22 September,2018

”تيليرسون“ حمل معه الى بيروت ”عصا وجزرة“... حرب على حزب الله وإيران... ودعم للجيش و”مستقبل لبنان الزاهر“!

عون-تيلرسونبين زيارة وزير الخارجية الأميركية <ريكس تيليرسون> لبيروت، وزيارة مساعده لشؤون الشرق الأدنى السفير <ديفيد ساترفيلد> مسافة زمنية قصيرة لم تختلف فيها الرسالة الأميركية الى لبنان وإن كان الأسلوب مختلفاً… فالوزير <تيليرسون> كان أكثر ديبلوماسية من السفير <ساترفيلد> في تمرير ما تريده الولايات المتحدة الأميركية من لبنان، في حين كان <ساترفيلد> جافاً في عباراته على رغم أنه سبق له أن خدم سفيراً لبلاده في بيروت ويعرف أن طريقة التعاطي مع اللبنانيين، مسؤولين وسياسيين، يفترض أن تكون أكثر واقعية وهدوءاً وموضوعية.

وإذا كان الوزير <تيليرسون> قد اختار كلمات هادئة نسبياً فإن ذلك لم يلغِ مضمون الرسالة الأميركية التي تُختصر بطلبين: الأول إنهاء دور حزب الله السياسي والعسكري على حد سواء، والثاني منع تمدد النفوذ الايراني في لبنان، وبين الطلبين عبارات الدعم المشروط، والإشادة بالجيش والقوى الأمنية اللبنانية، وضرورة <تسهيل> مهمة المستثمرين الأميركيين والأجانب من خلال إزالة العوائق من أمامهم المتمثلة بوجود حزب الله وايران كلاعبين أساسيين على الساحة اللبنانية. صحيح أن <تيليرسون> لم يقل بوضوح كيف تريد بلاده <إزالة> دور حزب الله وهو المشارك في مجلس النواب ومجلس الوزراء والحياة السياسية اللبنانية، لكن الصحيح أيضاً أن وزير الخارجية الأميركية أكثر من الحديث عن <ترسانة> الحزب المسلحة داخل لبنان وتمدّده الى خارجه ممرراً بطريقة ديبلوماسية ذاك السؤال: كيف يمكن للولايات المتحدة والدول الصديقة للبنان أن تساعده وتستثمر فيه طالما هناك سلاح خارج نطاق الدولة وسلطة القانون، مع ما يسببه ذلك من قلق للشركات واستفزاز للدول التي لا تريد سلاحاً على الأرض اللبنانية غير سلاح الدولة؟!

ولأن الولايات المتحدة راغبة في دعم لبنان ومساعدة الجيش <الذي نراهن عليه> لبسط سلطة الدولة، فإن <تيليرسون> لم يكتفِ بالإعراب عن الرغبة الأميركية في قيام الدولة القوية والقادرة، فهو دعا الى <خطوات عملية ظاهرة وملموسة> تتخذها الحكومة اللبنانية في ما خص سلاح حزب الله <وأن يكون رفضها واضحاً لهذا السلاح>، مع تجميد كامل لأنشطة حزب الله. ولأن الشيء بالشيء يُذكر فقد كان كلام <تيليرسون> عن ضرورة التزام الحكومة سياسة النأي بالنفس سياسياً ورفض أي سلاح غير سلاح الدولة عسكرياً. وبطريقة مباشرة لا لبس فيها قال <تيليرسون> ما سبق أن قاله <ساترفيلد> من أن نجاح مؤتمرات دعم لبنان المقرر عقدها في روما وباريس وبروكسل يتوقف على توجيه رسالة <إيجابية> الى المجتمع الدولي من أن المساعدات التي ستصله من دول العالم لن تستفيد منها ايران، وقال بوضوح أكثر: ماذا يستفيد لبنان من ايران إذا ما قورن بما يمكن أن يستفيد منه من المجتمع الدولي؟!

ماذا عن مصانع الصواريخ؟

 

ووسط اصغاء رسمي لبناني حتى ينتهي <تيليرسون> من تعداد <طلباته> أدرك الضيف الأميركي أنه يبالغ بعض الشيء في عدم تقدير الوضع اللبناني، ما جعله يسارع الى القول بأنه مدرك أن قضية سلاح حزب الله مليئة بالتحديات وشاقة، لكن الولايات المتحدة ترى أن حسم هذا الموضوع من قبل لبنان يحقق تقدماً وازدهاراً، وبقاءه من دون حسم يعيقهما! وبعد مضبطة الاتهام الأميركية بحق حزب الله، جاء دور إيران، إذ أبلغ <تيليرسون> محدثيه اللبنانيين أن بلاده <قلقة> ايضاً من نشاط ايران في لبنان وسوريا ودعمها لحزب الله وهي <تراهن> عليه لبسط نفوذها في المنطقة، وهذا ما يتطلب معالجة سريعة أيضاً.

