19 September,2018

”جبهة النصرة“ خارج الحدود اللبنانية والبلديات تدعم الجيش اللبناني!

 

بقلم علي الحسيني

الجيش السوري يتصدى للمسلحين في بيت جن

 

منذ ثلاثة أعوام تقريباً، انفردت مجلة <الأفكار> بعملية بحث عن تنظيم <جبهة النصرة> في قرى العرقوب وتحديداً داخل بلدة شبعا الجنوبية وذلك بعد ورود مجموعة تقارير ومعلومات عبر الاعلام تحدثت عن وجود كثيف لهذا التنظيم في تلك المنطقة وكأن الخبر يومئذٍ، كان بمنزلة انذار أولي أطلقه كل من حزب الله والنظام السوري إلى <النصرة> وداعمها الاسرائيلي، بضرورة اخلاء تلك القرى قبل أن يتخذا قراراً عسكرياً حاسماً في هذا الشأن. يومئذٍ رأينا بالعين المجردة كيفية النزوح السوري من بلدة بيت جن السورية باتجاه بلدة شبعا إما مشياً على الأقدام، وإما ركوباً على البغال والحمير. اللافت في هذا التحقيق اليوم، ان قرية <بيت جن> الحدودية، قد سقطت الاسبوع الماضي بيد الحزب والنظام، وأصبحت خالية تماماً من أي وجود لعناصر <النصرة>.

هل زال الخطر عن لبنان؟

طيلة السنوات الثلاث الماضية، شكل وجود تنظيم <جبهة النصرة> في المقلب السوري من منطقة جبل الشيخ وتحديداً في بلدتي بيت جن ومزرعة بيت جن في الغوطة الغربية، تهديداً واضحاً وصريحاً للأمن اللبناني وكذلك للمقاومة المتمثلة بحزب الله في تلك المنطقة، الأمر الذي دفع العديد من المرجعيات السياسية إلى التحذير من خطر تحول قرى العرقوب وخصوصاً بلدة شبعا إلى عرسال أخرى لا سيما مع وجود أعداد كبيرة من النازحين السوريين فيها. كما كان واضحاً في تلك الفترة، أن الجانب الاسرائيلي لم يكن بعيداً عما يحصل داخل الأراضي السورية من تحركات لهذا التنظيم ومجموعات مسلحة أخرى، خصوصاً في ظل العلاقات التي نسجتها اسرائيل مع المجموعات المسلحة العاملة هناك مثل <النصرة> ومجموعات تتبع للجيش السوري الحر. وكان الخوف دائماً من أن تقدم إسرائيل على استخدام هؤلاء كورقة أي لحظة إمّا بهدف شن عدوان على الحدود اللبنانية، أو تشكيل نواة جيش عند الحدود مع الجولان، شبيه بجيش أنطوان لحد الذي كان يُسيطر على جنوب لبنان.

اليوم يُمكن القول، إن بلدة بيت جن السورية آخر معاقل المسلحين في غوطة دمشق الغربية، قد سقطت بيد الجيش السوري وحزب الله وذلك بعد نحو مئة يوم من المعارك الضارية، أفضت في نهاية الامر إلى استسلام مسلحي المنطقة، ومطالبتهم بالتفاوض للخروج. كل المعلومات المتعلقة بهذا الانجاز تؤكد ان الخيار لم يكن سهلاً، فالمنطقة ذات الجغرافيا الصعبة، شكلت اختباراً حقيقياً للنظام ولحزب الله على حد سواء في اختيار الأساليب والتكتيكات المناسبة، وخصوصاً في ظل دعم إسرائيلي كبير للمسلحين، ومتابعة من جيشه للمعارك من على أعلى قمم جبل الشيخ. وفي الشق العسكري الميداني، تؤكد وقائع المعركة أنه في بداية الامر، حاول الجيش السوري وحلفاؤه، السيطرة على تلة بردعيا المطلة على مغر المير، والطريق الواصل بينها وبين مزرعة بيت جن. وجاءت تلك الأولوية، لكون السيطرة على التلة ستتيح أفضلية عسكرية. وبعد إتمام تلك المهمة، بدأت دفاعات المسلحين تتهاوى في حين استمرت المعارك لتثبيت النقاط المحررة، ومحاولة التقدم لمسافات قصيرة. ومنذ نحو اسبوع تقريباً، بدأ العمل على حسم تلك المعارك في أسرع وقت، وإنهاء وجود المسلحين في ذلك الجيب. وقد جاء هذا التقدم، مع إنجاز من الجهة اللبنانية تمثل بنجاح مخابرات الجيش اللبناني بتوقيف عدد من السوريين في بلدة شبعا، لانتمائهم إلى <النصرة>، والمشاركة في أعمال إرهابية، كما عثرت على مخزن بداخله كمية من الأسلحة والذخائر.

