21 November,2018

تكلــس المفاصــل مـن أكثــر أمــراض الـعـظـــام انـتـشـــاراً  

بقلم وردية بطرس

الدكتور-بيار-الجميل-----1

تعتبر العظام من أهم الأعضاء الموجودة في جسم الإنسان بشكل خاص ولدى الكائنات الحية الفقارية بشكل عام، فمن خلال العظام تستطيع هذه الكائنات الحركة بحرية كبيرة كما وتعطي أجسامها الشكل المنتظم والقوة اللازمة للقيام بالأعمال المختلفة مثل الرفع أو التنقل من مكان إلى مكان أو الحركة بشكل دوراني، وكذلك نتيجة ترابط العظام مع بعضها البعض فإنها توفر نظام حماية للأعضاء الداخلية والمهمة لدى الكائنات الحية مثل حماية القلب والدماغ والرئتين وغيرها، كما أن ارتباط العظام مع بعضها البعض يعطي الجسم القدرة على الحركة والدوران نتيجة تشكل المفاصل بجميع أشكالها. فإن الهيكل العظمي في جسم الإنسان بشكل خاص ولدى جميع الكائنات الحية الفقارية بشكل عام لا يكون على شكل قطعة واحدة، وإنما يتكوّن من مجموعة من العظام، والتي يبلغ عددها في جسم الإنسان البالغ حوالى 206 عظام مترابطة مع بعضها البعض، وتسمى المنطقة التي تلتقي بها أي عظمتين بالمفصل، ويختلف عدد المفاصل الموجودة في جسم الإنسان حيث يكون عددها أكثر عند الطفل ومع التقدم في السن يصبح عددها أقل، ويبلغ عدد المفاصل في جسم الإنسان البالغ ما يقارب 220 مفصلاً، وتختلف المفاصل عن بعضها البعض في الحجم والشكل ولكن أهم الاختلافات بين المفاصل هي القدرة على الحركة حيث هنالك ثلاثة أنواع رئيسية للمفاصل وهي:

أولاً: المفاصل الثابتة أو المفاصل الليفية وهي تتميز بأنها ثابتة لا تتحرك، ومع التقدم في السن تلتحم هذه العظام مع بعضها البعض بواسطة نسيج ليفي مثل عظام الجمجمة عند الإنسان البالغ حيث تتداخل عظام الجمجمة مع بعضها البعض بحيث تكون غير قابلة للحركة، ولكن عند الأطفال حديثي الولادة تكون هذه المفاصل متحركة بشكل نسبي، وذلك لإعطاء جمجمة الطفل القدرة على النمو والمرونة خصوصاً عند الولادة.

ثانياً: المفاصل المحدودة الحركة أو المفاصل الغضروفية، وهي تكوّن حركة خفيفة وليست في جميع الاتجاهات حيث تتميز هذه المفاصل بوجود طبقة ليفية غضروفية بين العظمتين المتقابلتين مثل المفاصل بين الفقرات أو مفصل العانة، وفي بعض الحالات يحدث تهتك أو تآكل في الغضاريف الموجودة بين العظام مما يسبب احتكاك العظم مع بعضه البعض، وهذا يسبب حالة مرضية لدى الكثيرين من الناس وهو ما يعرف بـ<الديسك>.

ثالثاً: المفاصل الزلالية أو الواسعة الحركة، وتعتبر هذه المفاصل من أكثر المفاصل انتشاراً في جسم الإنسان وأهمها حيث تتميز بوجود غشاء ذي لزوجة عالية بين العظام لكي تسمح للعظام بالحركة بشكل واسع مثل مفصلي الكتف والفخذ اللذين يعطيان القدرة على الحركة في جميع الاتجاهات ومفصلي الكوع والركبة اللذين يسمحان بالحركة في اتجاه واحد.

ومع التقدم في السن يُصاب الإنسان بمرض التكلس وهو جفاف أو تلف يصيب الأنسجة الغضروفية والمفاصل نتيجة ترسب الكالسيوم، ويحتل هذا المرض المرتبة الثانية في لائحة الأمراض التي تعيق الحركة بعد أمراض القلب والشرايين…

وتكلس المفاصل هو مرض روماتزمي يدمر الأنسجة الغضروفية للعظام، ويصيب تكلس المفاصل 17 بالمئة من اللبنانيين بمختلف الأعمار، وتتمثل عوارضه بأن يشعر المريض عادة بآلام شديدة وخشونة المفاصل، ويشعر أيضاً بطقطقة الركبة وأحياناً بانقباضات لاإرادية تتعرض لها العضلات، بالإضافة إلى تورم وانتفاخ حول المفصل. ويجب أن يدرك المصاب بهذا المرض أن الإهمال لفترات طويلة دون المعالجة قد يتسرب الى أعضاء أو أجزاء مهمة وحساسة في جسم الإنسان مثل الكليتين أو القلب.

