22 September,2018

جولات الوفد العوني لشرح مبادرة «الجنرال » لم تحمل جديداً والتصعيد يتدرج من الإعلام... الى الحكومة والشارع!

 

الراعي-ابراهيم-كنعان لا يختلف اثنان من أهل السياسة في لبنان على أن رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون <ينتظر شيئاً> من جولات الوفد الذي شكّله على القيادات السياسية اللبنانية لشرح المخارج الأربعة التي أعلنها الأسبوع الماضي للأزمة السياسية الراهنة بفصولها المتعددة وأبرزها ملف رئاسة الجمهورية، إلا انه وعلى الرغم من هذه القناعة، أعطى الضوء الأخضر لنوابه للتحرك في اتجاه الكتل النيابية الرئيسية والتداول في النقاط التي أوردها في مبادرته حتى لا يقال انه تفرّد بموقف أو تجاهل الكتل النيابية الوازنة، أو كان يعرقل في سبيل العرقلة فحسب…

ولعل ما سمعته الوفود العونية خلال لقاءاتها مع الكتل النيابية لم يكن جديداً ولا مفاجئاً، فالكتل التي تلتقي مع العماد عون في خط سياسي واحد ناقشت تحت سقف الموافقة المسبقة، والكتل التي تعارض العماد عون في ما يطرح ويقول ويطالب به، استمعت الى شروحات وسجلت ملاحظات وخلصت الى <رفض> المبادرة باعتبارها صعبة التحقيق. صحيح ان كل كتلة أوردت أسباباً مختلفة، لكنها صبّت في النتيجة في مسرب واحد وهو الرفض الضمني حيناً والرفض العلني أحياناً، لاسيما وان هذه الكتل نفسها كانت قد رفضت سابقاً اقتراحات متتالية للعماد عون كان قد طرحها بالمفرّق قبل ان يجمعها في مبادرته الأخيرة التي قال عنها الخصوم انها <غير دستورية> واعتبرها آخرون <غير واقعية>، ما أدى عملياً الى سقوطها قبل أن تأخذ مداها في النقاش والبحث.

 

رد مستقبلي قاسٍ

وإذا كانت ردة فعل كتلة <المستقبل> الأكثر قساوة في رفضها <أفكار> العماد عون، فإن الرابية لم تكن تنتظر أي تطور إيجابي حيالها من <الكتلة الزرقاء> لاسيما وان رئيسها الرئيس فؤاد السنيورة استبق كل اللقاءات والأفكار والمبادرات بالجزم بأن حظوظ العماد عون في رئاسة الجمهورية معدومة، وما نقل لاحقاً من مواقف عن لسان الرئيس سعد الحريري سواء في موضوع التعيينات الامنية أو الأفكار العونية صبّ أيضاً في الاتجاه نفسه، ما يؤشر الى ان مردود الجولات العونية على الكتل النيابية لاسيما المعترضة منها لن تتجاوز حدود <الاستقبال اللائق> و<النقاش من أجل النقاش>، طالما ان الخلاف لا يزال عميقاً بين العماد عون و<التيار الأزرق> والمستقلين في 14 آذار وحزب الكتائب والقوات اللبنانية. ولعل الذين تابعوا تفاصيل ما دار بين الوفود العونية والكتل النيابية، لاسيما المعترضة منها على المبادرة، أدركوا ان لا متغيرات في الأفق المنظور تدفع الى <الاتكال> على شروحات النواب العونيين مهما تشعّبت وتنوّعت…

وفيما اعتبرت مراجع سياسية معنية ان المتغير الوحيد الذي سجل في الجولات العونية الجديدة هو حلول تيمور جنبلاط محل والده النائب وليد جنبلاط في إطار <التمرين> الذي يجريه الوريث الشاب للزعامة الجنبلاطية في اول احتكاك له مع فريق العماد عون، كان والده يعتبر من باريس ان <نقيضين لا يأتيان برئيس> في إشارة الى العماد عون ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، قاطعاً الطريق بذلك على أي نقاش حول الأفكار العونية ومدى قدرتها على إيصال صاحبها الى قصر بعبدا. أما في باقي الجولات، فلا جديد يذكر، وإن كان القاسم المشترك الذي سمعه نواب <الجنرال> بأن الأولوية يجب أن تعطى لتسهيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية، فيما حرص النواب على وصف لقاءاتهم بأنها <إيجابية> لاسيما اللقاء مع البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي أعاد وصل ما كان قد انقطع بين الرابية وبكركي.

