10 December,2018

جـمـعـيــــــــة «ســـــكـر دكـانــــــــــــــة » صـــــــرخـة فـــي وجــــــــه الـفـســـــــــــــاد

بقلم طوني بشارة

SAM_0265 

حين يحصل لبنان على معدل 2,6 من عشرة في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، فهذا يعني ان الفساد للأسف بات ثقافة مستشرية في المجتمع اللبناني، وحين يضطر 67 بالمئة من رجال الاعمال في لبنان الى دفع الرشى لتسهيل وتسريع الاجراءات الحكومية، لا يعود هناك مجال للجدل حول موضوع الضرر المباشر الذي يسببه الفساد للقطاع العام تحديداً، فالوضع لم يعد يحتمل على اعتبار ان كل معاملة نحتاجها يجب ان نخصص لها مبلغاً للرشى او الهدايا، مما ادى الى بروز ظاهرة المغلفات التي تقدم للموظفين الرسميين بغية تسريع عملية الحصول على الاوراق المطلوبة، فالعديد من المواطنين يشكون على    ابواب الإدارات العامة من طريقة تعاطي الموظفين معهم، فلكل معاملة ثمنها والا التأجيل او الرفض.

ولا تقف الرشى عند حدود المعاملات البسيطة انما تطال مجالات اكثر خطورة مثل الحصول على رخصة بناء او رخصة قيادة وصولاً الى دفع الموظف لغض النظر عن مخالفة او التهرب من دفع الضرائب.

تغرق كل هذه التراكمات الإدارات العامة اكثر فأكثر في بؤرة الفساد ما يصعب إعادة إحياء مفهومي النزاهة والخدمة العامة، لكن جمعية <سكر الدكانة> لم تستسلم بعد وهي تقود اليوم حملة اصلاح للقطاع العام عن طريق تحفيز اللبنانيين ليكونوا كاشفين للفساد.

 للإطلاع على أهداف جمعية <سكر الدكانة>، ودورها في إشراك المواطن بعملية كشف الفساد، قابلت <الافكار> رئيس الجمعية الاستاذ ربيع الشاعر، وكان السؤال المدخل عن تاريخ تأسيس الجمعية وكيفية إشراك المواطن بعملية التبليغ عن الفساد عن طريق استخدام تطبيق سكرها او أغلقها؟

تأسست الجمعية في 19 كانون الاول/ ديسمبر 2013، وتم اطلاقها بشكل رسمي في ايار/ مايو 2014، ووفقاً لتقرير صادر عن مجموعة خبراء يعملون في مجال إصلاح قطاع قوى الأمن الداخلي، تبين ان 13 بالمئة فقط من اللبنانيين لديهم ثقة بقوى الأمن الداخلي، مما دفعنا الى التساؤل عن نسبة ثقة المواطنين بالقطاعات الأخرى، وباستطلاع للرأي تبين ان لا ثقة للمواطن بمعظم إدارات الدولة، فوفقاً للمواطن الفساد مستشرٍ في القطاعات كافة.

ويتابع الشاعر: أطلقنا فكرتنا عن طريق فتح دكانة تسوّق لبيع رخص القيادة والبناء، والشهادات الرسمية، معتبرين البلد <دكانة للفساد>. اعتمدنا سياسة تسويقية مبتكرة، مما دفع العديد من المواطنين الى تبني فكرتنا وقضيتنا في وسائل التواصل الاجتماعي، وأخذنا 20 جائزة عالمية، و9 جوائز للماركات التسويقية، ثلاث  جوائز منها ذهبية، والغاية من جمعيتنا مكافحة الفساد وجعلنموذج-2 المواطن شريكاً بالتبليغ عن عملية الفساد.

 ويستطرد الشاعر: اما بالنسبة لتطبيق <سكرها>، فهو يتضمن إمكانية التبليغ عن حالات مختلفة من الفساد ومنها الرشى، وذلك من خلال تحديد المؤسسة التي دفعت فيها الرشى، ومبلغ الرشوة المدفوعة مع الإشارة الى حفظ سرية الشخص الذي يسجل التبليغ. كما يتضمن التطبيق آخر أخبار الفساد في لبنان، وإرشادات عن كيفية الحصول على مختلف التراخيص دون اللجوء الى وسطاء او سماسرة يلعبون دور صلة الوصل بين المواطن والمؤسسة، ويتقاضون مبالغ مالية بشكل غير قانوني لقاء الاستحصال على التراخيص.

