20 September,2018

جبل لبنان مسيحي ــ درزي ومنبت أول لدولة لبنان الكبير

بقلم وليد عوض

أعداء الأمس اصدقاء اليوم. وخصوم اتفاق الطائف عام 1989 هم الآن حماته الأولون. وهذا ما يعبر عن <اتفاق معراب> بين التيار الوطني الحر أو تيار <لبنان القوي> برئاسة الوزير جبران باسيل، وبين القوات اللبنانية برئاسة الدكتور سمير جعجع.

ففي الأساس قام اتفاق الطائف خريف 1989 نتيجة لحرب الإلغاء التي دارت بين العماد ميشال عون رئيس الحكومة المؤقتة عام 1988 ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع عند أطراف سوق الغرب. وبانبلاج اتفاق الطائف دخل لبنان في مرحلة سلام مع عهد الرئيس الياس الهراوي، بعد استشهاد الرئيس رينيه معوّض يوم عيد الاستقلال في منطقة الصنائع، وأول ما طلبه الياس الهراوي هو فتح أوتوستراد فؤاد شهاب بين منطقة الصنائع والأشرفية، وكان في هذا القرار مخزون من الحكمة. وبسلاح الحكمة نفسه يتصرف الآن الرئيس سعد الحريري الذي ينادي بعشرين ألف فرصة عمل، إشارة الى الوضع الاقتصادي العسير الذي يمر به لبنان. وهكذا نادى رئيس الوزراء يوم الخميس من الأسبوع الماضي في مؤتمر الاقتصاد والأعمال داخل فندق <فينيسيا> وينوي أن يسوق الاقتراح عربياً ودولياً لأن لا منجى للبنان اقتصادياً بدون مثل هذه المبادرة.

ولا يكفي مد اليد اللبنانية الى الخارج، بل ينبغي أن يكون جميع اللبنانيين على قلب واحد، كما كانوا خريف 1989، وبذلك يؤلفون الجبهة الداخلية التي تحمي أية مبادرة اقتصادية.

فهل يملك اللبنانيون القلب الواحد في هذه المرحلة الدقيقة للاقتصاد اللبناني؟!

البطريرك بشارة الراعي أراد أن يكون شيخ الصلح في النزاع القائم على <اتفاق معراب> بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية. وقد ساعده على اتمام هذا الدور مجيء وزير الإعلام ملحم رياشي قطب القوات اللبنانية، والنائب ابراهيم كنعان قطب <التيار الوطني القوي> في سيارة واحدة الى الديمان المقر الصيفي للبطريركية المارونية واستغراق الحديث بين الثلاثة أكثر من ثلاث ساعات.

لقد قام سيد بكركي بمخاطبة الاثنين مسيحياً، وهنا يجب التفريق بين المسيحية والطائفية، وهناك فرق بين الحالتين. فالطائفية تعني تغليب مصالح الطائفة المسيحية على مصالح باقي الطوائف، كما كان الأمر بالنسبة للجبهة اللبنانية عام 1988، حيث طغى الطيف الماروني على غيره من الأطياف. أما المسيحية التي يمثلها سيد بكركي فهي القوة اللبنانية التي لا تقبل أن تذوب في رحاب القوى الوطنية الأخرى. والمنطقة كلها تمر الآن في مطبات أمنية وسياسية، ويبقى لبنان البلد الوحيد الخالص من الشوائب.

 

جبل المسيحيين والدروز

والفرصة مفتوحة أمام لبنان ليكون فعلاً سويسرا الشرق خالياً من هجمات عدم الاستقرار. والدور هنا أولاً وآخراً للمسيحيين، وتعاقب قادتهم. فلولا المسيحيون بانضمام جبلهم ومعه زحلة وشتورة الى الساحل الاسلامي والارثوذكسي لما كان هناك دولة <لبنان الكبير> الذي أعلنه الجنرال <غورو> المندوب السامي الفرنسي صيف 1920 من داخل قصرالصنوبر ومعه أقطاب مسيحيون مثل اميل اده، ويوسف السودا، وحبيب باشا السعد، وانضم إليهم مفتي البلاد الشيخ مصطفى نجا، وامتنع زعيم طرابلس عبد الحميد كرامي عن حضور هذه المناسبة لأنه كان يؤمن بأن مدينته تدعى <طرابلس الشام> والدم واحد مع أهل الشام. وكان على الجانب السوري الممثل في شكري القوتلي ولطفي الحفار وصبري العسلي، أن يعالج موقف عبد الحميد أفندي بكل ما يمثل من معاقل اسلامية، للعدول عن مقاطعة دولة لبنان الكبير، والانضمام الى الركب الجديد الجامع بين الجبل والساحل.

والبطريرك بشارة الراعي يعيش هذه الذكرى التي تهل بالقرن الأول لها في 31 آب (أغسطس) 2020 المقبل، أي تحت سقف عهد الرئيس ميشال عون. والمناسبة ستكون فرصة جديدة لجمع الجبل والساحل في بوتقة جديدة، والجبل، في كل الأحوال، ليس مارونياً بالكامل، كما أشارت بعض الكتب، بل هو معقل الطائفة الدرزية انطلاقاً من المختارة وسيدتها نظيرة جنبلاط، وأمامها آل ارسلان الذين كان منهم أشهر وزير دفاع في تاريخ لبنان هو الأمير مجيد ارسلان، وآل تقي الدين ومعقلهم بعقلين، وقادتهم مثل الشيخ بهيج تقي الدين.

