13 December,2019

جمعية ”Embrace“ أطلقت الخط الساخن الوطني للوقاية من الانتحار!

بقلم وردية بطرس

استناداً للاحصاءات سُجل في لبنان أكثر من مئة حالة انتحار منذ بداية العام 2018، ويشير ذلك الى ارتفاع نسبة الانتحار قياساً بالسنوات السابقة وخصوصاً في صفوف الشباب، الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات حول أسباب هذه الظاهرة. وفي أيلول (سبتمبر) 2017 أطلقت جمعية <Embrace> الخط الساخن الوطني للوقاية من الانتحار وهو الأول من نوعه في لبنان والعالم العربي…

<Embrace> هي جمعية خيرية لدعم ونشر الوعي حول الصحة النفسية في لبنان. نشأت في العام 2013 بالتعاون الوثيق مع قسم الطب النفسي في المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت، وبدءاً من آب (أغسطس) 2017 أصبحت جمعية خيرية مستقلة. ومبادرة <Embrace> هي الأولى من نوعها وتهدف الى جمع التبرعات لنشر التوعية وتأمين العلاج للأمراض النفسية، وهي تسعى الى توعية ودعم الأشخاص الذين يحتاجون الى المساعدة عبر تبديد الخرافات والمعلومات الخاطئة التي تحيط بالمرض النفسي، كما تقدم معلومات عن الموارد المتوافرة الى الأشخاص الذين يعيشون في لبنان، وتجمع التبرعات للمساعدة في تأمين العلاج والعناية للأشخاص العاجزين عن تحمل كلفتهما.

 

الدكتور عمر غصن والهدف من إنشاء

جمعية <Embrace>

 فما الذي يدفع الانسان للانتحار او محاولة الانتحار؟ وماذا عن نسبة الانتحار في لبنان؟ وما الهدف من انشاء جمعية <Embrace>؟ وغيرها من الأسئلة حملتها <الأفكار> الى الدكتور عمر غصن وهو عضو في الهيئة الادارية في جمعية <Embrace> ونسأله أولاً عن التسمية وعن السبب الذي دفعهم لتأسيس الجمعية فيقول:

– سُميت الجمعية بـ<Embrace> اي <المعانقة>، اذ اخترنا هذه التسمية بمعنى اننا نحتضن او نعانق الأشخاص الذين لا يملكون الوسيلة للتعبير عن أنفسهم، ونفسح المجال لهم للتحدث عن مشاكلهم النفسية، لأن الانعزال هو من أكثر العوامل التي تؤثر على الشخص، فيفقد الأمل ويدخل في دوامة سوداء تقوده الى الانتحار. يترأس الجمعية الطبيب النفسي الدكتور زياد نحاس وهو أحد مؤسسي الجمعية، وتتألف الهيئة الادارية من سبعة أشخاص، وتتألف الهيئة التنفيذية من 10 الى 15 شخصاً، وبما يتعلق بالخط الساخن الذي اطلقته الجمعية العام الماضي فهناك من 50 الى 60 متطوعاً يهتمون بالأمر، وهناك أيضاً متطوعون يدعمون الجمعية وذلك حسب الحاجة وحسب أوقاتهم للعمل مع الجمعية، ولكن العدد الذي يتابعنا كبير اذ هناك المئات الذين يتابعون أخبارنا ويساعدوننا قدر الامكان، ونحن كجمعية على علاقة متينة مع الجامعة الأميركية في

بيروت ونتعاون معها.

هدف الجمعية

وعن الهدف من تأسيس الجمعية يشرح الدكتور عمر غصن:

