29 January,2020

جنبلاط اختار درب معارضة الحكومة والعهد تجاوباً مع خيارات الجيل التقدمي ”الثائر“ على التقليد!

 

كل المعطيات تشير الى ان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب والوزير السابق وليد جنبلاط حدد موقعه السياسي في المرحلة المقبلة وهو الانضمام الى صفوف المعارضة… لكن بأسلوب جنبلاط الخاص به، وليس <المعارضة التقليدية العامة والشاملة>. باكورة هذه المواقف كانت من خلال مقاطعة <اللقاء الديموقراطي> ونواب الحزب، الاستشارات التي أجراها الرئيس المكلف حسان دياب في مجلس النواب انطلاقاً من الموقف الذي أعلنه نواب جنبلاط في بعبدا بترشيح السفير نواف سلام لرئاسة الحكومة. إلا ان مقاطعة استشارات ساحة النجمة كانت بداية خيار جنبلاطي لعدم دخول <جنة> الحكومة العتيدة لا من خلال اختصاصيين حزبيين، ولا من خلال أصدقاء، ذلك ان <أبو تيمور> قرر البقاء بعيداً عن الدوائر الحكومية ويري الاقتراب الى <الحراك الشعبي> بوجهه الحضاري وليس بوجهه الغوغائي، وبالتالي فهو غير قادر على أن يضع رجلاً في الفلاحة وأخرى في البور، بل سيكون بكل ما يمثل الى جانب المعارضة و<الحراك الشعبي>.

وتشرح مصادر مطلعة على الموقف الجنبلاطي أسباب الخيار الذي اتخذه <وليد بك> فتورد العديد منها، لعل أبرزها رغبة جنبلاط في أن تستعيد المختارة ألقها في المعارضة وفق تاريخها القديم حيث كان الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة الشهيد كمال جنبلاط يتقدم صفوف المعارضة والحركة المطلبية والطالبية وكل ما يتفرع عنها من مواقف وتحركات. إضافة الى ان جنبلاط الابن قرر الخروج من <جنات السلطة> لأنه أدرك ان لا امكانية لتحقيق أي تقدم سياسي في الوقت الراهن، ويجب العودة الى القاعدة الشعبية، خصوصاً إذا ما استوت <طبخة> اجراء انتخابات نيابية مبكرة التي قد يتحول مطلب حصولها المرفوض حالياً، الى مطلب أساسي لـ<الحراك الشعبي> يصعب تجاهله. فالزعيم الدرزي يرى ــ كما تقول مصادر مطلعة على موقفه ــ ان ثمة ظوهر مقلقة بدأت تلوح في أفق الحزب التقدمي الاشتراكي مع صعود جيل معارض من الداخل لأداء القيادة من جهة، ولوجود شخصيات حزبية تسلمت مواقع وزارية ونيابية واقترن اسم بعضها مع أسماء <الفاسدين> الذي يطالب <الحراك> بمحاكمتهم واسترجاع ما <سلبوه> من أموال الدولة الى الخزينة العامة. وهذا <الجيل الرافض> ــ كما يُطلق عليه داخل أروقة الحزب التقدمي ــ سيكون مدعواً عاجلاً أم آجلاً الى تسلم مواقع قيادية الى جانب الزعيم الشاب النائب تيمور جنبلاط الذي اشترط على والده ليتسلم عباءة الزعامة، إجرء <نفضة> داخل الحزب ليصبح مواكباً للحداثة والتطورات السياسية الجديدة. وقد أتت <ثورة 17 تشرين> لتعطي تيمور بك حقاً في ما طالب والده بتحقيقه.

