19 September,2018

تفاهم ضمني بين عون وبري والحريري على ”تحييد“ الحكومة عن أزمة المراسيم.. لمنع سقوطها!

عون-الحريريمع بداية الشهر الثاني للخلاف الذي نشب بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري حول مرسوم منح أقدمية لضباط دورة 1994، بدا أن <سعاة الخير> لم يتوصلوا بعد الى إقناع كل من الرئيسين بإيجاد حل لهذا الخلاف الذي بدأ قانونياً ودستورياً وصار ميثاقياً الى حد مطالبة رئيس مجلس النواب بتفسير الدستور والمقصود بعبارة <الوزير المختص> الواردة في المادة 54 منه. وبين اقتراح من هنا، و<صيغة مخرج> من هناك، لا يؤشر مسار الاتصالات الى إمكانية الوصول الى حل قريب لاسيما بعد تمسك رئيس الجمهورية بحقه ورئيس الحكومة بتوقيع المراسيم العادية مع <الوزير المختص> الذي لن يكون بالضرورة وزير المال، إلا إذا ترتبت عن المرسوم المعني نفقات مالية. في المقابل فإن الرئيس بري على موقفه هو الآخر وليس في الأفق ما يدل على إمكانية <تراجعه> عن مطلب توقيع وزير المال على مرسوم الأقدمية ودمج مراسيم الأقدمية مع مراسيم الترقية المجمدة عند الوزير علي حسن خليل على أن تحمل تواقيع وزراء المال والدفاع والداخلية الى جانب توقيعي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.

وقد أتى صدور رأي هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل بداية الأسبوع والتي أفتت به بعدم الحاجة الى توقيع وزير المال على مرسوم منح الأقدمية، ليزيد من تمسك الرئيس عون بموقفه، لاسيما وأن رأي هيئة الاستشارات تبنى قراراً صدر عن مجلس شورى الدولة في العام 1991 يوم كان برئاسة الوزير السابق القاضي جوزف شاوول، اعتبر يومئذٍ أن لا سلطة لوزير المال كي يمارس رقابة على اعمال نظرائه الوزراء، ولا حق له بالتالي بتجميد صرف اعتمادات مالية مقررة في الموازنة ومتوافرة وفقاً للأصول. في وقت أصرّ فيه الرئيس بري على اعتبار المرسوم المختلف عليه غير قانوني وغير دستوري، وهو يرفض النقاش في هذا الموضوع حتى مع رئيس الحكومة سعد الحريري الذي غاب عن السمع بعد جلسة مجلس الوزراء الأخيرة في زيارة عائلية الى باريس، على رغم أنه تسلّم من الوزير السابق وائل أبو فاعور ما وصف بـ<مبادرة> من الرئيس بري قيل انها تدمج بين مرسوم الأقدمية ومراسيم الترقية.

 

لا تداعيات على عمل الحكومة

واللافت أن مساعي <سعاة الخير> لم تواكبها هدنة اعلامية قيل ان الاطراف المعنيين قبلوا بها، فامتنع قصر بعبدا عن الحديث عن الموضوع لا مباشرة ولا مداورة، في حين استمرت وسائل الإعلام القريبة من الرئيس بري تتحدث عن <التجاوزات>، و<إطاحة الدستور> وغيرها من العبارات التي ازعجت بعبدا من دون أن تدفعها الى جدال عبر الإعلام، باستثناء ما صدر عن الرئيس عون شخصياً من مواقف وشروحات أكدت على قانونية الإجراء الذي اتخذه، لاسيما وانه استند الى آراء قانونية والى قرار صادر عن مجلس شورى الدولة في العام 1991 يحدد دور وزير المال وحدود مسؤولياته وظروف ممارستها. ولم تستبعد المصادر المتابعة أن يطيح تعميم رأي هيئة الاستشارات والتشريع في وزارة العدل بإمكانية الوصول الى حل وسط، خصوصاً ان الرئيس عون سوف يتمسك أكثر فأكثر بموقفه بعدما أظهرت هيئة التشريع قانونيته جازمة بأن توقيع وزير المال  على مراسيم منح الأقدميات ليس ضرورياً.

وسط هذا التباين، أبدت مصادر متابعة خشيتها من تداعياته على عمل حكومة الرئيس سعد الحريري التي تضم وزراء من الطرفين المتباعدين، التيار الوطني الحر وحركة <أمل>، خصوصاً أن ثمة من أطلق العنان للحديث عن <انفجار حكومي> وشيك وعن تجاوز للأصول والأعراف وانتهاك للدستور… وغيرها من الشعارات التي شغلت المحافل السياسية على اختلافها لكنها لم تصل بعد الى حد يهدد الحكومة، التي وإن اهتز استقرارها بعض الشيء، إلا أنها لم تسقط ولم يخرج منها أي وزير على رغم الضغوط والتجاذبات التي تتحكم بمن يتولى مسؤوليات وزارية أو نقابية في الوقت الراهن. وفي هذا السياق تقول مصادر وزارية مطلعة أن الخلاف حول مراسيم الاسلاك العسكرية بقي خارج اجتماعات مجلس الوزراء نظراً لوجود رغبة في <تحييد> عمل مجلس الوزراء عن الخلاف بين الرئيسين عون وبري، بدليل أن المداولات الوزارية لم تتطرق الى موضوع المرسوم وتداعياته ولا رسمت خطوط تماس بين الوزراء. وقد أتى إعلان الرئيس بري بأن وزراء <أمل> سيواصلون المشاركة في مجلس الوزراء ولن يقاطعوا الجلسات أو يعلقوا المشاركة فيها أو يلجأوا الى الاعتكاف ما داموا <مرتاحين لوضعهم>، ليزيد الطمأنينة بعدما بات الرئيس بري في موقع المتلقي الذي اتخذه ولفريقه من الأزمة الراهنة، بعدما تلقى رئيس المجلس – كما قال الأسبوع الماضي – آراء عدد من الخبراء في الدستور والقانون تؤيد مواقفه.