– لقد تأسست الجمعية بعدما رأت مجموعة ان هناك حاجة كبيرة للتحدث عن الصحة النفسية، لأن الناس يعانون نفسياً وليس لديهم من يتحدثون اليه، اذ يشعرون بالخجل من التحدث مع اهلهم أو أصدقائهم خوفاً من ان يقولوا عنهم مجانين، او خوفاً من الا يوظفهم أحد الى ما هنالك، وبالتالي هناك خوف لدى الشخص الذي يعاني من الكآبة، والتوتر، والوسواس القهري، والانفصام في الشخصية. ويعتبر الطب النفسي هذه المشاكل أمراضاً يجب معالجتها، فكما هناك أمراض جسدية مثل ارتفاع الضغط والسكري، هناك أيضاً أمراض نفسية، ولكن تصبح المسألة مشوشة عندما يكون هناك توتر لأن الناس يظنون ان التوتر هو الذي أدى الى الانتحار، بينما التوتر هو الذي يجعل الأمراض النفسية تنفجر، فكما ان استخدام الملح يؤدي الى ارتفاع الضغط، والسكر يزيد من نسبة ارتفاع السكر في الدم، فالتوتر هو مثل الوقود الذي يدفع الشخص اذا كان لديه استعداد ليفكر بالانتحار، بمعنى آخر اذا لم يكن لدى الشخص استعداد او مشاكل نفسية فمهما يحصل معه فلن يفكر بالانتحار… على سبيل المثال حتى لو انفصل الزوج عن زوجته فلن تقدم على الانتحار، او اذا خسر الانسان شخصاً عزيزاً عليه، وحتى لو لم يعد الشخص يملك المال فلن يفكر بالانتحار او يقدم على ذلك، اذ يعتقد الناس ان الفقر مثلاً يدفع الأشخاص الى الانتحار وما شابه… وأعطيك مثالاً آخر ان المشاكل التي يمر بها البلد اليوم تسبب التوتر لدى الناس وتزيد من نسبة الاصابة بالأمراض النفسية عند البعض ولكن لا يصل الأمر الى الانتحار. لا شك ان التوتر يغذي الأمراض النفسية، اذ ان احد اكثر العوارض النفسية شيوعاً جراء الاصابة بالكآبة هي فقدان الأمل، وعدم القدرة على ايجاد الحلول، وبالتالي يدخل الشخص بدوامة بشعة، اذ يجب ان نسأل الأشخاص الذين يشعرون بالاحباط واليأس من وضع البلد مثلاً عما اذا كانوا يرون بأنه لا توجد حلول للمشاكل التي يعانون منها او انهم فقدوا الأمل نهائياً…

حملات التوعية

ــ هل استطعتم الوصول الى اكبر عدد ممكن من الأشخاص او الشباب الذين يفكرون بالانتحار؟

– نحن نعمل على أكثر من صعيد، وأحدها هي حملات التوعية التي نقوم بها في المناطق اللبنانية كافة، اذ نقصد القرى البعيدة لنتحدث عن هذه الأمور بالاتفاق مع البلديات لكي نساعد الناس ولتوعيتهم لأن هناك أشخاصاً لا يعرفون ان هناك مشاكل نفسية، وحتى اذا ارادوا ان يخضعوا لعلاج نفسي فلا يعرفون الى من يتوجهون لطلب المساعدة، اذاً التوعية مهمة جداً، ونحن نقوم بالحملات وأهم نشاط نقوم به هو موجه للأشخاص الذين فقدوا شخصاً عزيزاً بسبب الانتحار، وعادة نقوم بهذا النشاط في شهر كانون الأول (ديسمبر)، اذ ننظم مسيرة نمشي فيها على الروشة عند الساعة الخامسة فجراً وننهي المسيرة مع شروق الشمس لكي يرى الأشخاص نور الصباح بعد ظلمة الليل، وتكون الشموع مضاءة على الطريق، ويشارك في هذه المسيرة أشخاص من كل الأعمار.

وفي ما يتعلق بالشخص الذي يحتاج للعلاج النفسي ولكن وضعه المادي لا يسمح بذلك، زاد الدكتور غصن قائلاً:

– الأشخاص الذين يريدون الخضوع لمعالجة نفسية ولكن وضعهم المادي لا يسمح بذلك نحاول ان نجد التمويل لمساعدتهم، ذلك أن الجمعية ليست مركزاً علاجياً ولكن نقدم الخدمات للأشخاص الذين يحتاجون للمساعدة النفسية وذلك بالتعاون مع وزارة الصحة، فمثلاً عندما نتلقى الاتصالات من بيروت تسهل المساعدة، ولكن عندما يتصلون بنا من خارج بيروت او من مناطق بعيدة فيصبح الأمر أصعب، وبالتالي يجب ان تكون لدينا لائحة من المعالجين النفسيين الذين لديهم علاقات مع الجمعيات غير الربحية وأيضاً المستوصفات والمستشفيات في كل أنحاء لبنان.

