24 October,2017

تقسيم الشرق الأوسط  بدأ!

 

بقلم خالد عوض

رئيس اقليم كاتالونيا

من الصعب أن يكون اختيار مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان لتاريخ الاستفتاء حول استقلال الأكراد عن العراق محض صدفة. لا بد وأنه كان يعلم بالاستفتاء الكاتالوني الذي يشبه في جوانب كثيرة الاستفتاء الكردي، بل ربما كان يتوقع، كما كان معظم الناس، نتائجه، فكما سيتعامل العالم مع كتالونيا يجب أن يتعامل مع كردستان، وهذا أهم ما توصل إليه البرزاني من خلال الاستفتاء. ولذلك فالحكومتان العراقية والإسبانية تراقبان خطوات بعضهما البعض عن كثب وترصدان ردات الفعل العالمية على كل ما تقومان به.

إرادة الناس ستفرض نفسها في النهاية

مهما كانت قرارات العالم كله، هناك ٩٠ بالمئة من الكاتالونيين الذين صوتوا  قالوا لا للبقاء في إسبانيا، وحوالى ٩٢ بالمئة من الأكراد المشاركين في الاستفتاء عبّروا عن رفضهم للبقاء في العراق. وهذه النسبة هي منطلق أي تفاوض بين المنطقتين الحالمتين بالانفصال من جهة والحكومتين المركزيتين في مدريد وبغداد من جهة ثانية. هاتان الحكومتان تعرفان تماما أن لغة القوة لن تنفع، بالعكس هي ستزيد من حماس الناس إلى الاستقلال، ولذلك نعيش في مرحلة كشف أوراق الضغط لكسب الوقت من طرف الجميع بإنتظار أن يقرر العالم، وبالتحديد مجلس الأمن ودوله الخمس الكبرى، كيف سيتعامل مع هذين الكيانين الجديدين، اللذين يفرضان واقعا جيوسياسيا واقتصاديا غير مألوف، إن كان في أوروبا الجنوبية أو في الشرق الأوسط.

ومهما علا صوت التهديد والوعيد الداخلي والإقليمي، يمكن التوقع منذ الآن أن إقليم كردستان سيكون أكثر استقلالا مما هو عليه الآن، هذا إذا لم يصبح دولة مستقلة، تماما مثل منطقة كتالونيا. المشكلة العالقة هي حول كركوك وثروتها النفطية والمعارضة المتعاظمة في منطقة السليمانية للبرزاني، عدا عن ذلك فالمسألة بيد الزمن، مهما طال.

 

<الأنا> قبل الوطن

السؤال هو لماذا يريد ٩٠ بالمئة من الناس في كردستان أو حتى في كتالونيا الاستقلال؟ إلى جانب الحافز العرقي والثقافي هناك بالطبع الحافز الاقتصادي، المنطلق من شعور الناس بأنها تساهم في واردات الدولة أكثر بكثير مما تحصل عليه من نفقاتها، وأن الإهمال الإنمائي نصيبها مقابل استفادة الدولة المركزية من كل مواردها. فبدل أن يذهب جزء من النفط الكردي إلى الحكومة العراقية ويطير في صفقات فساد، يمكن أن يعود كله إلى الأكراد، وفي ظل فساد أقل وربما ضبطه مقدور عليه أكثر. انها مسألة توزيع غير عادل للموارد Massud Barzani, president of the autonomتطورت إلى رغبة بالانفصال.

الأرقام تفسر كل العواطف الاستقلالية: معدل الدخل الفردي للمواطن في كردستان هو حوالى ٧٠٠٠ دولار في السنة بينما لا يتجاوز ٤٦٠٠ دولار للمواطن العراقي، أي أن الشخص الذي يعيش في كردستان هو ٥٠ بالمئة أغنى من شخص آخر في العراق الموحد، لذلك نرى عدد أصحاب الملايين في كردستان زاد منذ أقل من عشرين عاماً إلى أكثر من خمسة عشر ألفاً اليوم وأصبح هناك أكثر من بليونير واحد كردستاني، وبالتالي عندما يخير المواطن هناك بين أن يكون مستقلا بمدخول أعلى وبين ناسه وعشيرته أو جزءا من وطن كبير يأخذ منه أكثر مما يعطيه له، يكون جواب ٩٢ بالمئة <أنا أولا>.

 

بداية التقسيم

كل التحاليل ستصب في خانة المؤامرة مثل الكلام أن الولايات المتحدة وإسرائيل وراء التمرد الكردستاني، ولكن الأرقام تؤكد أن إرادة الناس إنطلقت من اعتبارات عرقية واقتصادية بحتة لا علاقة لها بالأمم أو المحاور، وإلا لماذا تريد كتالونيا الاستقلال؟ إرضاء لمن أو بأي قرار دولي؟ يجب التصديق أن الدول الكبرى قد تستغل إرادة الشعوب ولكنها لا تصنعها. إسرائيل مبتهجة لأن نشوء دولة كردية يعني وجود صنو لها، هي أيضا تستفيد من سعر نفط منخفض جدا يأتيها من كردستان عبر تركيا ولا تريد سلطة عراقية – إيرانية عليه، كما أنها ترى في كردستان <الأولى> في العراق مشاريع كردية انفصالية مشابهة في سوريا وإيران وحتى تركيا. كل ذلك يساعدها بل يجلب إليه نفوذاً إقليمياً لم تكن تحلم به، فالتطبيع الكردي معها حاصل أساساً وكل ما تبقى هو الإتفاق على حجم الصفقات البينية والمشتركة، لا بل يمكن أن تصبح الوسيط المثالي بين كردستان وتركيا لفض الخلاف بين الجهتين، وبالطبع الاستفادة الاقتصادية من هذا الدور كبيرة.

الاستفتاء الكردستاني هو بداية تقسيم المنطقة على أساس سياسي يأخذ في عين الإعتبار الموارد الاقتصادية. هناك خارطة موارد واضحة في سوريا والعراق ولبنان، ودول مجاورة أخرى فيها المعادن والنفط والغاز. هذه الخارطة هي التي ستتحكم في قرارات الدول الكبرى وردود فعلها على كل ما يحصل عندنا.

وإذا كان أبو بكر البغدادي جاء ليدمر مقدرات سوريا والعراق، فإن مسعود البرزاني وضع حجر الأساس لمشروع بلقنة الشرق الأوسط.