ــ يقال ان الجمعية سجلت 1600 حالة فساد خلال ستة اشهر من عام 2014، فكم بلغت قيمة الرشى المدفوعة وفي اي دوائر رسمية تتركز حالات الفساد؟

– للأسف، بلغ مجموع الرشى المدفوعة خلال هذه الفترة حوالى الملياري دولار اميركي، ويشير التقرير الى تركز حالات الفساد في اربع دوائر رسمية هي السجل العقاري، الاحوال الشخصية، القضاء والبلديات. وتتصدر وزارة الداخلية لائحة الفساد من حيث عدد التبليغات، في حين تتصدر وزارة المالية التي تتبع لها الدوائر العقارية اللائحة من حيث مجموع الرشى المدفوعة، كما يشير التقرير الى تورّط أمناء في السجل العقاري وقضاة ومحامين في ظل تغطية سياسية.

ــ ما هو الترتيب المعتمد من حيث عدد الشكاوى وحجم الفساد؟

– من حيث عدد الشكاوى تأتي وزارة الداخلية في المرتبة الاولى، تليها وزارة المالية ومن ثم وزارة العدل. اما بالنسبة لحجم الفساد فتأتي المالية بالمرتبة الاولى، تليها الداخلية ومن ثم العدل، وبشكل أكثر تفصيلاً، فإن SAM_0269معاقل الفساد تتمركز في السجل العقاري، والاحوال الشخصية، والبلديات، والتنظيم المدني والقضاء والضابطة العدلية.

ــ لماذا تم اعتبار وزارة الداخلية في المرتبة الاولى من حيث عدد الشكاوى؟ وهل بإمكان وزير الداخلية في ظل غياب التشريع ضبط هذا الفساد؟

 – ان سبب اعتبار وزارة الداخلية بالمرتبة الاولى من حيث عدد الشكاوى عائد الى كون الوزارة المعنية تشمل 18 مديرية عامة، وهي على احتكاك مباشر مع الناس مما يزيد نسب الفساد. وفي ظل غياب التشريع، لا يمكن التكلم عن إمكانية تحديث قوانين لمكافحة الفساد، وللأسف قوانيننا تفتح المجال امام إمكانية تفسيرها بعدة اوجه، مما يسمح بالتلاعب على القانون وسوء استخدام السلطة.

ويتابع الشاعر: هنا لا بد من الإشارة الى ان وزير الداخلية في حال قرر مكافحة الفساد بإمكانه ان يعطي نتائج باهرة، فعلى سبيل المثال بإمكانه مكافحة الفساد بداية في مجال كيفيةإعطاء دفاتر القيادة التي تعطى وللأسف عن طريق التواطؤ  بين اللجان الفاحصة ومكاتب تعليم القيادة، وهي تعطى بشكل أبدي، مع العلم انه منذ سنتين تم إصدار قانون يحصر صلاحية دفاتر القيادة بمدة عشر سنوات فقط، كما ان هناك ملامة على وزير الداخلية الذي لم يعين حتى الآن أمين عام المجلس الوطني للسلامة المرورية والذي يعتبر المرجعية الاساسية لضبط السير.

ــ ولكن لا يخفى عن أحد ان وزير الداخلية ألغى امارة سجن رومية، ألا يعني ذلك محاولة للقضاء على الفساد؟

– ان ما قام به وزير الداخلية في سجن روميه كان من الضروري ان يحصل، فسجن روميه سعته فقط 3000 سجين وهو يضم حوالى 5000 سجين، قسم كبير منهم موقوفون ولم تتم محاكمتهم بعد. وهنا لا بد من التذكير بأنه عام 2010 تم رصد 19 مليار ليرة لبنانية بغية بناء سجنين: واحد في الجنوب والآخر في الشمال، ولكن هذه العملية توقفت والسبب عائد الى ان الارض التي خصصت في الجنوب لبناء سجن عليها تبين انها مصادرة منذ القدم من قبل احد الزعماء حيث شُيد عليها منزل ومدرسة لهذا الزعيم.

ويضيف الشاعر: وفي السياق نفسه، لا بد من التنويه بأنه ايضاً في عام 2010 تقرر ما يأتي: على وزارة الداخلية ان تتولى فقط عملية حراسة الحدود الخارجية للسجون، اما إدارة السجون، فتنتقل تدريجياً وخلال خمس سنوات من وزارة الداخلية الى وزارة العدل، ولكن لم يحصل اي إجراء بهذا الخصوص، وحتى عملية الحراسة للسجن غير متوافرة في الوقت الحالي فهي بحاجة الى إمكانات والى عناصر مدربة وكفوءة، فالعناصر للأسف تبدو وكأنها مقاصصة عند بقائها ولفترة طويلة بمقر رومية دون إعطائها اية حوافز مما يشجعهم على الفساد.

