22 September,2018

تمسك الحريري باستقالته لا يعني أن عون سوف يقبلها قبل الاتفاق على حكومة جديدة والموقف من سلاح حزب الله!

حسن-نصراللهبين السبت 4 تشرين الثاني/ نوفمبر تاريخ إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري استقالته من الرياض، والسبت 18 من الشهر نفسه تاريخ مغادرة الرئيس الحريري الرياض الى باريس بوساطة فرنسية تجاوبت مع رغبة رئاسية لبنانية في المساعدة بجلاء الغموض الذي اكتنف إقامة الرئيس الحريري في المملكة العربية السعودية… بين هذين <السبتين> طرأت أحداث كثيرة رسمت معالم المرحلة المقبلة من تاريخ لبنان ووضعت التسوية التي أنتجت انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وتكليف الرئيس الحريري تشكيل الحكومة الأولى في العهد الرئاسي الجديد، أمام امتحان جديد، كما وضعت العلاقات بين الأطراف اللبنانيين في مواجهة استحقاقات لا بد من حسمها قبل حلول الانتخابات النيابية في الربيع المقبل وتظهير التحالفات التي ستلعب دوراً أساسياً في تركيبة المجلس النيابي العتيد، وتحدد بالتالي حجم الأكثرية الجديدة وقدرة المعارضة المستجدة على التأثير على مجرى الأحداث السياسية.

إلا أن ما سوف يميز المرحلة المقبلة من تاريخ لبنان، وفق مصادر متابعة، هو عودة تأثير الخارج على الواقع السياسي الداخلي، بعدما كانت الحياة السياسية اللبنانية قد استعادت بعض استقلاليتها منذ انتخاب الرئيس عون في نهاية شهر تشرين الاول/ اكتوبر 2016، وهذا التأثير لن يكون من طرف واحد بل من ثلاثة أطراف: الأول عربي والثاني اقليمي والثالث دولي، ما يعني أن التقاء الاطراف الثلاثة على أمر سوف يساعد في إيجاد الحلول المناسبة، وابتعاد هذه الأطراف عن بعضها سوف يعني تعثر هذه الحلول وبقاء لبنان في دوامة الانتظار.

وترى المصادر نفسها أن <التسوية> التي أمّنت خروج الرئيس الحريري مع زوجته السيدة لارا من الرياض الى باريس والتي رعاها ونفذها الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون>، ما كانت لتتم لولا توافر ارادة دولية جامعة حظيت برضى أميركي وبدعم أوروبي وتأثير عربي، ما وضع حداً للغموض الذي رافق وجود الرئيس الحريري في الرياض مع تزايد الشائعات وكثرة الاقاويل وتسريب المعلومات. غير أن هذه الإرادة الدولية التي أفرزت حلاً مشروطاً ينتظر أن تتبلور معالمه بعدما عاد الرئيس الحريري الى بيروت مع حلول عيد الاستقلال بعد محطة في القاهرة، جعلت المجتمع الدولي يعيد بسط مظلته على لبنان بعدما كان انكفأ لفترة أو خفت <حماسته> لرعاية الشأن اللبناني، الأمر الذي جعل القيادة السعودية <تتجاوب> مع الرغبة الدولية التي ظهرت فـ<سهّلت> خروج الرئيس الحريري الى باريس ليكون في منزله الباريسي وتحت رعاية الرئيس <ماكرون> الذي استقبله مع زوجته ونجله الأكبر بحفاوة لا مثيل لها شاركته فيها زوجته التي باتت تحمل لقب <سيدة فرنسا الأولى>.

الوساطة الفرنسية… وما سمعه السبهان!