 

أهداف الجولات… مختلفة

 

لماذا إذاً كانت هذه الجولات؟

تتفاوت في الواقع ردود الفعل، ذلك ان ثمة من يعتبر انها تهدف الى ملء الوقت الضائع بانتظار <ساعة الحسم>، في مقابل من رأى فيها مجرد مشاورات لا طائل منها، لاسيما وان الأفكار العونية بحاجة الى تعديل للدستور، أي لانعقاد مجلس النواب الذي لم يلتئم طوال الدورة العادية التي تنتهي مع نهاية شهر أيار/ مايو الجاري. وثمة من قال انه لو كان بالإمكان وضع قانون جديد للانتخاب كما يطالب العماد عون، لما حصل التمديد لمجلس النواب مرتين على الرغم من اعتراض العماد عون وتقديم نوابه طعناً أمام المجلس الدستوري بقانون التمديد مرتين أيضاً…

في المقابل، هناك من قرأ إيجاباً الحراك العوني المتجدد على أساس انه – أي الحراك – أضاء على مواقف العماد عون بعيداً عن المزايدات والأصوات المرتفعة وأقام <شراكة وطنية> في التفكير بها ومناقشتها مع المسلمين والمسيحيين محيياً بذلك <ميثاقية> فقدت عملياً منذ الطائف حتى اليوم، لاسيما وان أبرز الشروحات العونية كانت ان هذه المبادرة ليست تعديلاً دستورياً ولا تغييراً في النظام أو في الطائف، بل هي تصليح للخلل فيه سواء من جهة التعيينات أو الانتخابات أو التمثيل الصحيح إلخ… وفي رأي <الإيجابيين> ان المبادرة العونية أحيت حواراً كان قد انقطع بين القيادات وحرّكت الركود الحاصل في الحياة الوطنية اللبنانية، وأعطت للتيار الوطني الحر صفة جديدة هي صفة <المحاور لا المعطّل> والمدافع عن الإرادة المسيحية في تكوين شراكة وطنية حقيقية بين المسيحيين والمسلمين، وهي ستؤدي حتماً الى موقف مسيحي موحّد حيال الكثير من المواضيع، بحيث بدت المبادرة العونية صورة مكبّرة وأكثر شمولية للحوار القائم بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع الذي أفضى الى <إعلان نيات> ينتظر الضوء الأخضر لإعلانه.

وفيما يعتبر كثيرون ان عدم استقبال الرئيس نبيه بري لوفد العماد عون وإحالة أعضائه الى النائب أيوب حميد وكتلة التنمية والتحرير شكّل <نكسة> للتحرّك العوني الحواري لا يمكن تجاهل تداعياتها على صعيد العلاقة بين الرئيس بري و<الجنرال>، آثرت مصادر الرابية عدم التعليق المباشر على خطوة الرئيس بري وإن كانت قد أثارت استياء لدى <الجنرال> الذي كان يتوقع من بري ان يقابل تحيته بأجمل منها لأكثر من سبب، وهو الذي يعتبر من الحلفاء الطبيعيين في قوى 8 آذار، إضافة الى كونه رئيساً للمجلس النيابي يفترض فيه ان يكون محايداً وجاهزاً لسماع مختلف وجهات النظر ومناقشتها، لاسيما وان عون تجاوز <المضايقات> التي يمارسها ضده فريق عمل الرئيس بري ووزير المال علي حسن خليل خصوصاً، إضافة الى ما يصله من ملاحظات من عين التينة لا تسقط برداً وسلاماً على ساكن الرابية.

مقدمة للتصعيد المتدرج

وسط هذه الأجواء، ثمة من يرى في الحراك العوني مقدمة لخطوات تصعيدية لاحقة بدأت ملامحها خلال الأسبوع الماضي من خلال المواقف التي أعلنها <الجنرال> من الرابية التي استعادت مشهد الوفود الشعبية <الزاحفة> لتأييد <الجنرال> على مواقفه والمعلنة ضمناً تأييدها لانتخابه رئيساً للجمهورية وهو الذي قال ان من يصنع الرئيس هو الشعب. وحسب المعلومات المتوافرة لدى <الأفكار>، فإن الخطوات التصعيدية ستتدرج من حملات سياسية مباشرة أو بالوساطة وإطلالات إعلامية متنوعة، وصولاً الى التحرك الشعبي ضمن الأطر الديموقراطية وتحت عنوان <رفض تهميش الإرادة المسيحية> التي يعتبر عون انه يعبّر عنها بأمانة. وبين الإعلام والتحرّك الشعبي ستكون محطات للعودة الى التاريخ في سياق فتح ملفات الممارسات ضد عون منذ عودته الى لبنان في العام 2005، لاسيما محاولات عزله وتطويقه في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان الذي سيكون له النصيب الوافر من الحملات العونية المرتقبة. أما الاعتكاف الحكومي الذي يتوقع كثيرون ان يلجأ العماد عون إليه في مرحلة لاحقة لتعطيل جلسات الحكومة التي لم يعد عون راضياً عنها لأنها <تعمل ضدنا> على حد قوله، فهو يبقى وارداً بقوة، لكنه لن يكون ردة الفعل الأقسى لأن التحركات الشعبية ستكون <موجعة> وتتجاوز الخطوط الحمر. وثمة من أعدّ في الرابية لسلسلة تكتل-التغيير-والاصلاح<نشاطات> اعتراضية يتقن العماد عون فن اللجوء إليها عند الضرورة لأن <اللعبة انتهت> كما يسمع زوار الرابية هذه الأيام.