ومن فصول <التوجيهات> الأميركية ايضاً للمسؤولين اللبنانيين التي قالها <تيليرسون> بديبلوماسية خاصة به، ما سماه <شعور اسرائيل بالتهديد ليس من الجيش اللبناني وإنما من قوات حزب الله داخل لبنان>، فكانت ايضاً دعوة اميركية الى ضرورة وقف <هذه الذراع الطويلة> التي تمتد من داخل لبنان الى اسرائيل. أما المسألة الأخطر التي ظلت من دون تأكيد، فهي ما رددته مصادر اعلامية عن إثارة الضيف الأميركي لما سماه <وجود مصانع الصواريخ> الايرانية في الجنوب، إلا أن مصادر رسمية لم تؤكد هذه المعلومات التي تواترت بقوة قبل زيارة <ساترفيلد> حتى أصبحت مادة للنقاش مع <تيليرسون> الذي أجاد لعبة <العصا والجزرة>، فهو كان يورد ملاحظاته ضد حزب الله، ثم يعود ويذكّر أن بلاده تريد أن يكون مستقبل لبنان زاهراً، ثم من جديد يورد سلسلة <مخاطر> يشكلها وجود حزب الله وفائض القوة الذي يملكه…

المطلعون على زيارة <تيليرسون> يقولون بأن المسؤولين اللبنانيين أسمعوه أجوبة عن كل النقاط التي أثارها بما في ذلك دور حزب الله وسلاحه خلاصتها أن مسألة السلاح الذي يصفه <تيليرسون> بـ<غير الشرعي> تنتهي عملياً بانتهاء أسباب وجود هذا السلاح، لاسيما من خلال وقف الاعتداءات الاسرائيلية والتهديدات الدورية بـ<احراق> لبنان وتدمير بناه التحتية، أو من خلال إيجاد حل عادل لأزمة الشرق الأوسط، وإنهاء الحرب السورية بحل سياسي يعيد الأمن والاستقرار ويسحب جميع المتورطين في هذه الحرب، عن حق أو عن غير حق. وكان لافتاً كلام قاله الرئيس عون للمسؤول الكبير بأن من حق أبناء المناطق الجنوبية أن يقلقوا هم أيضاً – كما تقلق اسرائيل – من التهديدات المتواصلة ضدهم، لاسيما وأن ذكرياتهم عن الحروب الاسرائيلية التي دمّرت مدنهم وقراهم لا تزال حية في أذهانهم وعقولهم منذ 1993 وصولاً الى العام 2006، إضافة الى أن قرار مجلس الأمن الدولي 1701 الذي يلتزم لبنان كل مندرجاته لا يزال في مرحلته الأولى أي وقف <الأعمال العدائية> ولم يرتقِ بعد الى مصاف وقف إطلاق النار. أكثر من ذلك قال الرئيس عون ومعه الرئيس بري والرئيس الحريري إن لبنان ليس في وارد الاعتداء على اسرائيل وهو يلتزم ذلك منذ شهر آب/ أغسطس 2006 مع صدور القرار 1701، في حين ان اسرائيل هي المعتدية دائماً والتي لا تحترم حرمة الحدود الدولية، لا في البر أو في البحر أو الجو، وهي طالما استعملت الأجواء اللبنانية لتقصف مناطق سورية لاسيما خلال الأعوام الثلاثة الماضية، من دون أن تسفر الشكاوى اللبنانية الى مجلس الأمن عن اي نتيجة. وكما طلب <تيليرسون> مساعدة لبنان لإنهاء <الخطر> الذي يمثله حزب الله، كذلك دعا لبنان <تيليرسون> الى المساعدة لإنهاء <الأخطار> التي تمثلها اسرائيل والتي تؤكد من خلال اعتداءاتها الدائمة أن سياستها العدوانية مستمرة حتى إشعار آخر.

