22 October,2017

ثقــــة المواطــــن العربـــــي ببلــــده كفيلــــة بتحقيـــــق أعلــــى مستويــــات النمــــو الاقتصـــــادي!  

بقلم خالد عوض

HARIRI

العالم بدأ يتأقلم مع <دونالد ترامب> مثله مثل الرأي العام الأميركي المعارض له وحتى الصحافة التي ما انفك الرئيس الأميركي عن مشاكستها. الكل أصبح يريد انتظار الأفعال والنتائج بدل الانغلاق في زنزانة الحكم المسبق. ليس ذلك فقط بسبب اقتناع الجميع بأن ظاهرة <ترامب> أصبحت أمراً واقعاً بل لأن الزخم الاقتصادي الموجود حالياً في الولايات المتحدة لم تشهد البلاد مثله منذ ما قبل أزمة ٢٠٠٨ المالية.

هناك ما يشبه الفورة الاقتصادية حالياً عند <العم سام>.

البعض يقول أن ما يحصل ما هو إلا نتيجة لسنوات من التيسير المالي وإنخفاض الفوائد على الدولار ولا علاقة لـ<ترامب> بذلك. وأصحاب هذا الرأي يؤكدون أن الاقتصاد الأميركي أثبت صلابة مميزة ولا يزال المقصد الأول لتدفق المال الخارجي، كما أن التطور التكنولوجي المعلن وغير المعلن يؤكد أن الولايات المتحدة ستبقى المكان الأكثر جاذبية في العالم للاستثمار، يضاف إلى كل هذا عجز الدول النامية عن الاستمرار في النمو وفشل الكثير منها في إعطاء الثقة بأن اقتصادها متين. البرازيل وجنوب أفريقيا وروسيا، وهي أضلع ثلاثة مهمة من <مجموعة البريكس> التي تضم الهند والصين، عانت ولا تزال خلال العامين السابقين اقتصادياً ومالياً، كل دولة لأسباب مختلفة، مما افقد أي حماسة استثمارية فيها. الصين اقرت أن النمو الاقتصادي سيهبط إلى ٦ بالمئة وهذا لا يزال مستوى جيداً ولكن المستثمرين ينظرون إليه كتراجع. تبقى الهند الدولة الوحيدة في <البريكس> التي تمكنت من المحافظة على نموها وجذب الاستثمارات بقوة خلال العامين السابقين.

في المقابل، هناك رأي اقتصادي مخالف لكل هذا التحليل يقول أن الزخم الذي تشهده الولايات المتحدة ناتج عن ثقة الاقتصاد بـ<ترامب>، فما يسميه العالم <بهلوانيات> هو في الحقيقة خضة <للسيستم> كله وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية حسب أجندة المستهلك الأميركي وليس مراكز القوى. الاقتصاد في الولايات المتحدة قائم على المستهلك، ومجموع ما ينفقه الأميركي يساوي حوالى ٧٠ بالمئة من كل اكلاف الاقتصاد، Tوعندما تعود الثقة بالاقتصاد عند المستهلك إلى مستواها رغم الدين العام الكبير والعجز الخطير في الموازنة، ساعتئذٍ يعود النمو الحقيقي إلى البلد.

ويبقى السؤال: لماذا يثق الأميركيون اليوم برئيس يتصرف كالمهرجين وتحوم حوله عدة شبهات؟ الجواب الظاهر اليوم أن انعدام الثقة بالمؤسسة السياسية في <واشنطن> وتركيز <ترامب> على نيته احداث تغيير عميق لمصلحة المستهلك الأميركي ما يبعث بالثقة وليس شخص <ترامب>، وهذا ما يشجع الأميركيين اليوم على الاستدانة وشراء البيوت والسيارات والاستثمار في البورصة وزيادة إنفاقهم الشخصي… هذا ما يدفع الشركات التي ستستفيد من تخفيض كبير في الضرائب إلى التفاؤل بمستقبل الولايات المتحدة والى الاستثمار فيها. <ترامب> أعلن محاربة فساد مستشرٍ في واشنطن فقال له الأميركيون: نحن معك.

تبقى النتائج لكل ذلك، فهل يستطيع <ترامب> أن يحقق التغيير الذي يتحدث عنه ويحسن الاقتصاد فعليا أم أن ما يحصل اليوم هو نشوة اقتصادية فيها زخم كبير من التفاؤل ولكنها لن تتأخر عن مواجهة الواقع المالي الصعب للولايات المتحدة؟

ما يحصل اليوم من فورة في الولايات المتحدة يؤكد إلى حد كبير أنه لو تمكن الرؤساء العرب من تعزيز ثقة مواطنيهم بمستقبل بلادهم لكان الحال الاقتصادي في معظم الدول العربية مختلفاً عما هو عليه اليوم.

منذ أيام وعد رئيس الحكومة سعد الحريري اللبنانيين بتحقيق نمو كبير هذه السنة وأنه سيكسر حلقة الجمود التي رافقت الاقتصاد اللبناني على مدى ٦ سنوات، ولا شك أن نية رئيس الحكومة تحقيق نمو قيـــــاسي عام ٢٠١٧ هي جديـــــة، ولكن لا بـــد أولا من مرحلة إستعادة الثقــــــة. وما نـــــراه كل يـــــوم في مسألة قانــــــون الانتخــــــابات وحتى في كيفية معالجة الموازنة يؤكد أن الجميع يحاول إبقاء <السيستم> على ما هو عليه، أي المحاصصة والمناتشات الطائفية وتغطية الفساد بأشكاله. الثقة بالطاقم السياسي في الحضيض والأداء الوزاري والنيابي لا يبشر بتغيير. لذلك لا بد لرئيس الحكومة من مصارحة الناس أولا إذا كان يريد فعلاً إخراج الاقتصاد من القمقم: النظام السياسي كما هو اليوم، والأداء السلطوي الحالي لن يحدثا التغيير الذي ينعكس نمواً مستداماً. والحل الحقيقي، ولو بقي ضرباً من الخيال، هو في أن يعلن الرئيس الحريري استعداده للعزوف عن الترشح للانتخابات بشرط أن يعزف كل أمراء الحرب وأتباعهم عن ذلك، أي ألا يترشح أي من الذين مارسوا السلطة خلال الأربعين عاما الماضية.

لو حصل ذلك، لما همّ بعد ذلك قانون الانتخاب ولكان البلد في طريق اقتصادي مختلف تماماً عن مسار اليوم الذي – وبالإذن من رئيس الحكومة – لن يفضي إلى النمو الذي يحلم به.