن لا انتخابات رئاسية في المدى المنظور، وان الموعد المبدئي قد يكون مع مطلع الصيف المقبل إذا حصلت تطورات إيجابية في الملفات الإقليمية والدولية العالقة، علماً أن حظوظ الوصول الى هكذا حلول ليست كبيرة قياساً الى ما يجري من أحداث ومتغيرات وكان آخرها في اليمن.

وفي الوقت الذي تجمع فيه التقارير الديبلوماسية الواردة الى بيروت على أن ملف الاستحقاق الرئاسي مغيّب عن أي حوار على مستوى دولي، وان الأولوية معطاة للشأن الأمني لجهة تطويق خطر التنظيمات الإرهابية ومنع تحويل لبنان الى ساحة <جهاد وحرب> وضبط الوضع في الجنوب، لاسيما بعد عمليتي القنيطرة ومزارع شبعا، تؤكد المعلومات المتوافرة لـ<الأفكار> من مصادر ديبلوماسية مطلعة ان التوجه الدولي الراهن هو إبقاء الملف الرئاسي اللبناني في عهدة اللبنانيين أنفسهم من خلال الحوارات القائمة وتلك التي ستبدأ قريباً، من دون بذل أي جهد استثنائي لإنجاز الاتفاق اللبناني – اللبناني، وإن كانت الرسائل نفسها تتكرر وخلاصتها دعم أي توافق لبناني يعجل في انتخاب رئيس جديد للبلاد.

 وتضيف المعلومات ان الاهتمام الدولي منصب حالياً على متابعة تطور الاتصالات الدولية حول الملف النووي الإيراني الذي يفترض أن يُعلن الاتفاق في شأنه بين إيران والدول الخمس زائداً واحداً، قبل حلول نهاية شهر تموز/ يوليو المقبل، وذلك بعد انقضاء المهلة على الإطار السياسي للاتفاق. وفي رأي المراجع الديبلوماسية أن الأشهر المقبلة حتى تموز/ يوليو ستكون فرصة لرصد المستجدات في عدد من الدول العربية ولا سيما السعودية التي تتحضر لمرحلة جديدة بعد تولي الملك سلمان بن عبد العزيز العرش مع ما يحمل ذلك من متغيرات في الاشخاص والمسؤوليات والخيارات..

<جيرو> مع الحوارات الداخلية

وسط هذه المناخات، سعى الموفد الفرنسي السفير <جان – فرنسوا جيرو> الى إبلاغ المسؤولين والسياسيين الذين التقاهم ان باريس التي ستبقى الى جانب لبنان، لحمايته من تداعيات ما يجري حوله من حروب، لا تملك بعد حلاً للمعضلة الرئاسية، وان ما سمعه خلال جولاته لاسيما في المحطة الإيرانية، يؤشر الى ضرورة التعاطي مع الملف الرئاسي على انه شأن لبناني بالمطلق وان الحوارات الجارية في بيروت، ولاسيما الحوار المسيحي – المسيحي المرتقب، يمكن أن تكون المدخل الذي يسهّل إجراء الانتخابات. وقد شجع السفير <جيرو> من التقاهم، ولاسيما العماد ميشال عون على التعاطي مع الحوار المرتقب بينه وبين رئيس <القوات اللبنانية> الدكتور سمير جعجع، <بجدية ومسؤولية>، من دون ان يبلغه صراحة ما كان قد سمعه في إحدى زياراته من ان امكانية التعايش مع عون رئيساً للجمهورية لم تبلغ بعد مدى يجعلها حقيقة قائمة. ولعلّ تشديد <جيرو> على <لبننة> الاستحقاق دفعه الى التشاور مع مستقبليه في أفكار <عملية> لإنهاء الشغور الرئاسي من بينها ان يلتئم مجلس النواب ولا تُرفع جلساته إلا بعد انتخاب الرئيس، على غرار ما يحصل في مجمع الكرادلة حيث يدعون الى انتخاب البابا الجديد. وأسهب <جيرو> في الحديث عن <إيجابيات> هذه الخطوة لاسيما إذا أبقيت أبواب المجلس النيابي مقفلة وتكررت دورات الاقتراع حتى تصاعد الدخان الأبيض من قمة المجلس!

ورغم ان السفير <جيرو> لم يسمع <تجاوباً واضحاً> مع هذا الطرح، إلا انه سمع في المقابل <طروحات> أخرى أظهرت ان زيارته لبيروت – في ما خص الملف الرئاسي – لا تعدو كونها <رفع عتب> لا أكثر ولا أقل، وللتأكيد على متابعة فرنسا لهذا الملف بالتشاور مع الفاتيكان الذي حرّك الديبلوماسية الفرنسية القادرة على التواصل سياسياً مع الجميع وخصوصاً مع ايران التي تلعب دوراً أساسياً في الاستحقاق الرئاسي، كما تقول باريس. إلا أن <سلة> <جيرو> التي أفرغت اقتراحات مماثلة لاقتراح <المجمع الانتخابي> المشابه لمجمع الكرادلة حظيت باقتراح يمكن أن يشكل مادة تُبقي الحراك الفرنسي حياً يرزق، قدمه الرئيس أمين الجميل لضيفه في دارته في سن الفيل على شكل <مبادرة> تجمع بين هوية <الرئيس القادر> من جهة، واحترام الأصول الديموقراطية والبرلمانية من جهة أخرى، وتقضي بترشيح الأقطاب الموارنة لرئاسة الجمهورية والوقوف بجانب أحدهم من دون إقفال الباب أمام المرشحين الآخرين كي تأخذ اللعبة الديموقراطية مجراها الطبيعي.