وبسبب تكلس المفاصل يتحلل الغضروف الذي هو عنصر أساسي يغطي الأطراف العظمية للسماح بحركة جيدة ولامتصاص الصدمات اليومية، ويؤدي اختلال التوازن هذا إلى ترقق الشقوق حتى اختفاء الغضروف، فيصبح تكلس المفاصل عندئذٍ مؤلماً جداً، وأن الركبة والورك هما المفصلان الأكثر تضرراً، كما أن تشوه أصابع اليدين يشكل علامة مهمة من علامات هذا المرض.

وعلى ما يبدو أن آلام الركبتين هي الأكثر شيوعاً كونهما الحلقة الأهم في حمل وزن الإنسان وكونهما المفصلين اللذين يعملان طيلة اليوم إلى أن يخلد الإنسان إلى الراحة والنوم.

ويعاني الكثيرون من الناس من آثار مرض تكلس المفاصل نتيجة لما يسببه من آلام شديدة للكثيرين حتى أصبح هماً يؤرق من يُصاب به. ويعتبر تكلس المفاصل من أكثر أمراض العظام انتشاراً وهو عبارة عن تلف يصيب الأنسجة الغضروفية المفصلية التي تعمل بدورها على تقليل الاحتكاك الناتج عن حركة المفاصل الدائمة كما تعمل على حماية العظام. وتكلس المفاصل مرض يصيب الإنسان نتيجة العمل لساعات طويلة أو تعرضه لإصابات قوية ومباشرة، وهذا المرض يمكن أن يُصاب به الإنسان بصرف النظر عن الفئة العمرية وبدرجات متفاوتة من الألم الأمر الذي يؤثر في طبيعة الأعمال التي يقوم بها.

وأن الأسباب التي تقف وراء إصابة الإنسان بهذا المرض هي التعب الشديد والوقوف لفترات طويلة فضلاً عن الزيادة المفرطة في الوزن، وغالباً ما يُصاب به أفراد المجتمع من موظفين وعمال وربات بيوت الذين يتطلب عملهم الوقوف طويلاً.

نظرياً يصيب المرض أي مفصل في جسم الإنسان ولكنه عادة ما يصيب اليدين والقدمين والعمود الفقري وأيضاً الركب والورك. ويمكن تجنب الإصابة بأمراض المفاصل والعظام والمحافظة عليها سليمة باعتماد وممارسة الرياضة والتمرينات الخفيفة وهذه وسيلة من وسائل الوقاية من أمراض كثيرة، كما أنه من الضروري الحذر من السمنة الزائدة التي تسبب ضغطاً على المفاصل والعظام في جسم الإنسان. وعلى المصاب بتكلس المفاصل الراحة والاسترخاء وعدم تحريك المفصل المصاب قدر المستطاع، فضلاً عن استخدام الأدوية والعلاج بعد مراجعة الطبيب المختص.

 

الدكتور بيار الجميل وتكلس المفاصل كمرض وراثي

من هم الأكثر عرضة للإصابة بتكلس المفاصل؟ وماذا عن التشخيص والعلاج؟ ومتى يستوجب إجراء العملية الجراحية؟ وغيرها من الأسئلة طرحتها <الأفكار> على الدكتور بيار الجميل الاختصاصي في جراحة العظم والمفاصل والعمود الفقري ونسأله بداية:

ــ ما هي الأسباب التي تؤدي لحدوث تكلس المفاصل؟

– إن أسباب الإصابة بتكلس المفاصل لا تزال مجهولة إلا أن بعض العوامل تزيد خطر الإصابة بهذا المرض مثل التعرض للحوادث الرياضية، والظروف المناخية بما فيها الرطوبة، والبدانة، وأيضاً تشوهات الأعضاء عند الولادة أو العوامل الوراثية التي تلعب دوراً أيضاً من حيث الإصابة بهذا المرض.

