19 September,2018

جـسر ”فوتوغرافـي“ بين لبـنان ودول البحر المتوسط...  ”فـوتـومـيـــــد“ 2017: الـصــــــورة الايـجـابـيـــــــة!  

بقلم عبير انطون

5-(3)------1  

للدورة الرابعة على التوالي ينجح مهرجان <فوتوميد> في جذب جمهور الصورة اليه وفي تأمين اللقاء بعدد كبير من المصورين المحترفين عربا وعالميين. فالصورة تتخذ يوماً بعد يوم بعداً أوسع وأكثر تأثيراً خاصة في عالم عربي يضج بأحداث تشكل خبزاً يومياً لمادة اعلامية توثيقية وجمالية في الوقت عينه. مهرجان <فوتوميد> للتصوير <الفوتوغرافي> في منطقة البحر الأبيض المتوسط بنسخته الرابعة لبنانياً انطلق من وسط بيروت في 18 كانون الثاني/ يناير الجاري ويستمر حتى الثامن من شهر شباط/ فبراير المقبل، فمن على لائحته لهذا العام، اية مواضيع يقارب، وأي مصور لبناني فاز بجائزته الاولى؟

عبور..

 المهرجان الذي انطلق في فرنسا منذ سبع سنوات في مشاركة لأبرز المصورين العالميين والناشئين، يمكن قياس نجاحه في لبنان من خلال عدد المشتركين الذي يتزايد بشكل خاص مع المواهب اللبنانية الشابة، وان كانت في غالبيتها تتنقل ما بين لبنان وخارجه، وان كانت بغالبيتها ايضاً لا تحترف التصوير <الفوتوغرافي> مهنة دون سواها.

لهذا العام، تمحورت الدورة اللبنانية حول مواضيع ثلاثة اساسية هي: السينما، ومدينة بيروت، والشعر من تحت الانقاض.

 الرئيس الفرنسي للمهرجان <فيليب هونان> أكد لـ<الأفكار> أن هذا النوع من المهرجانات الذي أخذ على عاتقه منذ ولادته ابراز الغنى في التصوير <الفوتوغرافي> لدول البحر الابيض المتوسط بات حتمياً، وذلك بهدف تعزيز الروابط بين هذه الدول ومنها لبنان، فهذه الدول بحاجة الى التحاور والتبادل الثقافي ما يبني جسر عبور بين الثقافات المختلفة، وما اجمل ان يكون هذا الجسر مشغولا من الصور <الفوتوغرافية>. فدول المتوسط لديها الكثير من القيم والتقاليد المشتركة البعيدة عن التطرف والتعصب، وفي هذا الوقت الصعب بالذات، أي وسط ما تواجهه هذه البلدان، عليها ان تنشر الوعي والخطاب الايجابي وقد تأتي الصورة في المقدمة. فالمهرجان يسعى ايضا لبناء <صورة> ايجابية عن وطن يحمل رسالة في وجوده ونموذجاً في طريقة عيشه.

 وعن النسخة اللبنانية، يؤكد <هونان> ان المهرجان يشكل منصة لتسليط الضوء على التصوير <الفوتوغرافي> اللبناني الذي يضم تحت جناحيه مصورين شباباً، يتمتعون بمواهب استثنائية، ويقدم فرص عمل للمصورين اللبنانيين مع تبادل لخبراتهم مع مصورين اجانب من خلال ورش عمل تتناول لهذا العام مثلا لقاءً حول تقنية الصورة مع مصورين واحد تونسي والآخر ايطالي. كذلك، ولأن التغطية الاعلامية للمصورين اللبنانيين ليست كبيرة، يأتي هذا المهرجان للتعريف بهم، مسلطاً الضوء في الوقت عينه على صالات العرض اللبنانية التي تتعاون بشكل كبير مع المهرجان و<المركز الثقافي الفرنسي> لتعزيز التصوير <الفوتوغرافي> ودوره.

5-(14)-------2  

العين والبيكار..

 

 بعد تكريم المصورة الفرنسية – المغربية ليلى العلوي في دورة العام الماضي وهي استشهدت جراء عمل ارهابي في <بوركينا فاسو> حيث كانت في مهمة انسانية لمنظمة العفو الدولية <امنستي انترناشيونال>، وكانت قد عاشت في بلدنا منطلقة منه الى العالم من خلال صور عن حضارات وتقاليد الشعوب المختلفة، يقدم لها مهرجان <فوتوميد> لهذا العام تحية من نوع آخر بعنوان <بلينديد> وهو المعرض الاول لوالدتها كريستين العلوي المصورة هي ايضاً والتي لم تكن تعرض صورها للعامة. قبل رحيلها، اختارت ليلى خمس عشرة صورة من اعمال والدتها وشجعتها على عرضها، فكانت <رسولة هذا المعرض بعد رحيلها> بحسب الوالدة التي تلخص المعرض بأنه صور ملتقطة في السبعينات، تظهرها مع زوجها في رحلاتها ما بين المغرب والولايات المتحدة الاميركية، تحت عنوان انساني يجعل المشاهد للصور شريكاً في لحظات خاصة وعامة في الوقت عينه، ذلك ان تعدد الهويات والجنسيات التي تشكلت منها عائلتها يشكل نموذجاً يمكن ان يعمم.

