20 October,2018

تل أبيب تشن ”حروباً“ إعلامية ونفسية لا عسكرية لإرباك المقاومة وإيران... وإشغال الداخل الاسرائيلي!

 

بين التهديدات التي أطلقها رئيس وزراء اسرائيل <بنيامين نتانياهو> من على منبر الأمم المتحدة، و<التغريدات> التي يكثر منها الناطق باسم الجيش الاسرائيلي <افيخاي ادرعي>، والتي تتمحور كلها حول وجود مخازن صواريخ لحزب الله متاخمة لمطار رفيق الحريري الدولي والذي أتى التحرك الذي قام به وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل لدحضه… بين كل ذلك التصعيد الاسرائيلي الإعلامي وردود الفعل اللبنانية عليه، ثمة من يؤكد ان الادعاءات الاسرائيلية التي باتت موسمية، لا تتعدى كونها <بالونات اختبار> لمعرفة ردود الفعل، ولرصد ما يمكن أن يقوم به حزب الله من تصرفات تجعله من جديد في مواجهة مباشرة أكثر حدة مع المجتمع الدولي، ومع من يطالب بعزله وتجريده من سلاحه وتحجيمه والحد من قدراته السياسية والعسكرية، إضافة الى ما تسببه مثل هذه الحملات من ضرر مادي للبنان الذي يعاني من أزمة اقتصادية حادة يمكن أن تتضاعف إذا ما لامست الأخطار القطاع الاقتصادي لاسيما في شقه الاستثماري.

مواجهة الادعاءات الاسرائيلية لم تتأخر لبنانياً، فكان التحرك الديبلوماسي الذي تنقّل بين قصر بعبدا ووزارة الخارجية، وكانت لقاءات ديبلوماسية ومواقف حذرت رئيس وزراء العدو من أي مغامرة ضد لبنان، وترافق كل ذلك مع موقف لافت لوزير الخارجية الروسي <سيرغي لافروف> نبه فيه الى خطورة أي عمل عسكري يمكن أن ترتكبه اسرائيل ضد لبنان في إشارة روسية واضحة الى ان الاستقرار اللبناني والهدوء على الجبهة الجنوبية باتا من ضمن الاهتمامات الروسية وفق الاستراتيجية التي قررت موسكو اعتمادها حيال ما يجري في سوريا ودول الجوار، لاسيما لبنان والأردن والعراق. وفي هذا السياق، أكدت مصادر ديبلوماسية ان كلام <لافروف>، وهو الأول من نوعه، يكتسب أهمية، لا من حيث الزمان فحسب، بل كذلك من حيث المكان، ذلك ان القوات العسكرية الروسية بطائراتها وصواريخها ودفاعاتها الجوية لم تعد بعيدة من لبنان كما كانت في الحروب الاسرائيلية السابقة، وهي تغطي رادارياً الأراضي اللبنانية كافة، امتداداً الى معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط القريبة من الشاطئين اللبناني والسوري.ولعل الدعم الروسي الذي عبر عنه <لافروف> <أنعش> الديبلوماسية اللبنانية فكانت النبرة العالية التي استعملها الوزير باسيل في جولته في المطار وفي ملعب العهد في الضاحية الجنوبية، والتي ترافقت أيضاً بعبارات رددها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أمام ديبلوماسيين عرب وأجانب تعليقاً على التهديدات الاسرائيلية المتجددة.

حزب الله يتجاهل!

 

في المقابل قرأت قيادة حزب الله الكلام الاسرائيلي <التحريضي> بهدوء لامس الصمت، وببرودة أعصاب دلت وكأن الحزب غير معني بالتعليق العلني على الحملات الاسرائيلية وذلك ارتكازاً على قاعدة يتبعها حزب الله في سياسته الإعلامية وقوامها انه هو الذي يختار متى وكيف يعلق على مسائل حساسة كتلك التي أثارها الاسرائيليون، فالحزب ــ كما تقول مصادر مطلعة فيه ــ لا يتصرف تحت الضغط أو من موقع ردة الفعل مهما كانت وسائل الاستدراج متقنة خصوصاً عندما تتناول جوانب أمنية وعسكرية. وفي قناعة هذه المصادر ان تل أبيب تلجأ من حين لآخر الى خوض معارك دعائية ضده وضد العمق اللبناني الذي يوجد فيه وذلك بهدف استعادة المبادرة في <الحرب النفسية> التي اندلعت شرارتها قبل أشهر واستطاع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أن يحقق تقدماً على الاسرائيليين في التعاطي مع ردود الفعل التي نتجت عنها. لذلك تحرك الاسرائيليون مستغلين اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، بهدف تحقيق مكسب إعلامي جديد ضد حزب الله الذي، من خلال تجاهله تهديدات <نتانياهو> وعدم قيامه بأي ردة فعل، تمكن من تعطيل اللعبة الاسرائيلية بعدما ساهم التحرك الديبلوماسي اللبناني في كشف عدم صدقية الادعاءات الاسرائيلية ولو قيلت من أعلى منبر دولي هو منبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة.

