25 May,2019

جــــدل حـــــول دستوريــــة اختـيـــــار القـضـــــاة الأعـضـــــاء أرجأ تشكيل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء!

 

بقلم وليد عوض

 

مرة جديدة يظهر تطبيق بعض النصوص الدستورية الحاجة الى تفسير نظراً للالتباسات التي تحصل خلال الممارسة السياسية والتي اتسمت بها مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، لاسيما وأن <وثيقة الوفاق الوطني> التي اتفق عليها النواب في مدينة الطائف وتحولت في معظم بنودها الى دستور، تحمل في طياتها غموضاً يعتبره البعض <مقصوداً> لاستمرار الحاجة الى <وصاية ما> لتبديده، فيما يرى فيه البعض الآخر عيباً في اعتماده من قبل النواب نظراً للظروف التي رافقت مؤتمر الطائف والحالة الأمنية الخطيرة التي عاشها لبنان آنذاك.

وعلى رغم أن <وثيقة الوفاق الوطني> أناطت بالمجلس الدستوري مهمة تفسير الدستور، إلا أن مجلس النواب الذي يعتبر أنه <سيد نفسه> أسقط هذه المهمة من المجلس الدستوري لدى التصويت على الدستور، معتبراً أنه – أي مجلس النواب – هو السلطة المخولة تفسير النصوص الدستورية، فيما دور المجلس الدستوري يقتصر على بت الطعون النيابية ودستورية القوانين التي يقرها مجلس النواب بناء على مراجعات ترد من جهات محددة في نظام المجلس. وهذه الإشكالية تتكرر كل مرة يقع التباس في نص دستوري حيث تكثر الاجتهادات والتفسيرات من دون أن تتوافر الجهة التي تحسم الخلاف.

 

اعتراض بري ونواب!

 

آخر مظاهر <غموض> النصوص الدستورية برز خلال طرح بند تشكيل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء في مجلس النواب الأسبوع الماضي بحيث لم يمر هذا البند بسلاسة كما كان متوقعاً، ذلك أن ما إن تلاه الرئيس نبيه بري، حتى توالت الاعتراضات من عدد من النواب وجهوا ملاحظاتهم على أسماء القضاة الذين سيتولون عضوية المجلس الأعلى الذي يتألف من ثمانية قضاة أصيلين وثلاثة رديفين ومن 7 نواب يتم انتخابهم. ملاحظات النواب، ولاسيما منهم النائب جورج عدوان، ركزت على أن اختيار القضاة لم يراعِ الدرجات القضائية بل وزعوا وفقاً للمعايير الطائفية، وفي ذلك مخالفة لنص المادة 80 من الدستور التي تنص على اختيار القضاة الأعلى درجة، كما قال عدوان الذي اعتبر أيضاً أن الاختيار يجب أن يكون عبر غرف التمييز مجتمعة وليس من خلال مراسلة وجهها رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد الى مجلس النواب. واللافت أن وزير العدل ألبرت سرحان، وهو قاضٍ إداري بالأساس، أفاد مجلس النواب ان الطريقة التي اعتمدت في

اختيار القضاة راعت التوازن الطائفي وتمت وفقاً لتعيينات سابقة مماثلة.

إلا أن النقاش تشعب <وحسمه> الرئيس بري بدعوته بأن لا تكون التسمية وفق اعتبار طائفي أو مذهبي، داعياً الى إعادة النظر بخيارات مجلس القضاء الأعلى والطلب الى وزير العدل متابعة هذا الموضوع، طارحاً بعد ذلك التصويت لانتخاب النواب الأعضاء الأصيلين والاحتياطيين، ففاز النواب علي عمار وجورج عقيص وجورج عطا الله وسمير الجسر وهاغوب بقرادونيان وفيصل الصايغ والياس حنكش كأعضاء أصيلين بعد انسحاب النواب بولا يعقوبيان وعلي درويش وألبير منصور، فيما فاز كل من النواب علي عسيران وسليم عون ورولا الطبش بالتزكية في المقاعد الاحتياطية.

مصادر قضائية: القاعدة نفسها!