وأضاف:

– على سبيل المثال إذا كان أحد أفراد العائلة مصاباً بالتكلس فقد يحدث تكلس المفاصل لدى الشخص، ونحن ننصح دائماً بأن يتنبه الشخص لهذه الأمور لئلا يتطور التكلس أكثر وبالتالي لكي لا يصل الى مرحلة تعرضه للإصابة بإعاقة. من هنا تكمن أهمية حملات التوعية لمنع حدوث تكلس المفاصل وأيضاً لتجنيب الشخص المصاب بهذا المرض إجراء عملية جراحية. أما بالنسبة لتأثير الطقس على الأشخاص المعرضين للإصابة بهذا المرض فمن الواضح أن نسبة إصابة الأشخاص بتكلس المفاصل الذين يقطنون في المناطق الساحلية هي أعلى من نسبة المصابين بهذا المرض الذين يقطنون في المناطق الجبلية.

واستطرد قائلاً:

– ومن العوامل المسببة لحدوث تكلس المفاصل زواج الأقارب، فمثلاً في لبنان زواج الأقارب يزيد حدة الخصائص الوراثية سواء كانت سيئة أم جيدة، وبذلك سيحملون الأولاد العيوب مثل الأمراض الوراثية أو تكلس المفاصل. ومن هنا يجب التنبه أنه عندما يكون التكلس مرضاً وراثياً في العائلة فسيُصاب الولد بتكلس المفاصل إذا حدث زواج بين الأقارب تماماً كما يحدث في حالة أمراض القلب والسكري. ويجب التنبه لأمر أنه إذا كان هناك خلع في الورك فيجب معالجته لئلا يُصاب الشخص بالتكلس في ما بعد. ويمكن أن تكون نوبة تكلس المفاصل حادة جراء ترسب بلورات حمض اليوريك لدى الأشخاص الذين يكون معدل حمض اليوريك في دمهم مرتفعاً وهذا ما يُعرف بمرض <النقرس>، وتتضمن العوامل المهيئة لمرض <النقرس> ما يلي: الإسراف بتناول الكحول واكتساب كمية سعرات حرارية مفرطة والفشل الكلوي وأخذ أدوية معينة والإصابة ببعض الأمراض الأيضية.

ــ ومن الأكثر عرضة للإصابة بتكلس المفاصل المرأة أم الرجل؟

– يُصاب الرجل والمرأة بتكلس المفاصل بالنسبة نفسها، ولكن نسبة إصابة النساء بمشاكل الركب هي أعلى من نسبة الإصابة بها عند الرجال، وعادة يشكو الإنسان من تكلس المفاصل بعد سن الخامسة والأربعين، كما وأنه غالباً تصاحب تكلس المفاصل أمراض أخرى مثل أمراض القلب.

نصائح وإرشادات

ــ هل يمكن الحد من خطر الإصابة بتكلس المفاصل؟ هل من نصائح وارشادات؟

– ننصح بممارسة تمارين رياضية معتدلة الحدة مثل ركوب الدراجات الهوائية والسباحة واليوغا والجمباز إذ انها تقوي المفاصل بعكس الرياضة المكثفة التي يمكن أن تدمر المفاصل وتؤذيها. إذاً الرياضة أمر أساسي ومهم، ولكن هناك أمر مهم أيضاً يجب أن يدركه الإنسان إذ صحيح أنه يكون لديه استعداد للإصابة بتكلس المفصل وزيادة الوزن، ولكن من جهة أخرى إن عدم استعمال المفصل بشكل صحيح يؤثر على الورك، وأذكر على سبيل المثال هنا أنه سبق أن عالجت فريق كرة قدم في فرنسا على مدى سنوات إذ ان لاعبي كرة القدم يشكون من مشاكل في الركب بسبب زيادة الضغط على المفصل فيلحق الضرر به. وطبعاً يزداد خطر الإصابة بتكلس المفاصل لدى الأشخاص الذين يعانون من البدانة، وكل شخص يعاني من البدانة يجب أن يدرك أنه معرض للإصابة بتكلس المفاصل، فجسم الشخص البدين يضغط على المفاصل وخصوصاً على الركبتين والوركين وبالتالي ستكون هذه المفاصل عرضة لضغط شديد ومن شأن هذا أن يؤدي إلى تضررها بشدة. وعادة الشخص المصاب بتكلس المفاصل يشعر بتغير الطقس قبل أن يصبح بارداً إذ يشعر بالأوجاع مسبقاً أي قبل تحول الطقس إلى جو بارد، كما أنه يشعر بالألم في ركبتيه أثناء الليل أي عندما لا يقوم بحركة أو خلال النوم.

