20 November,2018

جدل دستوري حول دور الرئيس في السلطة الإجرائية يحيده عن المسؤولية المباشرة ولا يعفي وزراءه منها!  

chamel-roukoz-2
قبل أن تصدر مراسيم تشكيل الحكومة الجديدة، كان إعلان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أن هذه الحكومة ليست <حكومة العهد الأولى> يتفاعل سلباً في <بيت الوسط> الذي اعتبر <العارفون> فيه أن الرئيس عون تحفظ على تأييد الصيغة الحكومية حتى قبل أن تولد، على رغم ما فيها من وزراء محسوبين عليه شخصياً وعلى التيار الوطني الحر عموماً. ويقول هؤلاء <العارفون> ان الرئيس الحريري الذي <انزعج> من عدم توفير الرئيس عون الغطاء الرئاسي للحكومة التي يرئسها هو، مرّر عتاباً غير مباشر لرئيس الجمهورية عندما التقاه في اليوم الثاني لصدور الموقف الرئاسي، في وقت كان فيه مدير مكتبه نادر الحريري يسأل صديقه الوزير جبران باسيل عما قصده <عمه> الرئيس من هذا الموقف الذي لم يجد المهندس الشاب الواعد ما يبرره.

 أكثرمن ذلك، ارتفع منسوب الاستغراب في <بيت الوسط> من موقف الرئيس عون حيال الحكومة على رغم أن الرئيس الحريري حرص على القول أمام زائريه إن خطاب القسم الذي ألقاه رئيس الجمهورية أمام النواب، هو القاعدة التي ستعمل على هديها حكومته العتيدة، فكيف تلتزم الحكومة خيارات رئيس الدولة الذي <ينفض يده> منها حتى قبل صدور مراسيمها؟

 

<حكومة الحريري الثانية>

 

وترى مصادر متابعة، ان التفسيرات التي اوردها الرئيس عون لكلامه حول عدم تبني الحكومة الجديدة واضحة وصريحة، وهو قالها عن قناعة، خصوصاً ان ثمة من يرى في الوسط السياسي أن الحكومة الجديدة هي <حكومة الرئيس سعد الحريري الثانية> وليست <حكومة العهد الأولى> التي يؤكد الرئيس عون انها ستولد بعد الانتخابات النيابية التي التزم الرئيس ان تحصل في موعدها في الربيع المقبل. وتضيف المصادر ان الرئيس عون الذي لم يتمكن من إحداث تغييرات أساسية في التركيبة الحكومية في صيغتها الأخيرة، لا يريد سلفاً أن يتحمل تبعات أي <دعسة ناقصة> يمكن أن تقوم بها الحكومة الجديدة، لاسيما بعدما تمّ توزير أسماء عون-وباسيل----1سبق ان تحفظ عليها سراً وعلانية وكادت اعتراضاته أن <تفرمل> التشكيل على نحو كامل.

غير أن البعد الدستوري الذي أعطي لمواقف الرئيس عون كان أهم من ردود الفعل عليها سلباً كانت أم إيجاباً، بدليل أن الفقهاء الدستوريين راحوا يفسرون <مسؤولية رئيس الحكومة> في تشكيل حكومته استناداً الى الاستشارات النيابية التي أجراها ووفق ما نص عليه الدستور. وثمة من رأى أن مجرد توقيع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيل الحكومة، فذلك يعني أن شراكته فيها كاملة وغير منقوصة بصرف النظر عما يُقال في الصالونات أو من خلال التصريحات الإعلامية والتفسيرات الملتبسة، وإلا لكان وجب عليه أن يمتنع عن توقيع مرسوم التشكيلة الحكومية التي ينص الدستور على أنها تصدر بالاتفاق بين رئيسي الجمهورية والحكومة. صحيح أن مرحلة <اتفاق الطائف> أفرزت واقعاً مغايراً للواقع السياسي الراهن بسبب الوصاية السورية التي استمرت حتى العام 2005، إلا أن الصحيح أيضاً أن ممارسة رئيس الجمهورية لصلاحياته – بصرف النظر عن رأي البعض فيها – في مرحلة صدور مرسوم التشكيل يعطيه القدرة على رفض أي تركيبة لا يراها ضرورية للمرحلة الراهنة. أما عندما يوقع المرسوم، فهذا يؤكد دستورياً على توفير الرعاية الرئاسية للحكومة وإن كان الرئيس لم يعد، بعد <الطائف>، رئيس السلطة الإجرائية، بل سلطة مستقلة تتكامل وتتشارك مع بقية السلطات في إدارة شؤون البلاد من موقعه كحامٍ للدستور، علماً أنه لا يستطيع تحمّل مسؤولية أي إخفاق حكومي من أي نوع كان، خصوصاً مع بداية عهد رئاسي جديد.

وفي هذا السياق، يقول متابعون لمسألة تشكيل الحكومة إن عدم اعتبارها <حكومة العهد الأولى> له ما يبرره سياسياً ومعنوياً، بأن حجب الثقة النيابية عن الحكومة – مثلاً – في حال حصوله، أو حجبها عن وزير في الحكومة لأسباب مختلفة، يمكن أن يعتبران حجباً للثقة برئيس الجمهورية الذي لا يتحمل دستورياً أي تبعة إلا في حالة الخيانة العظمى أو مخالفة الدستور، لأن رئيس الجمهورية لو كان مسؤولاً  بمقدار مسؤولية الحكومة، لما كان الدستور حصر المحاسبة بالحكومة، فيما اعتبر رئيس الجمهورية رمز وحدة الوطن!

ويضيف المتابعون انه في غياب نص دستوري واضح يحمي الرئيس من ممارسات وزراء الحكومة الذين وقع مرسوم تعيينهم، فإن سلاح الموقف الذي يمكن أن يشهره رئيس الجمهورية في أي مرحلة، يعطيه حقاً سياسياً ومعنوياً لرفض ما لا يراه مناسباً سواء كان ذلك من خلال الممارسات الوزارية، أو الانتهاكات المستمرة للدستور. ويرى هؤلاء أن الحق الذي أعطي لرئيس الجمهورية في توجيه رسائل الى مجلس النواب عند الضرورة، يشكل في حد ذاته توجيهاً للمجلس في مسألة معينة يفترض أن يأخذها في الاعتبار، خصوصاً إذا كانت الرسالة مبنية على معطيات قانونية ودستورية وعلمية.

غير أن هذا الحق في توجيه رسائل الى مجلس النواب لا يلغي – حسب مراجع حقوقية – الواقع الذي يجعل من رئيس الجمهورية جزءاً من السلطة الإجرائية، ولو معنوياً، فكيف إذا كان تمثيله في الحكومة وازناً ومتطابقاً لما طلبه من الرئيس الحريري في مرحلة التأليف؟ علماً أن الرئيس الحريري لا يبدي اعتراضاً على من يقول ان الحكومة العتيدة هي <حكومة الحريري الثانية> وسوف يتحمّل مسؤولية عمل أعضائها في روح من التعاون.