 

الأولوية للانتخابات النيابية

بري-لقاء-الاربعاء

وتؤكد المصادر نفسها أن الرئيس عون توافق مع الرئيس الحريري على إبقاء ملف مرسوم الاقدمية للضباط خارج إطار النقاش داخل مجلس الوزراء لأن أي جدال لن يقدم ولن يؤخر بل سيزيد من تشويه الصورة الحكومية التي تتعرض لامتحان الهيبة وقد لا تنجح فيه، إضافة الى أن امام الحكومة استحقاقات عدة ابرزها الانتخابات النيابية وضرورة التحضير لها تحضيراً كاملاً، وذلك في ظل قانون انتخابي لا يفهم <كوعه> من <بوعه> ويحتاج الى حملة توعية واسعة خلال الشهرين المقبلين ليعرف الناس كيف سيقترعون ولمن، وما هي القيمة الحقيقية لـ<الصوت التفضيلي> الذي ميّز قانون الانتخاب الجديد القائم على أساس النسبية. إضافة الى استحقاقات أخرى على صعيد إدارة شؤون البلاد ومنها درس موازنة 2018 وإقرارها واحالتها الى مجلس النواب. والواقع أن تفاهم الرئيسين حول <تحييد> الحكومة عن الخلاف حول مرسوم الاقدميات، لقي صداه لدى جميع الكتل النيابية الممثلة في الحكومة بدليل أن ما من وزير تطرق الى هذا الموضوع خلال مداولات مجلس الوزراء في جلستين متتاليتين، لا بل العكس فإن المداخلات غلب عليها طابع التهدئة والدعوة الى التعقل وعدم التصعيد. وفي اعتقاد المصادر نفسها أن هذه <التهدئة> سوف تستمر الى حين ايجاد حل للمراسيم المجمدة، والى أن يتحقق اللقاء بين الرئيسين عون وبري لتبادل الايضاحات والشروحات وإزالة اسباب الخلاف…

وفيما ينقل زوار الرئيس عون استعداده لشرح موقفه مباشرة الى الرئيس بري، فإن زوار رئيس مجلس النواب يتحدثون عن أن تمسكه بموقفه لا يعني أنه أوصد الأبواب أمام الحلول والمخارج التي تعيد الانتظام العام الى العلاقة بين الرئاستين: الأولى والثانية، خصوصاً وأن <أبو مصطفى> قال لمن يجب أن يسمع انه ليس في مرحلة <تصفية حسابات> مع رئيس الجمهورية للأزمة المتراكمة من التعقيدات والتوترات بين بعبدا وعين التينة والتيار الوطني الحر ورئيسه الوزير جبران باسيل الذي <لا خيط ود> يجمع بينهما، ولا هو أيضاً راغب في تطوّر الخلاف على رغم ما قيل أن الحسابات السياسية للرئيس بري مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية دفعته الى تصعيد الموقف لإيجاد تبدل في المعادلات والاصطفافات ولتفادي إمكانية طلب حليفه حزب الله التعاون مع <التيار البرتقالي> في الانتخابات المقبلة. ويضيف رئيس المجلس – كما يقول زواره – إن رغبته في البقاء في موقع وسطي بين ما تبقى من قوى 8 و14 آذار ليست سبباً لمعاداة رئيس الجمهورية، ذلك أن بقاءه في الوسط لا يفترض صداماً مع الرئيس عون، ذلك أن التحالفات السياسية لها في أزمنة الانتخابات حسابات تختلف عن تلك التي تعتمد في الأزمنة العادية الأخرى، بدليل أنه – اي الرئيس بري – لم يذهب بعيداً في تظهير خلافه عبر الدعوة الى وزرائه في الحكومة بتجميد حضور جلسات مجلس الوزراء والاعتكاف أو المقاطعة على رغم <عتبه> على الرئيس الحريري لتوقيعه مرسوم الأقدميات، ولا هو طلب الى وزرائه عرقلة اي مشروع يهم قصر بعبدا أو السرايا الكبير، فهو يريد، كما الرئيسين عون والحريري، إبعاد الخلاف حول المراسيم عن مجلس الوزراء ليبقى قادراً على إدارة شؤون البلاد واستحقاقات عدة تنتظره، لأن أي موقف سلبي تجاه الحكومة من قبله سيواجه بمواقف مماثلة من أفرقاء آخرين في الحكومة، فتقع البلاد آنذاك في المحظور.

في الخلاصة، تبدو الحكومة مستمرة ولا خوف من سقوطها أو عرقلة عملها، وكذلك أزمة المراسيم مستمرة ايضاً ولا شيء يوحي بإمكانية ايجاد حل ناجع لها. وهذا الواقع  هو ما دفع حليف الحليفين، أي حزب الله، الى البقاء بعيداً عن حليفيه حركة <أمل> والتيار الوطني الحر، لأنه يدرك أن الوقت لم يحن بعد كي يقدم الطرفان تنازلات تعزز تسوية تضع حداً للصراع المعلن الدائر بين قصر بعبدا وعين التينة، وأن لا تجاوز للسقف الذي وضعه الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله عندما قال إن ما من خلاف إلا وسيجد في النهاية الحل المناسب… مهما تأخر هذا الحل!