بغير العلوي تكرم الدورة الحالية من <فوتوميد> لبنان المصور الفرنسي الراحل في العام الماضي <مارك ريبو> وهو من كبار مصوري التحقيق الصحافي في القرن الماضي، وقد اشتهر بتقاريره الواسعة عن بلاد الشرق وعرف بصوره عن فييتنام والجزائر بشكل خاص. <ريبو> الذي ولد في العام 1923 قرب <ليون> الفرنسية حصل على كاميرته الأولى وهو في الرابعة عشرة من عمره، وكانت اولى صوره المنشورة لدهّان يقوم بعمله في أعالي برج <إيفل>، وهي الصورة الأشهر في العالم مع صورته الأخرى <فتاة الزهور> – 1967 لمتظاهرة ضد حرب فييتنام أمام البنتاغون، وقد عرف <ريبو> بالمصوّر الرحالة لأنه غطى أحداثاً في الهند والصين واليابان وأفريقيا، كما غطى إستقلال الجزائر، وكان الغربي الوحيد الذي غطى حرب فييتنام من جبهتيها الجنوبية والشمالية، كما نشر أكثر من 15 كتاباً مصوراً. المصور الذي <ولد وفي عينيه بيكار>، كرمه <فوتوميد> في لبنان بعد وفاته عن عمر 93 عاماً اثر صراع طويل مع مرض <الالزهايمر>.

<الغرافيتي>!

nasri-sayegh-----3  

 الى التكريم، سلط المهرجان الضوء حول مروحة المصورين العارضين من <سيرجيو ستريزي>، <جوليو ريموندي>، <ريشارد دوما>، <آلان فليشر>، <فيارن فريكسا>، <نيكول هرزوغ – فيري>، <نيك هانس>، إلى وسيم غزلاني، جورج عودة، لارا تابت، وبلال طربيه. أما اللافت فكان اسم دانيال عربيد المخرجة السينمائية التي تثير الجدل مع كل فيلم يعرض لها في لبنان، وهي تشارك في المعرض عبر <Exotic Girls>. فالمخرجة، الكاتبة والممثلة لبنانية، ولدت في العاصمة اللبنانية بيروت عام 1970 وتركت لبنان خلال احتدام الحرب الأهلية اللبنانية عام 1987 لتدرس الأدب في فرنسا، كما درست الصحافة كذلك، وعملت في مجالها لمدة خمس سنوات مع صحيفة <Libération> الفرنسية الشهيرة كمراسلة سياسية، ثم اتجهت إلى السينما منذ عام 1997 حيث قدمت أول فيلم قصير لها <ردم>، ثم قدمت عدداً كبيراً من الأفلام بين الوثائقي والروائي، ومن أفلامها: <معارك حب>، <رجل ضائع>، <رائحة الجنس>، <بيروت بالليل>. في <فوتوميد> تقدم عربيد صوراً التقطتها اثناء تصويرها لأفلامها، صوراً قريبة لأبطالها واجسادهم والمدينة التي يعيشون فيها من دون تحديدها، لتوائم بين اللحظة السينمائية والصور <الفوتوغرافية> فتستحق التنويهين معاً.

 بيروت اذاً، شكلت <اللولب> الاساس والحرب اللبنانية الجوهر.. فاللبنانيون وبينهم المصورون كما الكثيرين من السينمائيين لم يتمكنوا من محو ذكرياتهم الاليمة عن تلك المرحلة التي عاشوها وطبعت حياة كل عائلة، إذ لا زالت نيرانها مشتعلة في الذاكرة، تساعد في تأجيجها الحروب المنتشرة من حول لبنان وعلى حدوده. في هذا الاطار يشكل معرض <جدران العار> للصحافية ماريا شختورة خير شاهد على بشاعة تلك المرحلة التي لا زالت تطل برأسها من اكثر من باب. في معرض شختورة نبحر ما بين عشرين صورة اختارتها الصحافية بناء على رغبة اليس مغبغب صاحبة احدى الغاليريهات الفنية التي تحمل اسمها لعرض صور كانت شختورة قد التقطتها شخصيّاً خلال الحرب الأهلية، وحوّلتها كتاباً صدر عن دار <النهار> عام 1978 بعنوان: <حرب الشعارات> واكثر ما تتجسد في حوارات <الغرافيتي> الصامتة التي كانت الجدران <أيام الحرب> الشاهدة عليها بين <الغربيّة والشرقيّة> و<الجبل والدامور> و<تلّ الزعتر> وغيرها..