 

التشخيص

كيفية_علاج_تيبس_المفاصل-----2

ــ وكيف يتم التشخيص؟

– لا شك أن هناك أهمية للعلامات السريرية التي تسمح باكتشاف بداية تكلس المفاصل المتمثلة بألم حاد في الأعضاء وتيبس المفاصل مما يمكن أن يكون سبباً للعجز. كما أن العلامات الإشعاعية مهمة جداً إذ أنها تكشف مرحلة المرض أي درجة إصابة المريض بتكلس المفاصل… ويمكن تصنيف إصابات الغضروف المفصلي ضمن أربع مراحل: المرحلة الأولى: تليّن سطح الغضروف. المرحلة الثانية: تآكل أو رجفان، شقوق سطحية في الغضروف. المرحلة الثالثة: ترقق أو شقوق عميقة في الغضروف. المرحلة الرابعة: تقرّح الغضروف أو اختفاؤه فتصبح العظام مكشوفة وهذه هي المرحلة النهائية. وعند تحديد مرحلة المرض يمكننا أن نقوم بتشخيص واضح بهدف الحد من تفاقم المرض ومضاعفاته وإيقاف تطور تلف المفاصل وذلك لتجنّب أن يصل المريض إلى مرحلة تستدعي العملية الجراحية واستعمال الأطراف الاصطناعية.

 

طرق العلاج

ــ وماذا عن علاج تكلس المفاصل؟

– تتوافر اليوم علاجات عدة قادرة على مكافحة هذا المرض بما فيها بعض الأدوية والعلاج الفيزيائي وعمليات الحقن داخل المفصل التي تتضمن علاجاً بمقاربة جديدة  يمكنها أن تحسن نوعية حياة المريض وأن تؤخر العملية الجراحية. إذاً إن علاجات تكلس المفاصل متعددة، إذ تعتمد على العلاج الفيزيائي حيث على الطبيب أن يحدد أنواع الحركة الخفيفة المسموحة للمريض بهدف تقوية العضلات من دون حدوث أي أضرار وإلا فإن المشكلة ستتفاقم فينتقل المرض إلى مرحلة أعلى، وننصح دائماً بعدم الإفراط في تناول الأدوية التي تتمثل بالمسكنات لأنها تضر بالكبد، وكذلك قد نوصف للمريض مضادات الالتهابات التي يجب استخدامها بحذر خصوصاً أن المصابين بالتكلس قد يعانون بشكل عام من ارتفاع الضغط والسكري ما يعرضهم لمشاكل في الكلى.

ــ وماذا عن حقن <الكورتيزون>؟

– بالنسبة لحقن <الكورتيزون > فلا أحبذها كثيراً ولا نلجأ إليها سوى في حالات ضئيلة وقد منعت دراسات عدة استخدامها بما أنها تؤدي إلى تكون مادة شبيهة بالملح الخشن في المفصل، كما أن من يخضع <للكورتيزون> بانتظام يزداد لديه خطر الإصابة بتكلس المفصل من الدرجة الرابعة.

وتابع قائلاً:

– أما التقنية الأكثر رواجاً فهي الحقن التي تعد الأكثر فعالية وتُستعمل في بداية تكون التكلس حتى إذا كان المريض بعمر صغير، إذ أنها تمنع تطور المرض وتجنب تدهور المفصل فتحميه وتحسن نوعية حياة المرض، وهناك ضرورة للتأكد من أن الدواء قد دخل إلى المفصل بشكل جيد وبعد ذلك يجب عدم التحرك كثيراً لنحو 45 دقيقة.

 

العملية الجراحية وزرع الأعضاء الصناعية

ــ ومتى يستوجب إجراء العملية الجراحية؟

– في الدرجة الرابعة والأخيرة من المرض نلجأ الى الجراحة المتمثلة بزرع الأعضاء الصناعية. وعلى رغم أنني جراح لكنني أرى أنه لا يجب بلوغ هذه المرحلة إلا في الحالات القصوى، وبحسب خبرتي فإن 80 بالمئة من مرضاي لم يحتاجوا تغيير مفصل منذ 18 عاماً حتى اليوم بفضل الحقن. وتجدر الإشارة الى أنه في الماضي عندما كان يتم إجراء عملية مفصل صناعي لم يكن المفصل يصلح لأكثر من 5 أو 7 سنوات، أما في يومنا هذا فبفضل عملية مفصل صناعي يدوم المفصل لأكثر من عشرين سنة، وهذا أمر جيد ويساعد الشخص أكثر مما كان الوضع عليه في السنوات الماضية، مما يخفّف على المصاب بتكلس المفاصل كثيراً.