26 September,2018

تلوث نهر الليطاني... ينعكس على بيروت والبقاع والجنوب

 

بقلم طوني بشارة

SAM_5679-----1

لم يعــــد وصف <بحـــــر البقـــــاع> مطابقا للواقع الحالي لنهر الليطاني الذي يخترق قرى البقاعين الأوسط والغــــربي، فقـــد تحـــول النهـــــر <النعمــــــة> الذي كان ينشر الحياة ويـــــروي سكـــــان العديد من القرى البقاعية الى مجرى من المياه السوداء التي تحمل كل أنواع الملوثات والامراض بفعل تحويل مصبّات مياه الصرف الصحي والصناعي الى مجاريه وروافده التي صارت مع مرور الــــوقت مكبــــات للنفايــــات العضويــــة الصلبـــــة ومصبــــات للمياه الآسنة.

تغيرت مهمة نهر الليطاني كما تغير اسمه ولون مياهه، فمن نهر تدب الحياة على ضفافه ويضفي عليها جمالية طبيعية مستنبتاً أشجار الحور والصفصاف، ومن نهر جعل من سهل البقاع اهراءات روما ورسم بانحداره نحو الجنوب شرياناً بقاعياً حيوياً، تحول خلال السنوات الماضية الى عكس ما كان عليه….. أقل ما يقال فيه أنه مجرى مائي هو أقرب الى مجرور كبير للصرف الصحي يضع المحيطين به في دائرة الخطر بعدما كان العيش على ضفافه ميزة يحسد عليها جيرانه.

الليطاني ورائحة الموت

اليوم تفوح من نهر الليطاني رائحة الموت بما تحمله من مخاطر بيئية وصحية تنشرها في المناطق التي تقع على ضفتيه، وأخطر ما في مشكلة تلوث نهر الليطاني والاعتداءات على حرمه هو تشريع الدولة كما يقال لهذا الاعتداء والتلوث. فبفعل هروب الحكومات من مواجهة الازمات البيئية وانعدام التخطيط لديها، وبفعل عشوائية المشاريع التي نفذتها في منطقة البقاع، وخصوصاً مشاريع الصرف الصحي التي صرفت عليها المليارات من الدولارات غير ان تلك المشاريع لم تنتج للأسف حلا لأهم ازمة بيئية تطال حياة معظم أهالي البقاع، لا بل كل الشعب اللبناني كون البقاع منتجاً أساسياً لكافة السلع الزراعية، لذا فقد تحول الليطاني من نهر مائي الى مجرى للصرف الصحي وإلى باعث لغازات سامة بحيث بات من الصعب العيش حول مجراه…. نهر يلوث الأراضي التي يسقيها وتصل أضراره الى باطن الأرض حيث مصدر المياه الجوفية.

فمن المسؤول عن هذا التلوث؟ وهل فعلاً هناك تراخٍ من قبل الجهات المعنية لمعالجة هذا التلوث؟ وما صحة الشائعات عن صفقات مشبوهة حول تكلفة تنظيف مجرى الليطاني؟

نصر الله يشرح الملابسات

 

أسئلة عديدة للإجابة عنها قابلت <الأفكار> رئيس مجلس إدارة الليطاني سابقاً ناصر نصر الله ومدير عام مؤسسة إبراهيم عبد العال حالياً، والذي أفادنا بأن الليطاني هو أطول نهر في لبنان ويمتلك اكبر حوض إذ يبلغ حوالى 2000 كلم مربع، كما انه النهر الوحيد الذي لديه روافد متعددة ويشكل مياهاً سطحية خلال الشتاء نظراً للمتساقطات على كل الحوض.

وتابع نصر الله:

– ان الخدمات التي يقدمها هذا النهر للبنان واسعة وعديدة وتشمل أصعدة عدة ومنها:

– يؤمن المياه لثلاثة مشاريع ري:

 أ – القاسمية من جنوب صيدا الى جنوب صور.