وفيما تستعد باريس للعب دور متجدد في الوساطة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية، فإن المصادر المتابعة تجزم بأن كل المعطيات تدل على أن تلاقي وجهات النظر بين فرنسا (وما تمثله من مجتمع دولي) والسعودية وإيران حول صيغ للحلول من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الوضع اللبناني الذي دخل مجدداً في مدار الخلافات الاقليمية والمواجهات التي يصفها ديبلوماسي مخضرم بأنها <حرب باردة> جديدة تغير المشاركون فيها. وبقدر ما تتحقق انفراجات في العلاقات السعودية – الايرانية من خلال المبادرة الفرنسية، فإنه وبالقدر نفسه يمكن أن يتحقق التقدم على الساحة اللبنانية ولو على مراحل. وقد استطاعت السعودية أن توفر لنفسها غطاء لموقفها من الصراع مع ايران، وذلك من خلال القرار الذي صدر عن الاجتماع الاستثنائي لمجلس وزراء خارجية الدول العربية، يوازي الغطاء المتوافر لتحرك باريس من الدول الكبرى والصديقة، في مقابل حيازة ايران على دعم محور الممانعة بدءاً من سوريا وصولاً الى روسيا والصين وغيرها من الدول التي لا تريد للنفوذين الأميركي والأوروبي أن يحتكرا الزعامة والحضور والدور في العالم العربي.

وتقول المصادر المتابعة ان الولايات المتحدة الاميركية لم تضع كل ثقلها في معالجة الأزمة التي نشأت بعد استقالة الرئيس الحريري بل أوكلت هذه المهمة الى فرنسا التي وفرت لها معطيات خلاصتها ان التصعيد في لبنان والمنطقة وإمكانية تحوّله الى حرب، مسألة خطيرة ودقيقة، ما جعل الرئيس <ماكرون> يؤكد لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائهما في مطار الرياض الأسبوع الماضي، أهمية استقرار لبنان وأمنه إذ إن المسؤولين الفرنسيين يرون خطورة في قيام لاعبين في المنطقة بتحركات عسكرية. وهذا الأمر أعاد التأكيد عليه وزير الخارجية الفرنسي <جان ايف لودريان> الذي نقل الى المسؤولين السعوديين مخاوف الرئيس <ماكرون> ورغبته في الوصول الى حل سريع لوضع الرئيس الحريري أولاً، ثم للملف الذي فتحته الاستقالة ثانياً من دون أن يهتز الاستقرار الأمني الذي يعيشه لبنان راهناً. وهذا الأمر سمعه أيضاً الوزير السعودي ثامر السبهان خلال لقاءاته في واشنطن حيث أكد من التقاهم من المسؤولين الاميركيين على أن الوضع الراهن في لبنان مع وجود أكثر من مليون و600 ألف نازح سوري ونحو 400 ألف لاجئ فلسطيني، لا يسمح بأي هزة سياسية كبيرة يمكن أن تؤدي الى مفاعيل أمنية.

وتتحدث المصادر المتابعة أن الوزير السبهان لم يكن يتوقع ردة الفعل الاميركية غير المشجعة لاستمرار الغموض في حالة الرئيس الحريري، خصوصاً أنه كان يتحدث عن وجود <جناحين> في الإدارة الأميركية: الأول متمركز في البيت الأبيض ويديره مستشار الأمن القومي الجنرال <هربرت ماك ماستر> الذي يدعو الى التهدئة وعدم الضغط لإيجاد الحل، والثاني يقوده <جاريد كوشنير> صهر الرئيس <دونالد ترامب> الذي يشجع على ضرب حزب الله، أما في الخارجية الأميركية فالحديث مختلف ولغة التهدئة أقوى، وهذا ما لمسه السبهان خلال لقاءاته التي لم تحقق على ما يبدو ما كان يتوقعه في مقاربة الأزمة التي نشأت عن إعلان الرئيس الحريري استقالته. وتؤكد المصادر نفسها أن واشنطن أبلغت الجانب السعودي ضرورة <معالجة> وضع الرئيس الحريري بسرعة على أن يتم فصل هذا الأمر عن الموقف من حزب الله وايران، لأن الرئيس الحريري لم يخطئ في سياسته لأنه سعى منذ عودته الى رئاسة الحكومة الى <احترام> التسوية التي أنتجت رئيساً للجمهورية وحكومة برئاسته، وانه تصرّف بحكمة في مواجهة التطوّرات، وليس صحيحاً ما تم تسريبه عن <عجز> الرئيس الحريري عن ضبط قواعد <التسوية> لأنه – كما قال أحد المسؤولين الخليجيين – قام بتسوية مع الطرف الآخر على رغم أنه لم تكن له الإمكانات لذلك. وفي المعلومات ايضاً أن واشنطن ترى أن الرئيس الحريري التزم مع الرئيس عون التسوية حتى الدقيقة الأخيرة، وان <الآخرين> هم من خرجوا عنها وتمادوا، لذلك ليس من المنطقي التعامل مع رئيس الحكومة على هذا النحو.