في المقابل، ثمة من يدعو داخل <التيار البرتقالي> الى ان تكون المواجهة من داخل مجلس الوزراء، بحيث تتحول جلسات الحكومة الى جلسات <مناكفة> تصبح الحكومة بعدها غير منتجة وتنكشف أوراق جميع أعضائها بمن فيهم الحلفاء الذين يعتبر عون ان عليهم ان يحددوا خياراتهم بوضوح ليظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود ويسقط الخيط الرمادي!

هل يُسحب الفتيل؟

 

وتقول مصادر وزارية ان النصف الأول من شهر حزيران/ يونيو المقبل سيكون الموعد الحاسم لانطلاقة المواجهة العونية بمختلف وجوهها، ما جعل وزراء في الحكومة الحالية وفي تلك التي سبقتها، يتحدثون مع أصدقاء لهم في <التيار الأزرق> وفي 14 آذار لتفادي الوصول الى المواجهة مع العماد عون، لأن <محاربته> تكسبه المزيد من الدعم والتأييد في صفوف المسيحيين،إضافة الى مؤيديه في الطوائف الأخرى لاسيما الطائفة الشيعية. ويدعو هؤلاء أصدقاءهم الى سحب الفتيل من يدي عون قبل أن يشعله من خلال التعاطي معه إيجاباً في ما خص التعيينات الأمنية في الجيش وقوى الأمن الداخلي على حدٍ سواء، لئلا ينتقل بعد ذلك الى المسائل السياسية واتفاق الطائف في مقدمها، علماً ان هذا الاتفاق يبدو اليوم وكأنه <يقف على الشوار> لأن توازنه اختلّ من جهة، وعدم تطبيقه جعله مادة خلافية بعدما كان مادة توافقية جامعة. أما العنوان الأبرز الواجب المحافظة عليه في رأي العاملين على خط التهدئة والاستيعاب، فهو <الشراكة الوطنية> التي يستخدمها عون رافعة في تحركه وفي تصوير نفسه بأنه المدافع الوحيد عن حقوق المسيحيين الراغبين فعلياً في استمرار هذه الشراكة التي أفرزت أزمات حكم متتالية قد تؤدي الى أزمة نظام.

بالتزامن مع ذلك، يسمع زوار الرابية هذه الأيام لغة واحدة وهي ان لا عودة الى الوراء، فإما يستعيد المسيحيون دورهم وموقعهم وهويتهم وحقوقهم، وإلا فإن الرد سيكون خارجاً عن المألوف لأن استمرار ما يحصل سيكرّس خللاً في البلاد لن يدفع ثمنه المسيحيون مرة أخرى في السياسة والإدارة والحياة المجتمعية، فالاضطهاد – يقول عون – ليس فقط اضطهاد أمني أو تهجيري أو جغرافي، بل هو في لبنان يتناول الدور والحقوق والشراكة، وهو ما لم يقبل بحصوله لأن ما لم يرتضِ به فريق من المسلمين في الماضي عندما شُكّلت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، فأقام الدنيا ولم يقعدها، لن يقبل المسيحيون اليوم بأن تمارس ضدهم سياسة الحرمان التي أخضعوا لها عندما حُرموا من رئيس يمثلهم ومن قانون انتخابي عادل ومن تعيينات إدارية وأمنية  متوازنة، إذ كيف يسمي الشيعي قادته الأمنيين ويفرض السنّي من يراه مناسباً للوظائف الأمنية وغير الأمنية، وتقف الدولة كلهــــا عند خاطــــــر الـــــدرزي في ما خص ممثليه في الإدارة… ولا يُسأل عن رأي المسيحي، بـــــل يفــــرض عليه الــــــرئيس الــــــذي لا تمثيــــــل شـــــعبياً له، والمـــــوظف الذي لا يختاره والمسؤول الذي لا رأي له في تعيينه؟

ويختصر زوار الرابية الموقف بأن المعركة المقبلة ستكون معركة حقوق ووجود ورفع للحرمان… وان ساعة الصفر لم تعد بعيدة!