ب – مشروع الـ900 لمنطقة البقاع ويؤمن المياه لنطاق بحيرة القرعون ولالا ومعلولا وجب جنين وكامد اللوز وقسم من غزة، ومن المتوقع ان يصل مشروع الري مستقبلاً الى تربل في الشمال.

ج – مشروع الـ800، والذي يؤمن المياه لحــــوالى 13500 او 14000 هكتار أي بحدود 140 ألف دونم في مناطق عديدة في اقضية مرجعيـــــون، بنـــت جبيــــــل، صــــــور والبقـــــاع الغـــــربي.

الليطاني ومشاريع الري

واستطرد نصر الله: بالإضافة الى موضوع الري، على الليطاني أن يؤمن مياه الاستعمال المنزلي لمعظم المدن والقرى في البقاع والجنوب، وهو يمثل أيضاً جزءاً من حلقة المياه الموجودة في منطقة نهر الأولي بحكم التواصل عن طريق الانفاق ما بين البقاع والساحل، كما يفترض ان يؤمن الليطاني عن طريق جسر الاولي المياه لمدينة بيروت وضواحيها، إضافة الى ذلك يؤمن الليطاني الكهرباء لثلاثة معامل:

– معمل إبراهيم عبد العال في البقاع.

– معمل الاولي.

– معمل جون.

نصر الله: أزمة الليطاني تعود

الى ما قبل العام 2004

ــ يعاني الليطاني حالياً من مشكلة تلوث قد تؤدي الى اضرار جسيمة على صحة المواطن اللبناني، هل ان هذا التلوث وليد لحظته أم أن الليطاني يعاني من هذه الازمة منذ فترة طويلة؟

– قبل عام 2004 كنت اتولى مهمة رئيس مجلس إدارة نهر الليطاني، واللافت آنذاك ان المصلحة الوطنية لنهر الليطاني ونظرا لأهمية هذا النهر أخذت على عاتقها مهمة مسح كل الاضرار الناتجة عن مصادر التلوث خصوصاً في منطقة البقاع ما قبل البحيرة، ووقتئذٍ كانت مصادر التلوث تتأتى للأسف من حوالى 465 مصدراً، منها مياه الصرف الصحي، ومياه المصانع التي تحتوي على تلوث كيميائي، ونفايات المستشفيات والمزارع، وكل أنواع الصناعات الموجودة في حوض الليطاني والتي تلوث المياه بطريقة تؤدي الى ضرر دائم على اعتبار انها موصولة بمياه الصرف الصحي، مما يعني ان مشكلة التلوث ليست وليدة لحظتها بل قديمة جداً.

الليطاني----2نصر الله ووعد الجهات المختصة بإنشاء نيابة عامة بيئية

ــ لقد اشرت الى ان التلوث قديم فيما نلاحظ ان حالة التلوث ما زالت قائمة حتى تاريخه، ألم تسعوا حينذاك كجهات مسؤولة الى معالجة التلوث؟

– لقد أقمنا دعاوى على أصحاب المخالفات، ولكن العدلية لم تتحرك لأسباب كانت معروفة آنذاك أي ما قبل عام 2004، وكان هناك وعد بإنشاء نيابة عامة بيئية وضابطة مائية، ووعود متتالية من السلطات ولكن للأسف لم نصل الى أي حل للمشكلة.

وتابع نصر الله قائلاً:

– لذلك عام 2013 وبرعاية الرئيس بري عُقد في مجلس النواب لقاء جمع الوزارات المعنية بموضوع التلوث مع <مجلس الانماء والاعمار> و<البنك الدولي> و<المجلس الوطني للبحوث العلمية> و<المصلحة الوطنية لنهر الليطاني>، وقد صدر عن هذا اللقاء إقتراح قانون أُرسل الى مجلس النواب، والرئيس بري أودعه اللجان المختصة، وهذا القانون اليوم موجود لدى الهيئة العامة.