وفي هذا السياق، تقول مصادر متابعة ان جنبلاط الأب بدأ العودة الى المعارضة تدريجاً منذ التظاهرة التي نظمتها منظمة الشباب التقدمي في بيروت التي لاقت تجاوباً في صفوف الحزبيين وكادت أن تتفاعل لو لم يأت <الحراك الشعبي> ويخطف الضوء منها. وقد حصل إرباك في صفوف الحزب و<اللقاء الديموقراطي> على حد سواء لاسيما وان المحازبين وأنصارهم عبروا عن رغبتهم بالعودة الى الساحات ورفع المطالب الحياتية والدفاع عن <المظلومين والمسحوقين> كما كان يحصل في الزمن الذهبي لـ<الحركة الوطنية> بقيادة الشهيد كمال جنبلاط. صحيح ان جنبلاط آثر بعد ظهور <الحراك الشعبي> الانكفاء حفاظاً على الاستقرار في الجبل الذي يتمسك به بشكل قوي، إلا انه لم يكن سلبياً تجاه هذا الحراك الذي دعمه بطريقته الخاصة الى أن حصلت استقالة الحكومة التي لم يكن لجنبلاط أي رأي فيها، وقد لام صديقه وحليفه الرئيس سعد الحريري على تقديمها في هذا الظرف الدقيق. بعد التطورات السياسية بدا ان جنبلاط قرر ملامسة المعارضة، فكانت المواقف التي صدرت عنه تباعاً وكذلك عن نواب <اللقاء الديموقراطي> وصولاً الى حد الاعلان عن عدم المشاركة في الحكومة العتيدة.

ومن الأسباب التي دفعت جنبلاط الى خيار المعارضة، بروز قناعة لديه بأن الحكومة العتيدة لن تتمكن من معالجة الأوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة التي تمر بها البلاد، كما انها لن تستطيع تحقيق أي عنصر ايجابي يرضي <الحراك الشعبي> الذي يتوقع جنبلاط أن يشتد ويتوسع بعد تشكيل الحكومة لأن الحراك لن يرضى بأي صيغة تتكون منها الحكومة حتى ولو ضمت اختصاصيين مستقلين وبالتالي لا يريد جنبلاط أن يكون شريكاً في <التفليسة> المنتظرة للدولة ومشاكلها الاقتصادية والمالية. وهو في هذا الموقف يلتقي مع الرئيس سعد الحريري الذي سرّ لقريبين منه انه لا يريد ترؤس حكومة لن تكون قادرة على مواجهة التدهور الذي سيحصل في البلاد وصولاً الى الانهيار الذي يحذر منه الجميع. وعليه فإن جنبلاط اتخذ من طريقة ادارة <عملية تأليف الحكومة> التي سوف تأتي <معلّبة> حجة لرفض المشاركة في استشارات الرئيس المكلف ايذاناً بسلوك درب المعارضة. ويروي الذين التقوا جنبلاط في الآونة الأخيرة، انه بدا مرتاحاً على الصعيد الشخصي لتحديد خطه المعارض، وإن كان بدا قلقاً على مستقبل البلاد في ظل التجاذبات التي يعتقد <أبو تيمور> بأنها ستزداد في الآتي من الأيام لاسيما وان تركيبة الحكومة العتيدة، كما يروّج لها، لا توحي بأنها ستكون حكومة مميزة في ظروف استثنائية كالتي تعيشها البلاد. ويضيف جنبلاط متوقعاً ان يتصاعد <الحراك الشعبي> بعد انتهاء عطلة عيدي الميلاد ورأس السنة، لأن كل المعطيات تشير الى ان انكفاء <الثوار> خلال الأسبوعين الماضيين وإخلاء الشوارع والساحات انها كان <هدنة> لمناسبة الأعياد ولتمكين اللبنانيين من تمضية فترة أعياد هادئة يتمكنون خلالها من التنقل من دون صعوبات بين المناطق كافة لتبادل المعايدات. إضافة الى ان هذه <الهدنة> كانت ضرورية لتقييم التحركات الشعبية التي حصلت، ووضع خطة التحرك المقبل بالتزامن مع تشكيل الحكومة.

في أي حال، جنبلاط سار نحو المعارضة، لكنه حاذر مقاربة أي خلاف مع قيادة حزب الله وهو يتجنب الإشارة الى الحزب من قريب أو من بعيد، فمعارضة الحكومة العتيدة لا تعني محاربة من يدعمها ولاسيما حزب الله وحركة <أمل>!