18 November,2018

جولة حزب الله الجنوبية أحرجت الحلفاء وأربكت الخصوم وزيارة الحريري الفورية استوعبت ردود الفعل وطمأنت المجتمع الدولي!

 

الحريري-جنوبا-----1

بين العرض الذي نفذه رجال <كتيبة العباس> في شوارع الضاحية الجنوبية من بيروت قبل نحو من شهر بحجة المحافظة على أمن المنطقة، والجولة الإعلامية التي نظمها حزب الله في الجنوب وصولاً إلى الحدود الأسبوع الماضي لاطلاع وسائل الإعلام على <حقيقة> الوضع في المنطقة، أكثر من رسالة وجهها الحزب في اتجاهات مختلفة وفي توقيت بدا ملتبساً أحرج الحلفاء وأربك الخصوم على حد سواء في تحديد ماذا وراء هذين <العرضين>، في وقت تتزاحم فيه التحديات على لبنان لاسيما بعد التحضيرات التي تجري في الكونغرس الأميركي لمعاقبة لبنان من جديد من خلال العقوبات التي ستتخذ في حق حزب الله والمؤسسات الاجتماعية والتربوية والصحية المتفرعة عنه، والتي سيتسع إطارها لتشمل أيضاً حركة <أمل>، قيادة وكوادر، إضافة إلى متعاطفين مع <الثنائية الشيعية> داخل لبنان وخارجه.

وإذا كان الحدث الاستعراضي في الضاحية توافرت له تبريرات تقبلها الرأي العام على أساس أن الهدف هو ضبط التجاوزات وتهريب المخدرات وغيرها من الآفات، جعلت ردود الفعل عليه محدودة وإعلامية أكثر مما هي سياسية أو أمنية، فإن الجولة في الجنوب حركت من جديد الشق اللبناني من الحملة على حزب الله والذي كان <همد> بعد دخول الحزب في القتال إلى جانب النظام السوري في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وذلك على قاعدة استمرار مسلحي حزب الله في منطقة العمليات الدولية على رغم التوصيات المتكررة التي صدرت عن الأمم المتحدة والتي دعت إلى إخلاء هذه المنطقة من أي وجود مسلح غير القوى الأمنية الشرعية وقوات <اليونيفيل>.

ولأن توزيع الأدوار يبقى حاضراً في الحياة السياسية اللبنانية، فإن المواقف التي صدرت بعد جولة الجنوب أكدت على أن المواقف السياسية لا تزال هي هي، وتكفي شرارة واحدة لتُشعل الانتقادات وتطلق العنان لأصوات نجحت في <فش خلقها> وجرّ المشهد السياسي اللبناني إلى حلبة الاتهامات المتبادلة من جهة، وإلى طروحات قديمة – جديدة  من جهة أخرى تجسد، ويا للأسف، واقعاً لم تنجح الدولة بعد في تغييره نحو الأفضل.

 

بعبدا غير مطلعة على الجولة

كتيبة-العباس-1---3وفيما بدت بعبدا غير مطلعة على الجولة الجنوبية – كما لم تكن على علم بعرض <كتيبة العباس> أيضاً مع ما يعني ذلك من دلالات – فإن المصادر المعنية اعتبرت أن قيادة حزب الله كانت قادرة على تفادي الدخول مجدداً في جدال حول وضع حزب الله في هذه الظروف التي يبحث فيها كل طرف على غطاء يحمي به رأسه من <غدرات الزمان>، تماماً كما هي قادرة على عدم إحراج الدولة اللبنانية ورئيسها الحليف الذي يتحمل الكثير من ردود الفعل بسبب علاقته مع حزب الله ودفاعه عنه في المحافل الإقليمية والدولية وعبر وسائل الإعلام، مع العلم أن لا حاجة ملحة لمثل هذين <الاستعراضين> في هذه الفترة بالذات، ذلك أن الفلتان الأمني في الضاحية الجنوبية ليس بجديد وهو يتنامى منذ أشهر، في حين أن الأحداث المتتالية في الجنوب لم تكن على مستوى يفرض مثل هذا <الاستنفار> الإعلامي غير المسبوق.

وإذا كانت بعبدا قد آثرت عدم الدخول في جدل مع ردود الفعل التي توالت وبعض التعليقات التي صدرت لأنها حريصة على حزب الله قيادة وأفراداً وعلى المناخ السياسي المستقر، فإن مراجع في حزب الله أكدت لـ<الأفكار> أن مسألة التجوال الليلي في الضاحية الجنوبية من أفراد في <كتيبة العباس> لم تكن بقرار حزبي بل بمبادرة فردية و<حماسة> على مكافحة الاتجار بالمخدرات الذي ازدادت وتيرته خلال الأشهر القليلة الماضية، أما <الرحلة الإعلامية> إلى الجنوب، فقد فرضتها – وفقاً للمراجع نفسها – اعتبارات تتعلق بظروف تحرك المقاومة جنوباً والحملات السياسية التي تستهدف الحزب ورموزه، علماً أن ما حصل لم يكن خارجاً عن المألوف ليستحق كل هذه المساحة من التعليقات السلبية. وسجلت هذه المراجع التركيز على الضابط المقنع من مجموعات المقاومة المحترفة والمتمرسة لتقول بأن وجوده لم يكن لاستفزاز أحد ولا لإظهار تفوق القدرة القتالية، بقدر ما كان لتسهيل عمل الإعلاميين من خلال الشروحات التي قدمها الضابط الميداني لرجال الإعلام حول طبيعة الإجراءات الوقائية وغير العادية على طول الحدود وتحديداً في المناطق ذات الطبيعة الرخوة بالمفهوم العسكري.