 

الشق اللبناني… مأزوم!

 

في أي حال، نجحت الوساطة الفرنسية المغطاة أوروبياً وأميركياً، والممهد لها من الرئاسة اللبنانية، وغادر الرئيس الحريري الرياض الى باريس ومنها الى القاهرة ثم بيروت مع حلول عيد الاستقلال، ليحمل معه البُعد اللبناني من الازمة التي نتجت عن إعلانه الاستقالة، وهو مصير هذه الاستقالة غير المقبولة رسمياً، ومستقبل <التسوية> التي اهتزت بقوة من جهة، والعلاقة مع حزب الله من جهة ثانية. فالبنسبة الى الشق الأول، أي الاستقالة التي قال الرئيس الحريري وهو يغادر قصر <الاليزيه> انه متمسك بها، فإنها لم تلقَ دعماً داخلياً ودولياً على حد سواء، فالقيادات السياسية التي هي على خصومة مع الرئيس الحريري كانت أول من نادى بضرورة رفض الاستقالة وعودته عنها، وفي حال الإصرار عليها فإن إعادة تكليفه تشكيل الحكومة الجديدة هو الخيار الأمثل، أما إذا رفض فهو مدعو الى تسمية خليفته لتتبناه الكتل السياسية وتقترحه على رئيس الجمهورية. إلا أن المعلومات المتوافرة لدى <الأفكار> تؤكد على أن تقديم الرئيس الحريري استقالته في قصر بعبدا وفقاً للقواعد والأصول المعتمدة قد لا يعني بالنسبة الى الرئيس عون، المسارعة الى إعلان قبولها والشروع بإجراء استشارات نيابية ملزمة لتسمية الرئيس المكلف العتيد، ذلك أن لا نص دستورياً يلزم رئيس الجمهورية بإعلان قبوله الاستقالة ضمن مهلة زمنية محددة، ما يعني – في حال اعتمد الرئيس عون هذا الخيار – ان مصير الحكومة لن يكون في يد رئيسها فقط، بل ان لرئيس الجمهورية الكلمة الأولى والأخيرة لبت موضوع الاستقالة، وفي ذلك قراءة رئاسية جديدة للمادة 53 من الدستور التي تعطي رئيس الجمهورية منفرداً حق توقيع مراسيم قبول الاستقالة أو اعتبارها مستقيلة.