حزب الله… على موقفه

وروت مرجعية سياسية التقت <جيرو> خلال وجوده في لبنان ان الديبلوماسي الفرنسي المخضرم أكثر من ترداد دعوة اللبنانيين الى أن يتكلوا على أنفسهم في الاستحقاق الرئاسي لأن انتظار التطورات الإقليمية والدولية لن يؤدي الى نتيجة في المدى المنظور، في حين ان اي اتفاق لبناني – لبناني سيلقى تأييد الدول الكبرى ودعمها ورعاية المتجمع الدولي بأسره للرئيس العتيد لتمكينه من مواجهة التحديات التي تنتظره. وتضيف المرجعية نفسها ان <جيرو> كان يسهب في عرض <تعقيدات> الأوضاع الإقليمية الدولية ليخلص الى تجديد الدعوى الى توافق لبناني – لبناني ستكون له الغلبة على ما عداه من تسويات من أي جهة أتت، وهو لهذا الأمر شجع على استمرار الحوار بين <المستقبل> وحزب الله، والحوار المرتقب بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، وكان يقول أمام محدثيه ان لا بديل عن اتفاق اللبنانيين، مورداً في هذا السياق كلاماً عاطفياً مؤثراً دفع بالنائب وليد جنبلاط الى القول ان مواقف <جيرو> أظهرت ان فرنسا حريصة على لبنان وعلى انتخاب رئيس للجمهورية أكثر من بعض اللبنانيين… وهذا مؤسف!

ورغم ان العنوان الأبرز لزيارة <جيرو> كان الاستحقاق الرئاسي، فإن تزامن وجوده مع التطورات التي حصلت في مزارع شبعا في رد على الاعتداء الاسرائيلي على قافلة لحزب الله في القنيطرة والمواقف التي أعلنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله جعل من هذه التطورات مادة أساسية في الأحاديث مع مستقبليه، لاسيما اللقاء مع مسؤول العلاقات الدولية في الحزب عمار الموسوي الذي أبلغ موقف الحزب <الثابت> من الاستحقاق الرئاسي بدعم ترشيح العماد عون، في حين بدا من مسار الحديث ان <جيرو> كان يركز على التطورات الأمنية الأخيرة وتوجه المقاومة في المستقبل، لاسيما لجهة المواجهة مع اسرائيل والمشاركة في الحرب السورية، وقد أبلغ مصدر مطلع في حزب الله <الأفكار> ان <جيرو> لم يأتِ بأي جديد في رحلته الأخيرة يختلف عما حمله من عروض ومقترحات في المرتين السابقتين، وبالتالي فالحزب تعاطى مع الزيارة على أنها <لن تقدم ولن تؤخر> في غايتها المنشودة، وان ممثل الحزب في اللقاء النائب السابق الموسوي كرر دعم الحزب للعفرنسيس-الراعيماد عون، وهو ما يعرفه <جيرو> مسبقاً، إذ سرعان ما هز رأسه متفهماً ما ان بدأ الموسوي بعرض موقف الحزب من ترشيح <الجنرال>، فوفّر على الموسوي مشقة الاستفاضة!

وفي أي حال، تؤكد مراجع ديبلوماسية معنية ان الحراك الفرنسي سيستمر بالتزامن مع الإصرار على <لبننة> الاستحقاق الرئاسي وان <الضغط> سيكون على المسيحيين كي يصدر عن الحوار بين عون وجعجع نتائج عملية ملموسة. وقد تداول <جيرو> في هذا الشق من الحراك الفرنسي مع البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي خلال وجوده في روما، لاسيما وان اللقاء مع <جيرو> تمّ يوم عيد مار مارون مع ما يحمل ذلك من رمزية، وفُهم من المراجع نفسها ان الجهد الفرنسي سينصب في الآتي من الأيام على اشتراك الفاتيكان في التأثير على الزعماء المسيحيين ليتفقوا في ما بينهم على الرئيس العتيد، لاسيما وأن <جيرو> سمع من مسؤولين وقياديين مسلمين ان اي اتفاق يتوصل إليه القادة الموارنة حول هوية الرئيس الجديد سيلقى الدعم والتأييد منهم ويكون الرئيس الجديد للجمهورية اللبنانية.. ودعت المراجع الديبلوماسية الى قراءة البيان الذي صدر عن السفارة الفرنسية في بيروت بعيد سفر الموفد الفرنسي، بتأنٍ وانتباه، لاسيما الفقرة التي تحدثت عن عدم وضع فرنسا أي <فيتو> على أحد، وأن لا مرشحين لديها، والفقرة التي أشارت الى تجنيد الإمكانات الفرنسية <لتسهيل التوافق بهدف التوصل الى حل للعرقلة المؤسساتية والسياسية التي يشهدها لبنان>.

موقف لافت لجنبلاط

وفي خطوة هدفت الى إخراج الحوار حول رئاسة الجمهورية من الإطار المسيحي – المسيحي، بدا لافتاً الموقف الذي أطلقه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط والذي دعا فيه الى إعادة الاعتبار الى <البعد الوطني> في الاستحقاق الرئاسي بدلاً من حصره عند المسيحيين فقط، لأن من شأن ذلك أن ينتقص من موقعه الجامع كرئيس لجميع اللبنانيين. ورغم أن جنبلاط نفى أن يكون كلامه موجهاً الى رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، إلا أنه قال ان انتخاب الرئيس ليس مسؤولية مسيحية فقط، بل هو مسؤولية كل مكونات البلد، ولا يجوز الاستمرار في إهمال هذا الاستحقاق كل هذا الوقت. واللافت أن الرئيس نبيه بري سارع الى <الثناء> على موقف جنبلاط مؤكداً أنه يوافقه عليه تماماً من دون أن يعني استبعاد المسيحيين انما مشاركة الجميع.