 

 التكتيك الميداني

Mideast Lebanon 

اعتمد الجيش السوري وحزب الله أسلوب التطويق والعزل ضد <النصرة>، حيث سيطرا على بعض التلال الحاكمة، ثم عمدا إلى فصل المناطق بعضها عن بعض وقطع طرق الإمداد، فضلاً عن تكثيف القصف المدفعي. من جهتهم استنفد المسلحون كل جهودهم في محاولة الصمود تحت كثافة تلك الضربات، وعملوا بمساعدة العدو الإسرائيلي على استقدام مسلحين من درعا ومحيطها حيث تم نقل هؤلاء من جباتا الخشب بآليات عسكرية عبر أراضي الجولان المحتل، ليعاد إدخالهم إلى منطقة بيت جن، من المنطقة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي في جبل الشيخ، لتجاوز نقطة الفصل بين سيطرة المسلحين في محيط بلدة حضر. لكن على الرغم من الدعم الإسرائيلي، فقد تمكن النظام والحزب من تطويق بيت جن ومزرعتها، بعد عزلها عن مغر المير وقطع خطوط دعمها في حين  فاقت حصيلة قتلى المسلحين المئة، خلال الأسبوع الأخير.

وفي مطلع الاسبوع الماضي،  أرسل المسلحون عبر وسطاء محليين، رسالة إلى الجيش السوري، مفادها الاستعداد للتفاوض في ظل وقف لإطلاق النار، ريثما يتم ترتيب أمر الخروج من المنطقة، وقد  تمت الموافقة على طلب المسلحين، ومنحوا مهلة تمتد على نحو 72 ساعة، لتنظيم عملية خروجهم من المنطقة كلياً. لكن خلافاً وقع بين المسلحين، على وجهتهم بعد الخروج، إذ انقسموا بين من يريد الرحيل إلى إدلب، وهم من <جبهة النصرة>، وبين آخرين من اختاروا الخروج إلى ريف درعا الغربي. أما <مورو>، وهو قائد عمليات المسلحين في منطقة بيت جن، وصاحب العلاقات المميزة مع الموساد والجيش الإسرائيلي، فقد رُجح بقاؤه داخل الأراضي المحتلة.

 

أقصى الاحتياطات في الجهة اللبنانية

على أثر التقدم الذي أحرزه الجيش السوري في المعارك الدائرة في جبل الشيخ وفي مزرعة بيت جن في الغوطة الغربية، تلاشت خيارات المسلحين بين القبول بالتسوية التي اقترحها النظام وتقضي بترحيلهم الى إدلب، وبين الفرار الى محيط المواقع الاسرائيلية في جبل الشيخ، مقابل قلة قليلة رفضت الاستسلام وأصرت على القتال. أما في المقلب اللبناني، فقد واصل الجيش تعزيز اجراءاته الامنية منعاً لأي خرق، خصوصاً أن الوساطة التي يخوضها النظام مع المسلحين من اجل خروج كافة المسلحين، يمكن أن تفشل خصوصاً في ظل التدخل الاسرائيلي المباشر، لذلك يأخذ لبنان كامل احتياطاته، لإبعاد ترددات أي معارك محتملة على حدوده، في ظل الغطاء الذي تقدمه اسرائيل للمسلحين بهدف انشاء مواقع في جرود شبعا وراشيا على غرار جرود عرسال.

وفي هذا السياق، تؤكد مصادر ميدانية مواكبة للعملية العسكرية في بيت جن احتمال انعكاسها داخل الأراضي اللبنانية، وأن بلديات المنطقة اتخذت قراراً بدعم الجيش اللبناني، قضى بمشاركة عناصر شرطة البلديات بعمليات المراقبة في الجرود والتلال الفاصلة بين الاراضي السورية في الجولان والاراضي اللبنانية في الجنوب، وذلك بالتنسيق مع القوى الامنية. وعلى الخط نفسه، كانت أوقفت المديرية الاقليمية لأمن الدولة في النبطية سوريين كانا يهربان الاسلحة الى بيت جن، إضافة الى توقيف عصابة تهريب سورية من بيت جن الى شبعا لقاء 100 دولار للفرد، وأوقفت أيضاً خلية كانت تخطط لتفخيخ مهبط مروحية لـ<اليونيفل> في منطقة مرجعيون. وقد أكد قائمقام حاصبيا أحمد الكريدي في حديث صحافي، أن القوى الامنية في حالة استنفار لمنع دخول أي مسلح نحو حاصبيا التي تئن من ضغط النزوح السوري الذي فاق الـ40 الفاً ويؤثرون سلباً على اليد العاملة