حكمة عون… وموقف نصر الله

hariri-macron

وتقول مصادر مطلعة ان عدم مسارعة الرئيس عون الى قبول الاستقالة بعدما تبلغها من محطة <العربية> وانتظار عودته ليبني على الشيء مقتضاه، قد جنّب البلاد أزمة سياسية كبيرة تبدأ من مسألة التوقيع وتتوسع الى زواريب كثيرة. ومن هنا فإن التريث في إعلان الموقف بعد عودة الرئيس الحريري له المفعول نفسه من الحرص الرئاسي على عدم إدخال البلاد في مرحلة تصريف الأعمال مع ما يعنيه ذلك من تداعيات على عمل المؤسسات والإدارات العامة، وغير ذلك من الأسباب التي يمكن أن تنشأ. وبذلك يكون الرئيس عون قد جنّب البلاد أزمتين حادتين في أقل من 20 يوماً، مرة عندما تريث في بت <الاستقالة المتلفزة>، ومرة عند تقديمها رسمياً – إذا كان سوف يعتمد هذا الخيار – تفادياً لإغراق البلاد في حالة من الفراغ. وثمة من يرى – وفق مصادر مطلعة – ان بإمكان الرئيس عون ربط قبوله الاستقالة بالاتفاق سلفاً على الحكومة العتيدة رئيساً وأعضاء لئلا يتسبب قبول الاستقالة بأزمة حكم مع تعذر تشكيل حكومة جديدة لألف سبب وسبب، خصوصاً أن تشكيل الحكومات لم يعد بالأمر السهل في لبنان في ظل غياب الوصاية، فكل فريق يريد أن تكون له حصة الأسد من خلال عدد الحقائب ونوعيتها، إضافة الى مطالب <تعجيزية> يخشى أن تظهر من جديد. لذلك فإن المصادر نفسها تقول بأن الرئيس عون يحتفظ بورقة القبول أو الرفض أو التريث ريثما يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

أما بالنسبة الى الشق الثاني، وهو المتعلق بمستقبل العلاقة مع حزب الله في إطار التسوية المعلنة سابقاً، فإن المهمة قد تكون صعبة إذا ما اقتضت التسوية <تحجيم> دور حزب الله كما روّج البعض لأنه إذذاك سيكون من المتعذر إيجاد من يقبل بتولي المهمة سواء كان رئيساً للحكومة أو حتى وزيراً، لاسيما وأن الشروط التي تتردد من حين الى آخر لا يمكن لقيادة المقاومة القبول بها في الوقت الراهن على الأقل، ومنها خروج مقاتلي حزب الله من سوريا والعراق ووقف دعم الحوثيين في اليمن والمباشرة بدرس مستقبل سلاح الحزب. وعليه فإن المصادر المتابعة ترى استحالة في تلبية الشروط المرتبطة باستقالة الرئيس الحريري أو بعودته عنها، ما يعني ان البلاد ستكون أمام مشهد يقوم على حكومة أعلن رئيسها الاستقالة ولم يبت رئيس الجمهورية بها، ما يعني عملياً تعذر الاتفاق الداخلي على الحل أو على تعديل أسس <التسوية>، الأمر الذي يضع الأزمة رهن توصل فرنسا وايران والسعودية الى تفاهمات حول عدد من القضايا العالقة تنعكس ايجاباً على الوضع الداخلي. بكلام آخر، لا حلول للأزمة الداخلية في مدى قريب ما لم تتحلحل اقليمياً وتحديداً بين الرياض وطهران لأنهما تتصارعان ايضاً على الساحة اللبنانية من خلال حلفاء الرياض من جهة وحلفاء طهران من جهة أخرى، وفي مقدمة هؤلاء حزب الله الذي بدا أمينه العام السيد حسن نصر الله في إطلالته الإعلامية مساء الاثنين الماضي، حاضراً للرد سلفاً بالرفض على الشروط التي تم تسريبها، موحياً بأن قرار الانسحاب من العراق اتخذ بعد تحرير المدن العراقية الكبيرة من الإرهابيين وان التنفيذ العملي يحتاج الى بعض الوقت، في حين ان المشاركة في الحرب في سوريا تنتهي مع التوصل الى إخراج الارهابيين من الاراضي السورية على غرار ما حصل في العراق، أما بالنسبة الى اليمن فقد كان السيد نصر الله واضحاً لجهة القول بأن لا وجود لمقاتلين من حزب الله في أي من المدن اليمنية.

وتتحدث مصادر مطلعة عن <سقف> وضعه السيد نصر الله قبيل انطلاق مفاوضات ما بعد عودة الرئيس الحريري الى بيروت ومشاركته في العرض العسكري لمناسبة الذكرى الـ74 للاستقلال، وبالتالي فإن تجاوز السقف غير ممكن بإرادة محلية، ما يعني أنه يجب انتظار مسار المفاوضات الفرنسية – السعودية – الايرانية المغطاة اميركياً وأوروبياً.