فتوح والصايغ..

بيروت ايضاً، هي في صلب اعمال الفائزة بالجائزة الاولى سيرين فتوح والتي استحقت عنها عرض اعمالها في مهرجان <فوتوميد> المقبل الذي سيقام في فرنسا في شهر ايار/ مايو 2017، فيما حل في المركز sirine-fattouh----4الثاني المصور <الفوتوغرافي> نصري الصايغ.

سيرين فتوح التي ولدت في بيروت سنة 1980، تعيش في باريس وفيها حصلت على شهادة <DNSEP> (الديبلوم الوطني العالي للتعبير التشكيلي) من <المدرسة الوطنية العليا للفنون> سنة 2006، وفيها اكملت مشوارها على غير صعيد. تبرز سيرين في أعمال وصور عديدة تنم عن الآثار العميقة التي تركتها حرب لبنان فيها، البلد الذي تركته مع عائلتها سنة 1989 حيث كانت الحرب في أشدها، ويظهر عملها الطريقة التي تتشكل منها ذاكرتها والروابط التي تجمعها ببلدها بعد المنفى. وقد سبق لسيرين ان تناولت الحرب اللبنانية تحت اكثر من زاوية، بينها ما قدمته منذ فترة تحت العنوان العريض <كيف أثرت سنوات الصراع في لبنان على الفنون>، عبر مقطع من تاريخ لبنان على أساس اختيارات شخصية وأعمال فنية وأفلام، مركزة على ثلاث لحظات محددة: نهاية الحرب الأهلية في لبنان في التسعينات، اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 والهجوم الإسرائيلي على لبنان عام 2006.

 اما نصري الصايغ الفائز بالجائزة الثانية، فقد اصبح اسماً معروفاً خاصة لمرتادي <المركز الثقافي الفرنسي> حيث قدم العام الماضي معرضا حمل عنوان <بيروت ربما..>.

 نصري الذي يتنقل بين بيروت وبرلين آتٍ من عالم الأدب الفرنسي، وقد تربّى على شعر <رامبو> الذي يجد فيه الأب والأم والأخت والأخ أدبياً وفكرياً وموسيقياً، وهو حائز شهادة من <الجامعة اليسوعية> وأخرى في الأدب المقارن من <جامعة السوربون>. درس التمثيل في العاصمة الفرنسية وشارك في أفلام عدّة منها لـ<كريستيان مرليو>، جاد يوسف، روي سماحة، جوسلين صعب، وجورج هاشم، وهو دخل ايضاً عالم الصحافة كوالده الصحافي الذي يحمل الاسم عينه، إذ عمل رئيساً للنشرة في <إذاعة الشرق> في باريس، كما أنّه فنان شغوف في المجال الموسيقي، كونه «دي جي» ينطلق مع <النوتات> الموسيقية ويجمع أسمهان إلى <دلفين سيريغ> و<غريس جونز> ويلاقي <جان مورو> مع ياسمين حمدان.

 لا يعتبر نصري نفسه مصوّراً <فوتوغرافياً> وهو يعترف انه <وقع في أحضان الصورة ليغرف منها عذراً بديلاً عن الكلمات، وحجّة أمام اللغة المكتوبة>. بدأ تدوين الصور بحسب مقابلة له مع صحيفة <السفير> التي اغلقت ابوابها حديثاً، في مفكّرته الذكية على شكل هاتف، <ممارساً نوعاً من السرقة الجميلة من خلال هاتفي الذكي الذي أستعمله كمسوّدة للصور منذ سنتين وقد التقطت آلاف الصور. دخلتُ في علاقة غرام ممنوع مع برج المر بالتحديد الممنوع أن نصوّره بسبب وجود الجيش ولما يملك من خصوصية، فله ماضٍ وتاريخ. التقطت الصور من سيارتي من زوايا مختلفة ليلاً. كانت الصور لقاء وإحساساً لا غير، البرج ما زال حياً مع أنّه ميت. هو جزء أساس من الماضي الذي لم يتبرّج وهو حقيقة>.

 صــــور نصـــــري ستكـــــون ضيفـــــة الفصـــــــل الثـــــــــاني من العام 2017 داخل صالة عرض <المركز الثقافي الفرنسي> في لبنان، وبانتظار الدورة الخامسة جهزوا كاميراتكم!