ــ اعتبرت ان حملة أبو فاعور حملة فساد دون وجود فاسدين، فكيف تبرر ذلك؟

– بالفعل ان حملة أبو فاعور أشبه بحملة فساد دون وجود فاسدين، فحتى تاريخه لم يتم فصل احد من وظيفته، كما انه لم تتم محاسبة اي موظف او حتى إحالته للهيئة العليا للتأديب. كما ان التفتيش المركزي ما زال إدارياً بهيكلية 1960 ويعاني من شغور أكثر من 70 بالمئة من الموظفين، ناهيك عن عدم وجود معايير معتمدة لاختيار الموظفين لدى مجلس الخدمة المدنية، مما يعني حكماً عدم وجود نياتSAM_0278 إصلاحية جدية.

ــ حصل لبنان عام 2014 على معدل 2,6 من عشرة في مؤشر مدركات الفساد، فكيف تفسر العلاقة بين المحاسبة والمساءلة من جهة وتطور الفساد من جهة ثانية؟

– هنا لا بد من الإشارة الى انه عام 2007 كانت مرتبة لبنان 99 على 176 من حيث مدركات الفساد، والتفتيش المركزي سجل آنذاك 200 ملاحقة سنوية. أما عام 2014، فأصبحت مرتبة لبنان 136 من أصل 176 من حيث مدركات الفساد ولم يسجل التفتيش المركزي سوى 87 ملاحقة سنوية، مما يعني وللأسف ان هناك علاقة سلبية بين تطور الفساد وتراجع المحاسبة.

ــ مع نهاية عام 2014، أرسلتم هدية ملغومة لمجلس النواب، علامَ تحتوي هذه الهدية؟ وهل تم رفضها من قبل السلطة التشريعية؟

– ان هديتنا لمجلس النواب الذي مدد لنفسه كانت عبارة عن ظرف يحتوي على مبلغ 100 دولار، وقد كتبنا على الظرف: <ارفضها تيصير عنا بلد>. أنت مؤتمن، ففي حال لم تكن فاسداً، فلماذا السكوت على الفساد؟ وهنا حاولنا لفت نظر النواب الى فكرة الفساد المستشري، وطالبناهم بتطبيق قانون الاثراء غير المشروع. ولكن للأسف، لم تتم إعادة المكتوب من قبل اي من النواب، بل على العكس البعض طالب بمبلغ أكبر.

ــ بعد هذه التجربة مع مجلس النواب، هل ما زالت لدى أعضاء الجمعية قناعة بإمكانية إلزام النواب بإصدار قوانين لمحاربة الفساد؟

– لدينا قناعة كاملة بإلزام النواب بإصدار القوانين، وذلك عن طريق الحملات الإعلانية الذكية والمبرمجة والهادفة الى الضغط على النواب وإحراجهم وحتى إعطائهم إغراءات ليكونوا جزءاً من الحل مما يجعلهم يربحون معنوياً، والتجربة خير برهان على ذلك، فعن طريق حملتنا الاعلامية الذكية مع بعض الجمعيات ألزمنا اللجنة النيابية بأن تصوت على مشروع حق الوصول الى المعلومات، ونحن بانتظار ان يتم وضع هذا المشروع على جدول أعمال المجلس النيابي.

ــ في اول نيسان/ أبريل الحالي، قامت الجمعية بتوزيع محاضر ضبط على سيارات المواطنين وبعض الجهات السياسية، فما الغاية من هذه المحاضر؟

 – ان هذه المحاضر تقع ضمن حملة توعية شاملة وهي أساساً مزحة الغاية منها استغلال المناسبة (كذبة اول نيسان/ أبريل) للإشارة الى ان حياة الناس ليست كذبة، وقانون السير يجب ان يطبق ولا يفترض ان يكون بمنزلة كذبة على المواطنين، اذ يقع سنوياً عدد كبير من القتلى والجرحى بسبب حوادث السير الناتجة عن إهمال وفساد كل من النافعة والميكانيك ووزارة الاشغال والبلديات والكهرباء، علماً ان الموت لا يفرّق بين أحد، فالجميع وبسبب إهمال الوزارات المعنية معرضون لحوادث السير.