وسوف يكون يوم 31 آب (أغسطس) عام 2020 فرصة للم شمل جميع اللبنانيين، وتقديمهم كمثل عالمي للتعددية الطائفية، والغلبة الوطنية. وهذا ما يحرص عليه الرئيس ميشال عون، فيكون سيف الوطن، لا سيف النصارى فقط كما يرى الدستور.

ويدرك الزعيم الشمالي سليمان فرنجية هذه الأبعاد الوطنية، ويرفض أن يكون جبل لبنان هو المعقل الوحيد للطائفة المسيحية. فالتاريخ ينصف موارنة الشمال بدءاً من زغرتا وبشري وكفرصغاب. وحسب التاريخ أن يذكر ذلك الوفد اللبناني الرسمي الذي توجه الى باريس لإقرار معاهدة النهاية للانتداب الفرنسي للبنان، وكان يضم الرئيس رياض الصلح عام 1946، ولكن حكمة رياض الصلح تمسكت بالأبعاد الوطنية، فكان حميد فرنجية بطلب من رئيس الوزراء رياض الصلح، رئيساً للوفد للتأكيد بأن المسلمين تقدموا كل المواطنين في الخلاص من الانتداب الفرنسي ومن الأهزوجة الشعبية: <فرنسا أم الدنيا عموم اعتزوا يا لبنانيي>!

 

الآتي الأعظم

والمرحلة السياسية الجديدة للبنان بدءاً من هذا الصيف ستكون مرحلة تكريس الوطنية للشعب اللبناني. فالبيت اللبناني، بلغة الجبل، هو الخط التاريخي الذي رسمته للبلد عائلات إده، والسعد وبشارة الخوري، في الجهة المارونية، والخط التاريخي الذي رسمته للبلد عائلات جنبلاط في المختارة، وتقي الدين وحمادة في بعقلين، وآل العريان في راشيا، كما ان تاريخ الجبل شمالاً هو الذي رسمته عائلات حميد فرنجية، وقبلان عيسى الخوري، وآل طربيه، فيما الساحل كان من رسم عبد الحميد كرامي، ومحمد الجسر رئيس مجلس النواب، وراشد المقدم، وهذه الصيغة هي الصورة المثالية للبنان.

ولكن في أي طواحين سياسية تدور المعركة الآن؟

الأمير طلال ارسلان وريث والده الأمير مجيد ارسلان يملك الاعتقاد بأن آل ارسلان هم الركن الركين للطائفة الدرزية، ومن حق هذه الطائفة أن تتمثل بثلاثة وزراء في الحكومة الجديدة، منهم وزير درزي يختاره الأمير طلال ارسلان. وقد وافق الرئيس عون على هذه الصيغة وأبدى استعداد <التيار الوطني القوي> الذي يترأسه الوزير جبران باسيل للتنازل عن حصة وزير واحد لصالح الأمير طلال ارسلان، ولكن وليد جنبلاط ضد اختيار هذه الصيغة، وإن كان الرئيس نبيه بري قد تنازل عن مقعد وزاري لحركة <أمل> لصالح فيصل عمر كرامي في حكومة سابقة، فالأمر مختلف مع الدروز وطريقة تمثيلهم في الحكومات.

فأين أصبح المأزق الآن؟!

الرئيس عون يتمسك بحقيبة وزارية للأمير طلال ارسلان أو من يختار من الدروز. وفريق وليد جنبلاط يعاكس هذا الرأي ويطالب بأن يكون التمثيل الدرزي من داخل الحزب الاشتراكي، والوزير جبران باسيل متمسك بالعدد الوزاري الذي يطلبه للتيار الوطني القوي. وكذلك الدكتور سمير جعجع رئيس القوات اللبنانية الذي يطلب المساواة مع <التيار الوطني القوي> في عدد الوزراء. والبطريرك الراعي نجح في تأليف القلوب بين الوزير ملحم رياشي نيابة عن القوات اللبنانية، والنائب ابراهيم كنعان نيابة عن <التيار الوطني القوي>. والرئيس سعد الحريري ليس وارداً أن يتنازل عن حصة المسلمين السنة في بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع الغربي من خارج <المستقبل>، ولا يقبل أن يشاركه أحد في صلاحياته.

ويظل الرئيس سعد الحريري عصب الموقف، وسيد اللعبة. وهذا ما يتفهمه وليد جنبلاط، ويدركه الوزير جبران باسيل، ويفهمه الدكتور سمير جعجع الذي يتصور بأن البطريرك الراعي قد تفهم موقف القوات اللبنانية، وما تملكه من حق في التمثيل. ويترك الرئيس ميشال عون المعركة للمتصارعين ويعلن حربه على الفساد..

ولكن هل من فساد بدون مفسدين؟

وهل هناك شوائب بدون أسماء؟

حالة ضياع سياسي نتمنى أن يحسن الله خاتمته.