19 September,2018

”جـــــنّة“ بعـــــد الانـتـخــــــابـات

 

بقلم سعيد غريب

 

SAM_5208

أما وقد انتهت عمليات استنفار الشعب الى ما انتهت إليه من نتائج توقّعتها <محطة لبنانية> قُبيل انطلاقتها وفي أثنائها، وبعدما توضحت أمور كثيرة وحدثت تغييرات مدوية وتحوّلات لم تكن في الحسبان على مستوى المزاج والخيار والاختيار، تمثلت بتراجعات كبيرة في قوة الأحزاب لمصلحة المستقلين، وشوق الناس الملح الى استقلالية بقيت مكلفة على مدى تاريخ طويل، ونجاحها بنسبة مرتفعة في إلغاء محاولات إلغائها على يد الأحزاب…

 وبعدما بلغت حدّة الاتهامات المتبادلة ذروتها وكأنها حدثت في المنام أو في المخيلة، كتهمة دعم <المستقبل> لهذه اللائحة أو تلك من قبل القوات اللبنانية والعكس بالعكس، أو محاربة دوري شمعون على يد <القوات> في عقر داره، أو محاولة إلغاء <الحليف> بطرس حرب في تنورين…

 وبعد مفاجأة المفاجآت سقوط جبابرة طرابلس على يد <حليف> هو أشرف ريفي…

بعد هذا كله، وفي انتظار استيعاب الصدمات الكبيرة، لا بدّ من معركة جديدة تحتاجها الساحة اللبنانية، أولاً لتحويل الأنظار عن نتائج الانتخابات البلدية، ومن جديد عن الانتخابات الرئاسية، وثانياً لشد عصب ما بقي من ناس وفيّة لقياداتها <التاريخية>.

إنها جنّة، مطلوب ارتقاؤها الى مستوى الفردوس!

جنّة، أو ما يُعرف بسد جنّة، مشروع تفجير سياسي جديد ستعلو أصوات كثيرة من أجله، وستُستنبط دراسات تؤيده وأخرى تدحضه، وقد يأخذ مجلس الوزراء بسببه إجازة صيفية طويلة!

فبين دراسات البيئيين ووثائق الرسميين المتناقضة حول جدوى السد أو جدية المشروع أو مستقبل تجمّع المياه فيه، ضاعت الحقيقة ولم تعد الناس تعرف أين الصواب وأين الخطأ، ومن هو المحق ومن هو المخطئ؟ وهو أي السد، كأي مشروع لبناني رسمي إذا سلك طريقه الى التنفيذ، فعلى قاعدة <مثل ما الله بيريد>!

تُصرف الأموال، وما أدراك كم هو وما هو حجم الأموال في أيامنا هذه، ويبدأ التنفيذ، وبعده التدشين ثم اكتشاف العورات، أليست الطرقات خير مثال؟ وبالمناسبة، كيف هي أحوال سد شبروح؟

وبمعزل عما يمكن أن يتسبب به السد في حال إقامته من تشوّه خلقي عجز ميخائيل نعيمة وقلمه ذات يوم عن وصف مفاتن هذا المخلوق الذي اسمه لبنان، فإن الملحّ اليوم، تكليف شركة أجنبية لإعداد تقرير جديد ومفيد يحمي جنة لبنان ومياهه ووشوشات نسماته.

الوزير نبيل دو فريج، الحسن الصيت، والمعني بالتنمية والمشاريع الإصلاحية، يذكر في حديث صحفي أنه ضد مشروع سد جنّة حتى النهاية <بناء على دراسات قامت بها وزارة الطاقة، وهي جاهزة منذ سنة ونصف السنة>.

ويقول وزير التنمية الإدارية:

<إن الدراسة التي كلفت بها وزارة الطاقة مكتباً خاصاً ولم توزع أصلاً، جاءت نتيجتها سلبية وهي بحوزتنا، وتبيّن أن ثلاثين بالمئة من المياه سيذهب هدراً، وهناك دراسة أجرتها مؤسسة حكومية ألمانية برهنت ان المياه الواصلة الى سد جنّة سيذهب قسم كبير منها الى مغارة جعيتا، لكن وزارة الطاقة رفضتها ووصفتها بالسيئة. هنا بدأ الشك لدينا، لماذا هذا الإصرار على مشروع السد؟ وقيل لنا بما معناه: <غصباً عنكم يجب أن تسيروا بهذا المشروع!>، لذلك طلبنا أن تُدرس الأمور علمياً وبيئياً، وإذا تبيّن أن هناك خطأ، فالعودة عن الخطأ فضيلة، وأنا كنائب لبناني سأقول لا للمشروع وابحثوا عن طريق أخرى>.

ونحن نضيف: إذا أصررتم عليه، فابحثوا عن اسم آخر غير جنّة، فهذه التسمية لن تليق لا بالمنطقة ولا بأهلها ولا بلبنان إذا أقمتم السد…

يقول أحد كبار الخبراء البيئيين، إن المشكلة في إنشاء السد لا تكمن في تسرب المياه منه، ولا في تدمير البيئة لتسببه بقطع عدد هائل من الأشجار، بل في تشويه وادي نهر إبراهيم وتدميره…

ويتحدث وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس عن وجهتي نظر حيال المشروع: واحدة تقول إنه يشكّل خطراً كبيراً وفقاً لتقرير أعدّته شركة ألمانية، والأخرى تنقل عن خبير فرنسي عالمي أنه لا يشكّل أي خطر ويقول:

<أعتقد أنه إذا كانت المسألة مجرد تجاذب سياسي، فلن ينفع فيه كل الكلام الفني، أما إذا كانت المسألة فنية بحت، فلنأتِ بأكبر الخبراء في العالم ولنأخذ برأيهم، أما إذا كان البحث عن مشكلة فلا حول ولا قوة إلا بالله>.

الى هذا السرد والآراء يبقى سؤال مهم حول المشهد العام الذي أنتجه شهر أيار/ مايو الفائت:

ماذا لو، ولسبب ما، اختلفت التحالفات السياسية والثنائيات الحزبية؟

هل تبقى المجالس المنتخبة متجانسة ومتفقة؟ أم تتفكك وتتعطل ويتعطل معها العمل الإنمائي الموعود؟

إن وحدة الصف داخل الحكم أكان محلياً وبلدياً أو مركزياً بالغة الأهمية، فالوحدة الوطنية مرتبطة الى حد كبير بالوحدة الرسمية، وليس هناك داخل الحكم نفسه حكم ومعارضة في آن، فضلاً عن وجود رأيين متناقضين وتحليلين معاكسين. فالتجانس بين أهل القرار ضروري حتى تكون هناك سياسة عليا لا تستقيم من دونها دولة ولا يتأمّن من دونها استمرار وطن.

لقد حدث شيء في لبنان، حدثت أشياء كثيرة وعديدة، والمضحك أن الزعماء يسمونها <انتصاراً>.