وينقل مطلعون على موقف قيادة المقاومة، انها ليست في وارد الدخول في اللعبة الاستدراجية الاسرائيلية لجهة الرد على الادعاءات وإعطاء معلومات مجانية من أي نوع كان وفي أي ظرف، فالحزب لن يكشف عما يملكه وما لا يملكه إلا وفق الاستراتيجية التي وضعها ضمن شروط <توازن الردع> التي يعتقد انها تحمي لبنان وتمكّن من مواجهة العدوان أو التصدي له. وفي رأي المطلعين على موقف الحزب،فإن <خيار الغموض> الذي يعتمده في تعاطيه مع العدو الاسرائيلي يسبّب أرقاً دائماً للاسرائيليين لاسيما في ما يتعلق بمخزونه العسكري كمّاً ونوعاً، علماً ان اعلان <نتانياهو> عن وجود صواريخ دقيقة وغير دقيقة مع حزب الله، يثبّت ما أعلنه الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله من أن <الأمر تم> وان هذه الصواريخ باتت في عهدة المقاومة.

مصادر عسكرية: لا حرب اسرائيلية

 

في أي حال، بين ردة فعل لبنان المدروسة بدقة، و<تجاهل> حزب الله لتهديدات اسرائيل، تؤكد مصادر عسكرية مطلعة ان لا حرب اسرائيلية على لبنان في المدى المنظور لأن لا مصلحة لاسرائيل في ذلك، لأن ما يهم تل أبيب راهناً هو استمرار القتال الداخلي بين الأطراف العربية والخارجية في المنطقة لاسيما في الجوار الاسرائيلي، لتبقى هي في موقع المتفرج، وبالتالي فإن تهديداتها تدخل في إطار الحرب النفسية على حزب الله، ولإبقاء الداخل الاسرائيلي في حالة <استنفار> ويكون منشغلاً بـ<الأخطار> المزعومة لحزب الله، بدلاً من إثارة المشاكل الداخلية الاسرائيلية التي ترهق <نتانياهو> وحكومته. وتضيف هذه المصادر ان رئيس الحكومة الاسرائيلية الذي بات يحسب مع قيادته العسكرية ألف حساب قبل أي هجوم على لبنان، يقرأ جيداً مواقف السيد نصر الله ويدرك ان ما يصدر عنه يتجاوز الاستثمار الإعلامي ويتحول عند الضرورة الى مواجهة عملية. ولعل السبب الأبرز لعدم قيام اسرائيل بأي عدوان على لبنان، هو الارتباط القائم بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية التي لن تسمح ادارتها الرئاسية راهناً بإشعال الجبهة اللبنانية التي إذا اندلعت النار فيها لا يمكن اخمادها بسهولة، وهي ستمتد الى مناطق لا ترغب واشنطن باندلاع حروب فيها، ناهيك عن الامتداد الإيراني لما يمكن أن يسببه أي استهداف للبنان وحزب الله. وعليه، تضيف المصادر، ان أي حرب اسرائيلية تستهدف القوة العسكرية المرتبطة بإيران ــ أي حزب الله ــ لا يمكن أن تبدأ إلا بتغطية أميركية تضمن نتائج مباشرة لصالح الإدارة الأميركية على الصعيدين الاقليمي والدولي، ومثل هذه الضمانات غير متوافرة، وبالتالي فلا تغطية أميركية لاسرائيل للمضي في تصعيد الأوضاع الى حد اعلان الحرب. علماً ان الادارة الأميركية تعمل للضغط على إيران لتغيير سياستها في حد أقصى، واضعافها في حد أدنى، لكن هذه السياسة لم تصل الى حد السماح بضرب طهران أو المجموعات السياسو ــ عسكرية المدعومة منها سواء في لبنان أو في سوريا أو في العراق. لذلك فإن التوصيف الأقرب للواقع للتهديدات الاسرائيلية يبقى ضمن إطار الحرب النفسية والإعلامية المثلثة الأهداف: إرباك الساحة اللبنانية، وإضعاف إيران وحزب الله والحد من القدرات التي يستخدمها الطرفان في حروب المنطقة، وإشغال الداخل الاسرائيلي بـ<حرب مزعومة> لعدم التركيز على أخطاء حكومة <نتانياهو> وأدائها السيء.