 

حزب الله: حملة محضرة سلفاً

 

من هنا – تضيف المراجع – أن الحملة على حزب الله كانت محضرة سلفاً بموادها وأساليبها ووسائل بثها، لاسيما وأن وجود مجموعات من الحزب في المنطقة الجنوبية ليس بالأمر المستغرب لأن أفراد هذه المجموعات هم من سكان البلدات الجنوبية المعرضة دائماً للاعتداءات الإسرائيلية ووجودهم في بلداتهم للدفاع عنها أمر طبيعي، وجزمت المراجع نفسها أن حزب الله في كل ما يتخذه من إجراءات في الجنوب لا يتصادم مع روحية القرار 1701 وهو ما يعرفه المسؤولون عن القوات الدولية العاملة في الجنوب، والجهات التي تنسق مع <اليونيفيل> دائماً للمحافظة على حال المساكنة والتعايش بين القوات الدولية والمجموعات التي تنسق مع حزب الله.

وفيما دعت هذه المراجع إلى عدم تحميل الجولة الإعلامية أكثر مما تحتمل لأنها مجرد <تبليغ وشرح وتفسير> لإظهار مدى تراجع الفعل العسكري الإسرائيلي أمام التهديدات التي أطلقها الحزب، فإنه كانت لرئيس الحكومة سعد الحريري قراءة مختلفة عبّر عنها من خلال الزيارة المفاجئة التي قرر القيام بها بعد ساعات من انتهاء جولة حزب الله، والتي رافقه فيها وزير الدفاع يعقوب الصراف وقائد الجيش العماد جوزف عون وعدد من الضباط. وأتى استهلال الجولة من مقر <اليونيفيل> بالذات للدلالة على أهمية الدور الذي تلعبه هذه القوات التي يمنحها لبنان ثقة كاملة في أدائها لتطبيق القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن في آب/أغسطس 2006. من هنا كانت مواقف الرئيس الحريري تتمحور حول ضرورة التأكيد على أن جولة-حزب-الله----2الجيش <وحده المكلف حماية الحدود والذي يدافع عنا بصفته القوة الشرعية التي لا قوة فوق سلطتها>. وإذ تعمّد الرئيس الحريري في جولته الوصول إلى <الخط الأزرق>، مسجلاً بذلك أنه أول رئيس حكومة لبناني يتفقد هذا الخط، فإنه أراد أن يوصل رسالة اعتراض <مشفرة> إلى قيادة حزب الله على الجولة الإعلامية، ورسالة تطمين إلى سفراء الدول الأجنبية والعربية المعتمدين في لبنان التي تؤكد أن لا عودة إلى تفلت السلاح في هذه المنطقة اللبنانية الغالية، ولا داعي بالتالي لأي قلق على الجنود الدوليين المساهمين في <اليونيفيل> خصوصاً مع وجود القوى العسكرية اللبنانية في المنطقة كلها.

الحريري استوعب وبادر

 

وتقول مصادر متابعة لتحرك الرئيس الحريري إنه استعجل التجوال على الخط الأزرق لمنع ردود الفعل الدولية حيال خطوة حزب الله، متسائلة أين مصلحة لبنان في غض النظر عن الخروقات التي حصلت خلال الجولة الإعلامية، لاسيما وأن القرار 1701 ينص على منع كل أشكال المظاهر المسلحة وحصر الحضور العسكري في هذه المنطقة بالشرعية اللبنانية بالتعاون مع الشرعية الدولية المستمدة من حضور <اليونيفيل>، وتضيف المصادر نفسها إلى أن الرئيس الحريري، الذي أحاط الرئيس عون علماً بجولته الجنوبية عشية حصولها، مرّر رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن لبنان ليس عصياً على قرارات الأمم المتحدة، وأن ما قام به حزب الله ما هو إلا حالة عابرة غير مرغوب فيها ولن تؤثر في حرص السلطة اللبنانية على تطبيق القرارات الدولية. وبدا أن المجتمع الدولي تلقف <تطمينات> الرئيس الحريري، وهذا ما ظهر في ترحيب المنسقة الخاصة للأمم المتحدة <سيغريد كاغ> بزيارة الرئيس الحريري للجنوب التي تشكل – حسب <كاغ> – رسالة تعكس استمرار الشراكة بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة دعماً لاستقرار البلد وأمنه.

وتعتقد مصادر متابعة أن ذيول الجولة الجنوبية لحزب الله، وقبلها الجولة الليلية في الضاحية الجنوبية قد تتراجع تباعاً وتدخل في عالم الذكريات مجدداً، لكن ذلك لا يلغي أن ما حصل ألحق ضرراً كان يمكن تفاديه خصوصاً في الظروف الراهنة، ومن المفيد التنبه لعدم تكراره، لأن نجــــــاح الـــــرئيس الحريــــــري في استيعــــاب ردود الفعــــل وامتصاص النقمة ساهم هذه المرة في الحد من الأضرار، وأعاد بشكل أو بآخر الوضع في جنوب الليطاني إلى ما كان عليه قبل الجولة الإعلامية، ومن البديهي العمل للمحافظة على هذا الاستقرار وعدم فتح أبواب مغلقة واعتماد قاعدة <الشباك اللي بيجيك منه ريح… سدو واستريح>!