وأثارت أسماء القضاة الذين اختيروا من مجلس القضاء الأعلى ردود فعل، لاسيما وان اختيارهم تمّ وفقاً للمعايير المعتمدة دائماً وهم القضاة: جان فهد وجوزف سماحة وميشال طرزي وكلود كرم وجمال الحجار وسهير الحركة وعفيف الحكيم ورولا جدايل، وجميع هؤلاء هم رؤساء غرفة محكمة التمييز ما عدا القاضية جدايل الرئيسة الأولى لمحكمة استئناف الجنوب. واختير القاضي سمير حمود نائباً عاماً للمحكمة، إضافة الى اختيار قضاة ونواب عامين احتياطيين. إلا أن مصادر قضائية مطلعة استغربت ردود الفعل التي صدرت عن الرئيس بري وعن عدد من النواب، وأوضحت أن محكمة التمييز تخضع في وجودها وفي عملها لأحكام قانون القضاء العدلي، وأن جميع الغرف فيها لا تلتئم سوى عبر الهيئة العامة لمحكمة التمييز. وأضافت المصادر نفسها أن المادة 30 من قانون القضاء العدلي حددت دقائق تأليف الهيئة العامة وكيفية ترؤسها والأكثرية اللازمة لاتخاذ القرارات فيها، وبالتالي فإن إيراد الدستور لعبارة <محكمة التمييز بجميع غرفها> لا يمكن أن يعني سوى الهيئة العامة لمحكمة التمييز، لعدم وجود أي كيان قانوني آخر يجمع غرف محكمة التمييز سوى الهيئة العامة. ولو أراد المشترع الدستوري أن يجعل التسمية من قبل جميع قضاة محكمة التمييز الذين يزيد عددهم اليوم عن 40 قاضياً، لكان أورد النص على ذلك صراحة، ولكان أوجب القانون رقم 13/1990 تحديد كيفية دعوة هؤلاء القضاة وكيفية ترؤس الجلسة واتخاذ القرارات فيها. أما لجهة الرتب والدرجات، أضافت المصادر نفسها، فيقتضي الإشارة الى أن المادة 3 من المرسوم الاشتراعي رقم 112 (قانون الموظفين) قسمت الوظائف الى فئات، والفئات الى رتب والرتب الى درجات، وبالتالي الرتبة لا تساوي الدرجة وفقاً للقانون، وليس صحيحاً، بالتالي، أنه لا رتب في القضاء وأن هناك فقط درجات، وهي تعطى للقضاة بحسب الأقدمية من دون أي معيار آخر. وأشارت المصادر نفسها الى أن الرتب القضائية نصت عليها المادة

80 من قانون القضاء العدلي وهي تبدأ من القاضي المنفرد

وتندرج صعوداً لتصل الى الرئيس الأول لمحكمة التمييز، وهو القاضي الأعلى رتبة في سلم الرتب القضائية بغض النظر عن الدرجات.

وأكدت المصادر القضائية أن هذا المنحى في تفسير أحكام المادة 80 من الدستور والمادة 2 من القانون الرقم 13/90 اتخذته الهيئة العامة لمحكمة التمييز منذ العام 1996 خلال رئاسة القاضي فيليب خير الله، واستمرت على هذا المنوال خلال رئاسة القاضي طانيوس الخوري في العام 2003، وخلال رئاسة القاضي غالب غانم في العام 2010، واستمرت في الاتجاه نفسه مع قرار التسمية المتخذ من الهيئة العامة الحالية قبيل انعقاد الجلسة النيابية. وفي رأي المصادر نفسها أن هذه الإيضاحات التي وصل المزيد منها الى المراجع المعنية في رئاستي الجمهورية ومجلس النواب يفترض أن تعيد مقاربة مجلس النواب لمسألة ترشيح القضاة المختارين من مجلس القضاء الأعلى الذي ليس في وارد التراجع عن خياره على أساس أن القاعدة المعتمدة منذ إنشاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء اعتمدت الخيار نفسه في الآلية وإن اختلفت الأسماء.

وفي أي حال، سواء شُكّل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء أو لم يشكّل، فإن ثمة من يرى أن هذا المجلس لا يُذكر إلا عند الحديث عن تشكيله ومن ثم يغيب عن السمع والحضور في آن، لأن مجلس النواب لم يحل الى المجلس الأعلى منذ بدء تشكيله في العام 1996 وحتى الأمس القريب أي رئيس جمهورية أو وزير لمحاكمته في جرائم منصوص عنها مثل خرق الدستور والخيانة العظمى والإخلال بواجبات الوظيفة، وهي كلها جرائم سياسية وليست جرائم عادية. ومعلوم أن الإحالة الى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يتطلب أكثرية موصوفة، وقراراته يفترض أن تصدر بغالبية 10 أصوات من أصل 25 صوتاً. وهذه الشروط تبدو <تعجيزية> لأنها صعبة التحقيق في الحياة السياسية اللبنانية، الأمر الذي يحول المجلس الأعلى لهيئة فخرية لا عمل فعلياً لها، وبالتالي <ما بيحرز> الخلاف عليها، على حد تعبير مرجع كبير!