 

نصر الله والصفقات المشبوهة

– ولكن هل يعقل ان يمرر هذا المشروع في ظل الشائعات عن صفقات مالية مشبوهة لاسيما ان تكلفة التنظيف قدرت بألف ومئة مليار ليرة لبنانية؟

– قبل التطرق الى موضوع الصفقات المشبوهة، لا بد من الإشارة الى ان هذا المشروع هو من أهم المشاريع ومن الضروري ان يمرر في أي جلسة مقبلة، والسبب ان نهر الليطاني اصبح في وضع لا يجوز معه تأجيل عملية الحد من تلوثه وتلوث رواسبه، وهنا لا بد من التذكير بان الاضرار الناتجة عن التلوث وبحسب <البنك الدولي> تزيد الخسائر على لبنان سنوياً بما يفوق الـ260 مليون دولار أميركي، وهي خسائر تطال الصحة والسلامة العامة.

وتابع نصر الله قائلاً:

– أما ما يقال عن صفقات في ما يتعلق بالتكلفة، فهذا أمر صادر عن أشخاص للأسف ليس لديهم أي معرفة بموضوع الاقتراح، فالتكلفة لا تشمل فقط عملية تعزيل الليطاني بل أيضاً رفع كل الملوثات عن النهر ورواسب الليطاني من النبع الى المصب وعلى طول 170 كلم، وهو ملف كامل لمدة سبع سنوات يعالج كل مشاكل ومسببات التلوث، ويشمل أيضاً تكلفة انشاء شبكات للصرف الصحي في كل المناطق، علماً ان النهر يعاني من ملوثات عدة نذكر منها على سبيل المثال: ملوثات صحية، ملوثات نفايات صلبة، ملوثات الصرف الصحي، ملوثات النفايات المنزلية، نفايات الحيوانات، وملوثات ناتجة عن استعمال مبيدات زراعية… وهذا الاقتراح يعالج كل الملوثات وكل الأسباب الناتجة عنها ولمدة سبع سنوات.

واستطرد نصر الله قائلاً:

– لا بد هنا من القول بأن الهدر والصفقات غير واردين اطلاقاً في ظل هذا الاقتراح على اعتبار انه يتضمن تكليفاً قانونياً لـ<مجلس الانماء والاعمار> بتأمين مساهمات ومساعدات وقروض للبدء بهذا المشروع، إضافة الى أن هناك استعداداً من قبل <البنك الدولي> ومن قبل <الصناديق العربية للانماء الاقتصادي والاجتماعي> ومن قبل الأوروبيين للتمويل، وهذه المصادر الممولة تقوم حالياً بمشاريع على الليطاني ولديها كل الاستعداد للتعاون مع الدولة اللبنانية لاعادة الليطاني الى سابق عهده، ومشهود لهذه الجهات بجدارتها ودقتها بمراقبة عملية صرف الأموال.

الحل هو قانون

تشريع الضرورة

ــ في حال تأمنت الأموال، هل من الممكن المباشرة بالتنفيذ في ظل ما يمكن تسميته باللامبالاة؟ وما الحل المفترض اتخاذه من قبل الجهات المعنية؟

– إن الحل الوحيد حالياً هو اصدار القانون تحت عنوان تشريع الضرورة، كما يجب وضع كافة الوزارات المعنية أمام مسؤولياتها، مما يلزم بتطوير <المصلحة الوطنية لنهر الليطاني> عن طريق اصدار قانون لإعطائها صلاحيات واسعة باعتبارها مؤسسة مهمتها إدارة حوض الليطاني، وذلك لكي تكون هذه العملية نموذجاً يحتذى لرفع كافة الملوثات عن كل الأنهر والمياه اللبنانية على اعتبار ان أخطر ما يواجه المياه في لبنان هو مشكلة التلوث.