 

الخط الساخن للوقاية من الانتحار!

وعن اطلاق الخط الساخن العام الماضي يشرح الدكتور غصن:

– كل من يتصل بنا نقوم بمساعدته، وهذا يحقق أهم أهداف جمعية <Embrace> اذ نعتبر ان اطلاق الخط الساخن هو أكبر انجاز قامت به الجمعية، وهو أول خط ساخن في الشرق الأوسط عن الصحة النفسية ورقم الخط هو: 1564، وهو شغّال يومياً من الساعة الثانية عشرة ظهراً لغاية الساعة الثانية ليلاً، ويتولى القيام بهذا العمل المتطوعون الذين يجيبون عن الاتصالات، كما تُقام تدريبات بهذا المجال، اذا أتينا بمدرب من كندا وهو خبير بما يتعلق بالخط الساخن وكانت له تجارب مهمة في كل دول العالم، اذ يقوم بتدريب الأشخاص الذين يساعدون الأشخاص الذين يواجهون هذا النوع من المشاكل، وبدورنا نحاول قدر الامكان ان نساعد الأشخاص. أما شعارنا فهو <الحكي بيطول العمر> لأن الشخص الذي يعبّر عما بداخله عندما يواجه اي مشكلة فإنه لا يصل الى حائط مسدود… نحن بشر ونحب التواصل، فالتواصل مع الآخرين ضروري سواء مع الأهل او الأصدقاء او زملاء العمل، واذا لم يتواصل الانسان مع الآخرين فسيؤثر ذلك على صحته، وبالتالي نعتبر ان الخط الساخن هو اكبر انجاز للبنان، اذ تلقينا حتى اليوم اكثر من 700 اتصال ومن كل الأعمار والأديان والطبقات الاجتماعية، ومن كافة المناطق اللبنانية.

ويتابع:

– وفي كل الحالات التي نراها، نجد ان الشخص قد واجه مشكلة معينة ولم تُعالج فتتراكم الأمور ويفكر بالانتحار. لقد أتينا الى هذه الدنيا لكي نعيش، ولكن عندما يقرر الشخص انه لا يريد ان يعيش فهذا دليل على فقدان الأمل لديه وبالتالي يقدم على الانتحار، وقد لا تكون الأسباب كبيرة ولكن الأمراض النفسية من المسببات التي تدفع الانسان للانتحار. ومن عوامل الخطورة في هذا الخصوص ان الشخص الذي يحاول او يفكر بالانتحار، اذا كان يشرب الكحول فعندئذٍ لن يقدر ان يتخذ القرارات الصائبة لأن أفكاره تكون مشوشة، فالكحول والمخدرات بالاضافة الى التوتر تدفع الشخص لأن يفكر بالانتحار… مع العلم ان هناك أشخاصاً يفكرون بالانتحار ولكنهم لا يقدمون على ذلك، او يقول أحدهم مثلاً انه يريد ان ينتحر ولكن لا يتمكن من ذلك، وهذا ما تشير اليه الدراسات بأن من 10 الى 20 شخصاً يحاولون ان ينتحروا. ويجب الا يغيب عن البال بأنه لمجرد ان يفكر الشخص بالانتحار، فيجب ان يكون ذلك اشارة كبيرة بأن هناك مشكلة ما، ويجب ان يقصد اختصاصياً لمساعدته او ان يسأل أحدهم يهمه أمره لتقديم المساعدة، إذ لمجرد ان يقول الشخص بينه وبين نفسه انه يفكر بالانتحار فهذا خطير، كما انه اذا لم يسبق ان تحدث عن الموت من قبل وفجأة بدأ بالتحدث عن الموت والانتحار فعندئذٍ يجب ان يأخذ الأشخاص المحيطون به هذا الأمر بعين الاعتبار.

 

الأمراض النفسية والانتحار!