ابحث عن اسرائيل في سوريا ولبنان

 

في أي بلاء أو تهديد يُمكن أن يتهدد لبنان أو دول المنطقة، لا بد أن تشخص الأبصار نحو اسرائيل التي تترقب الأوضاع عن كسب وتتحسس الفرص لإنجاز مخططها الهادف دائماً إلى تفجير الأوضاع. كانت اسرائيل وقبيل اندحار جزء كبير من الجماعات المسلحة من بيت جن ومحيطها، تراقب كل شيء. أساليب القتال، القصف، الخطط والتكتيكات. وكانت تُحذر الجماعات المسلحة من هجومات مُحتملة للنظام أو حزب الله وتقوم بدعمهم بالذخيرة والعتاد حينما ترى حاجة إلى ذلك. وفي الفترة الأخيرة، كان مسلحو بيت جن ومحيطها يتلقون دعماً إسرائيلياً مباشراً، إن من ناحية الرواتب الشهرية التي كانت تدفعها لهم، أو من ناحية الدعم العسكري المباشر، كالقصف المدفعي والتسليح والتجهيز وحتى نقل الأفراد. اما اليوم، فتشير المعلومات إلى أن المشروع الإسرائيلي في المنطقة هناك انتهى بسقوط بيت جن، وهو – أي الإسرائيلي – كان قد حاول أن ينقذ المشروع، عبر محاولة فاشلة للسيطرة على بلدة حضر الحدودية في الفترة السابقة، لكنه فشل فشلاً ذريعاً.

ويؤكد أحد قادة الجيش الميدانيين أن هذه أولى الضربات المباشرة والقاسية للإسرائيلي. وصمود المنطقة الجنوبية كلها وبلدة حضر وغيرها كان فشلاً لخطط العدو، لكن عملية بيت جن وتحريرها شكلت ضربة لمشروع الحزام الأمني. ويضيف: لا يزال العدو يمتلك نفوذاً في المنطقة الجنوبية. لا شك أنه تلقى ضربة قاسية، لكنه لن يستسلم، وسوف يستفيد من القرى الحدودية الأخرى مثل جباتا الخشب والقنيطرة المهدّمة وغيرها لإعادة ترميم مشروعه ولو جزئياً. ومن المتوقع في المرحلة المقبلة، بعد خروج المسلحين من المنطقة، أن يثبت النظام وحلفاؤه، نقاطاً استراتيجية وحاكمة للسيطرة على الحدود، ومنع أي محاولات للعدو الإسرائيلي للعبث بالمنطقة الحدودية. ومن المتوقع قريباً، أن تصبح الغوطة الغربية بأكملها خالية تماماً من المسلحين.

دورية اسرائيلية عند الحدود 

هذا ما كان يُخطط له

مع دخول فصل الشتاء، كان من المرجح أن تقدم الجماعات المسلحة وخصوصاً <النصرة>، على شن هجمات مباغتة على نقاط للجيش اللبناني داخل الاراضي اللبنانية انطلاقاً من بلدة بيت جن، ومن هنا كانت تحركات الجيش متواصلة في تلك المنطقة سواء في الليل أو النهار في حين لم تكن الدوريات تتوقف وكانت تعمل بشكل متواصل على كشف جوانب الطرقات المحاذية للحدود مع سوريا أو المناطق التي تحتلها اسرائيل وتحديداً مزارع شبعا. وفي الوقت عينه كانت هناك رؤية تقول باستحالة قيام هؤلاء المسلحين بعمليات عسكرية في هذا الفصل حيث تنعدم الرؤية ويصبح من الصعب تحريك المركبات، اضافة الى ان  جميع القوات العسكرية تصبح مكشوفة بشكل أكثر.

مصادر ميدانية أكدت لـ<الأفكار> أن المقاتلين في بيت جن السورية ومع بدء فصل الشتاء سيستغلون خاصرة لبنان الرخوة أي منطقة شبعا – العرقوب ومرتفعات كفرشوبا ومنطقة راشيا الوادي في البقاع الغربي للهروب من قسوة الشتاء في منطقة القنيطرة بحثاً عن منطقة دافئة وآمنة لهم. وتابعت: نحن لا نتوقع انفراجاً في مكان ما على طول الحدود. هؤلاء المسلحون لا يستطيعون البقاء حيث هم لأنهم بحاجة إلى دعم لوجستي وخصوصاً سيحتاجون إلى مكان أكثر دفئاً، ولذلك فإن العملية العسكرية التي شنها النظام وحزب الله على هؤلاء، جاءت في توقيتها الصحيح وأدت إلى إنكسار هؤلاء بحيث لم يعد لديهم مكان يأوون اليه، سوى أوكارهم في الداخل السوري أي درعا وإدلب، أو سحبهم باتجاه الأراضي المحتلة على أن يعود الاسرئيلي ويستغلهم في وقت لاحق سواء في مواجهة لبنان، او النظام السوري و«حزب الله>. لكن في جميع الأحوال، يُمكن القول إن المنطقة الآن، أصبحت شبه آمنة بعد دحر المسلحين منها خصوصاً أن النظام والحزب سيعمدان إلى تثبيت مواقع عسكرية لهما خلال الفترة القصيرة المقبلة.