مفاوضات حول الحدود البرية والبحرية

ريكس-تيلرسون-نبيه-بري

ولاحظ متتبعو مسار محادثات <تيليرسون> في بيروت أن الملف الثاني الذي ركز عليه رئيس الديبلوماسية الأميركية، كان ملف الحدود البرية والبحرية المرتبط ببناء جدار إسمنتي على طول الحدود الجنوبية يخشى لبنان أن يتجاوز النقاط الـ13 المتنازع عليها على <الخط الأزرق>، ومن ادعاءات اسرائيل ملكية أجزاء من الرقعة (البلوك9) من المنطقة الاقتصادية الخالصة في الحدود البحرية. مرّ <تيليرسون> سريعاً – يقول متتبعو زيارته – على الحدود البرية و<الخط الأزرق> وهي سرعة أظهرته وكأنه مطمئن لامكانية الوصول الى حل في شأنها، في حين بدا أكثر اهتماماً بالحدود البحرية إذ جدد قول ما كان أعلنه مساعده لشؤون الشرق الأدنى السفير <ساترفيلد> عن ضرورة الموافقة على الخط الذي اقترحه المبعوث الأميركي السابق <فريديرك هوف> والذي يوزّع <البلوك9> بنسبة 60 بالمئة للبنان و40 بالمئة لإسرائيل. لم يظهر <تيليرسون> تمسكاً شديداً بـ<خط هوف> لكنه وصف العرض الذي كان <ساترفيلد> قد قدمه للبنان وفق ترسيم <هوف> بأنه <طيب> ويشكل <مكسباً> للبنان وأن <التسوية> حول هذا <البلوك> هي لمصلحة لبنان، متمنياً استمرار البحث للوصول الى <حلحلة> في شأنه، لأن مثل هذه <الحلحلة> تنعكس إيجاباً على الحدود البرية. وهنا تنبّه المسؤولون اللبنانيون الى ما كانوا سمعوه من المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم الذي رافق <ساترفيلد> في جولته الميدانية على <الخط الأزرق> من أن اسرائيل <تعطي> للبنان في البر مقابل ما يمكن أن تأخذه في البحر. ولما أبدى الجانب اللبناني تمسكه بملكية كامل <البلوك9> مع الاستعداد للبحث في التفاصيل ومناقشتها، أوحى <تيليرسون> بأن استمرار النزاع حول <البلوك9> لا يشجع المستثمرين والشركات الأميركية على توظيف استثماراتهم في لبنان، في حين أن <التسوية> المعروضة تجعل هؤلاء يقبلون على المساهمة <في جعل مستقبل لبنان زاهراً>. وظلت عبارة الرئيس عون بأن لبنان <لن يألو جهداً> للوصول الى حل لمسألة <الخط الأبيض> (الملف البحري) يتردد صداها لدى <تيليرسون> و<ساترفيلد> على حد سواء، خصوصاً أنهما أصغيا الى اقتراحات لبنانية تبقي التفاوض قائماً، ومنها تكليف اللجنة الثلاثية العسكرية اللبنانية والدولية والاسرائيلية بعد الاستعانة بخبراء من البلدين ومن الولايات المتحدة الأميركية، التفاوض حول هذه المسألة مع التزام مسبق بنتائج المفاوضات، وكذلك إمكانية اللجوء الى التحكيم الدولي (الذي يعتبر لبنان أن نتائجه ستكون لمصلحته)، أو إعادة ترسيم الحدود البحرية التي وقع فيها الإشكال عندما رُسمت بين اسرائيل وقبرص وسوريا من دون مشاركة لبنان في هذه العملية. ولعل هذه المقترحات كانت تلك التي حملها السفير <ساترفيلد> بتكليف من <تيليرسون> الى الجانب الاسرائيلي يوم الأحد الماضي للبحث فيها، وتردد أن اقتراحاً رابعاً أضيف الى الاقتراحات السابقة يقضي باللجوء الى خرائط قديمة تحتفظ بها الخزائن البريطانية وتظهر بوضوح حدود لبنان البرية والبحرية منذ ما قبل استحداث دولة اسرائيل برعاية بريطانية آنذاك، ذلك أن الجهة التي تولت تحديد الحدود البرية والبحرية مع الأراضي الفلسطينية التي غدت لاحقاً أراضي محتلة من اسرائيل، كانت بريطانيا العظمى!

 

اسرائيل تناور

في أي حال، سمع الوزير <تيليرسون> في زيارته لبيروت كلاماً لبنانياً واحداً حيال المواضيع التي أثارها، ذلك أن الرئيس عون كان واضحاً في تحديد الموقف اللبناني الموحد، وكذلك الرئيس بري الذي استذكر مراحل مهمة للموفد <هوف> ومن بعده الموفد <آموس هوكشتاين>، وأيضاً الرئيس الحريري الذي مال الى خيار إعادة الترسيم على قاعدة <Equidistance> بدلاً من قاعدة الـ <Perpendiculaire> التي لم تعتمد إلا في ترسيم الحدود مع الأراضي المحتلة. وقد يكون من المبكر القول إن اسرائيل ستتجاوب مع الاقتراحات اللبنانية بسرعة، بل هي ستعتمد أسلوب <مطّ> النقاش والمفاوضات قدر ما تستطيع وهي تراهن دائماً على أن الوقت كفيل بتبديل المواقف أو تليينها، إلا أن حسابات اسرائيل هذه المرة لن تصح لأن الموقف اللبناني بالتمسك بالحدود الدولية البرية والبحرية لن يتبدل مهما كانت العروض <مغرية> والتهديدات قوية و<النصائح> الأميركية بقبول <خط هوف> مستمرة.

ويؤكد المطلعون أن الوزير <تيليرسون> بدا في مرحلة من محادثاته في بيروت أكثر تفهماً مما كان عليه السفير <ساترفيلد>، إلا أن <تفهم> <تيليرسون> ينتهي مفعوله عندما تكون مصلحة اسرائيل على المحك، لأن الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> ليس في وارد إغضاب الدولة العبرية ومعها اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة، في وقت تتعرّض إدارته للخلل الدائم مع تزايد الحملات ضده الى درجة اتهامه بعدم القدرة على ممارسة دوره كرئيس أكبر دولة وأهمها في العالم!