 

ــ اذاً كما ذكرت ان التوتر يزيد من المشاكل النفسية ولكن هل هناك سبب مباشر يدفع الانسان للتفكير بالانتحار؟

– 90 بالمئة من الأشخاص الذين يقدمون على الانتحار هم أشخاص لديهم امراض نفسية وفي أغلب الحالات لم تُعالج تلك الأمراض، فالشخص الذي يعاني من الكآبة منذ سنوات عديدة ويفكر بالانتحار ولم يُعالج، فعندما تحدث اية مشكلة او عوارض جانبية فانه يصل الى الانتحار ولكي لا يصل الشخص الى الانتحار يجب ان تكون هناك توعية وليس ان ننتظر الشخص الى ان يقدم على الانتحار. لذلك، فإذا لم يعبّر الشخص عما يشعر به منذ البداية او ان هناك مشكلة ما يعاني منها او انه حدث تغيير في تصرفاتــــه او نظرتــــه الى المستقبل او انه يشعر بحزن لا يقدر ان يتخطاه او انه يشعر بالخوف والقلق ولا يقدر ان يتخطى هذا الشعور فإن العوامل السلبية تزيد، وبالتالي يتخذ قرارات عشوائية بدون التفكير، ويترجم الواقع بطريقة خاطئة اذ يشعر الشخص بأن الناس ستؤذيه وهذا لا يكون صحيحاً، إذاً التغيير في التصرفات يجب ان يكون بمثابة اشارة  للتنبه منذ البداية لنساعد الشخص بألا يفكر بالانتحار من الأساس، ولهذا التوعية مهمة جداً.

نسبة الانتحار في لبنان

ــ اليوم يُحكى كثيراً عن ارتفاع نسبة الانتحار في لبنان، فماذا يحدث وهل صحيح ان نسبة الانتحار زادت؟

– نحن لدينا الأرقام من قوى الأمن الداخلي التي تقوم أصلاً بتوثيق سبب الوفاة، وتقريباً في السنوات الخمس او الست الأخيرة يتبين ان نسبة الانتحار تزداد اذ تصل تقريباً الى 140 حالة انتحار في السنة، وهذا العام لغاية شهر أيار/ مايو وصل الرقم الى 100 حالة انتحار، بمعنى انه اذا استمرت حالات الانتحار على هذه الوتيرة فسيصل الرقم الى اكثر من 200 حالة انتحار في سنة واحدة، وبالتالي ازداد الرقم، والسبب الأول ان الناس يحاولون اخفاء ما يشعرون به، إذ نعرف أشخاصاً انتحروا لأنهم قاموا باخفاء الأمر ولم يعلنوا عن ذلك أمام أحد، علماً ان أهلهم يقولون بأن ابنهم تعرض لحادث سير لأن الموضوع لا يزال <تابو> ولا يتحدث الناس عن هذه المسألة، وأيضاً هناك الخوف من الدين لأن بعض الأديان لا تقوم بمراسم الدفن اذا كان الشخص قد انتحر، وطبعاً لأسباب عائلية وتفادي الأقاويل والثرثرة والوصم بالعار.

وختم الدكتور غصن قائلاً:

– أما السؤال المطروح: لماذا يُحكى عن موضوع الانتحار وبأنه يزداد في لبنان فلا أحد يعرف السبب، وقسم من المسألة متعلق بوسائل التواصل الاجتماعي اذ ان الموضوع يتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي وبالتالي أصبح الناس يتحدثون عن الانتحار أكثر من السابق، وبالتالي يحاول الناس كسر <التابو> من خلال التحدث عن الانتحار ولم يعد الأمر سراً او يمكن اخفاء المشكلة، وكذلك الاعلام يلقي الضوء على هذه المشكلة أيضاً…

وأذكّر في النهاية ان نسبة الانتحار في لبنان وبالمقارنة مع بقية الدول ليست عالية ولكن أيضاً ليست بقليلة، لأن لبنان بلد صغير وعدد سكانه قليل وبالتالي هذا الرقم يبدو مرتفعاً، ولكن كما ذكرت الرقم ليس كبيراً مقارنة مع بقية الدول، أما بالنسبة للدول العربية فلا نعرف النسبة لأنه في الأساس لا يُعلن عن حالات الانتحار، وأود ان أوضح ان الرقم عن نسبة الانتحار في لبنان ليس واضحاً، ولكن اذا نظرنا الى الأرقام قبل سنة فيتبين انه كل يومين ونصف اليوم ينتحر شخص واحد، وبالتالي قد يرتفع الرقم اذا استمرت الحال على هذا المنوال.