ومن الضروري التذكير، أن فصائل المعارضة السورية المسلحة، كانت أطلقت منذ شهر تقريباً عملية <كسر القيود عن الحرمون> لفك حصار النظام السوري وحزب الله عن قرى جبل الشيخ وبيت جن ومزارعها ومغر المير. وشنت المعارضة يومئذٍ هجوما على محور <السرية الرابعة> التابعة لـ<اللواء 90> على أطراف بلدة حضر ذات الأغلبية الدرزية حيث دعت أهالي البلدة في بيان إلى <الوقوف موقفاً بطولياً ومشرفاً ضد النظام العميل الذي اضطهد وظلم كل الشعب السوري بجميع مكوناته، وحثتهم على أن يسحبوا أبناءهم من اللجان التي تشارك النظام في عدوانه على الضعفاء، وإلا فقد أعذر من أنذر>.

 

موقف الإعلام الاسرائيلي

الاعلام الإسرائيلي وحيال ما يجري عند حدود بلاده، كشف أن تل أبيب تراقب عن كثب تحركات الجيش السوري وحزب الله على الحدود السورية، وتتخوف القيادة الإسرائيلية أن يؤدي نجاح ايران بطرد قوات المعارضة السورية التي لم تقم بأي إعتداء على المواقع الإسرائيلية، إلى تشكيل نقاط عسكرية إيرانية لمهاجمة الكيان الإسرائيلي في المستقبل. ويقول الاعلام العبري: إن حزب الله نشر عشرة آلاف مقاتل في تلك المنطقة وأن هذا الأمر دفع اسرائيل إلى تنفيذ سلسلة غارات على مصانع عسكرية انشأتها إيران على مقربة من الحدود السورية الاسرائيلية، وكانت الاذاعة البريطانية <بي بي سي> قد نشرت تقريراً يتضمن صوراً حصرية حصلت عليها من الجيش الاسرائيلي تكشف عن الإضرار التي ألحقتها الغارات الاسرائيلية بالقاعدة العسكرية التي تعتزم إيران  تثبيتها بشكل دائم في جنوب دمشق.

ويلفت الاعلام العبري إلى أن قوات الرئيس السوري بشار الأسد عملت قبل شهر من انعقاد الاجتماع المشترك بينهم وبين المتمردين في بلدة <سوتشي> تحت رعاية روسيا من أجل تحسين مواقعها في جنوب سوريا، وبشكل خاص جنوب جبل الشيخ. وكانت القوات السورية تقوم بجهد خاص في الأيام القليلة الماضية لتطويق منطقة بيت جن التي تعتبر الحي الجنوبي الغربي لدمشق على منحدرات جبل الشيخ السوري، وهي المنطقة التي يسيطر عليها الدروز و<جبهة النصرة> منذ عام 2012، وهي المنطقة التي تطل على قرية الحضر التي تعتبر المعقل الوحيد للنظام السوري شمالي هضبة الجولان على طول الشريط الحدودي مع إسرائيل.

حكمة راعي الغنم

أثناء جولة <الأفكار> على قرى العرقوب في تلك الفترة، وعلى الطريق العام الفاصلة بين منطقة المزارع وشبعا البلدة، مر أحد رعيان الغنم مع قطيعه في النقطة الفاصلة فسألناه يومئذٍ ما اذا كان لاحظ وجود عناصر ارهابية عند التلال أو في الوديان، فقال: أنظر كيف يراقب الإسرائيلي من فوق كل تحركاتنا من أعالي الجبال، وانظر الى تلك القوة من الأمم المتحدة وهي تقوم بدورية عند الخط الازرق منعاً لحدوث أي خرق، وانظر أيضاً الى حواجز للجيش اللبناني على المعابر وتحديداً عند معبري الرشّاحة وعين السودا المتاخمين لجبل الشيخ. وهناك أيضاً وجود خفي لعناصر حزب الله. <يعني إذا دخلت الجماعات المسلحة إلى هذه القرى، يعني أكيد بكون في شي غلط>.