14 December,2018

تـــــــواضــع الـــــحـكّام

بقلم سعيد غريب

SAM_5208يروى أن الخليفة عمر بن الخطاب وقف على كرسي ليمسك بقنديل كان يضيء الدار حيث كان يتحدث أمام جمهرة من المؤمنين ويعيد تعبئته بالوقود المستخدم في ذلك الزمن، بعدما خف نوره وانطفأ.

اعترض الحاضرون على ما فعله أمير المؤمنين ولم يتقبلوا فكرة أن يقوم الخليفة بنفسه ليملأ زجاجة القنديل ويضيئه قبل أن يعيده الى مكانه، ووقف أحدهم وقال له: <يا مولانا نحن هنا لخدمتك، ولست لخدمتنا..>. توجه أمير المؤمنين الى الملأ وقال لهم: <ما عليكم، قمتُ وأنا عمر، وأصلحته ورجعت وأنا عمر..>.

وما أشبه اليوم بالبارحة، طبعاً مع فارق المقام والزمان، فبعض الطارئين على الحكم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا كانت مناسبة ما قد اختارت لهم كرسياً أو مقعداً في صف ثانٍ أو ثالث.

وثمة وزراء يصافحون الناس وهم جالسون ولا يجيبون على هواتفهم، ويتعاملون حتى مع محبيهم بازدراء وفوقية وطبقية، هذا إذا التقوهم والتزموا بمواعيدهم مع طالبي المواعيد.

بعض السياسيين، وهم معروفون كوجهي العملة، يظهرون أمام الناس ثقلاء سمجين، ولا يعرفون كيف يدخلون البيوت من أبوابها، ويضطجعون في الكرسي أو يمدون أرجلهم في وجوه الآخرين.

وهناك من يعتبرون أنفسهم محررين من التقاليد يضعون النظارات السوداء على أنوفهم ويوجهون نظرهم الى العلاء أو الى الامام في حركة من استعلاء الوجه وتقطيب الجبين ووقاحة النظر، كمن ينظر أمامه ولا يرى شيئاً إلا نفسه، ثم يضعون رجلاً فوق رجل وتبدو عليهم بعض الحركات العصبية بسبب تصنّعهم بحركات وتصرفات ليست من طبيعة الحقيقة، ويلبسون وجهاً هو أشبه ما يكون بتلك الوجوه <الكرنفالية> التي تبرز لنا أو تظهر في أعياد البربارة، كمن يريد أن يخفي حقيقته وحقيقة تفكيره وعواطفه…

بعض الطارئين على الحكم، يقفلون أبواب مكاتبهم، وإذا أجابوا على هواتفهم يقولون للمتصل إن معاليه أو سعادته ليس على السمع، ويكون المجيب هو نفسه معاليه أو سعادته، بعد تمارين جعلته خبيراً في تغيير الصوت.

قليل من التواضع أيها السادة <الكبار>، فالشعب يكبر بتنازلكم، وإن تنازلكم له يقويّه ويقويكم، يعطيكم الدفع القوي، يحفّزكم ويحضّكم على اجتراح الحلول، يقوّي فيكم حاسة السمع ونعمة الاستماع، يعفيكم من النظارات فترون بصورة أوضح كل المشاكل التي يعاني منها الوطن والمواطن، وكل المصائب التي خلفتها الحرب وأزمات ما قبل الحرب وما بعدها…

تنازلوا لكي يعود التواصل بينكم وبين الناس العاديين والمثقفين، تنازلوا لأن ما يقوله الناس سراً وعلانية لا يليق بكم، فهم فقدوا احترامهم لكم ولم يعودوا يكترثون لأخباركم وثرواتكم، ولا يقفون على جانبي الطريق انتظاراً لمواكبكم المختفية أصلاً لدواعٍ أمنية أو رفضاً لرؤيتكم..

ما يسري على بعض كبار السياسيين لا يعفي بعض <كبار الاقلام> أو هكذا يعتقدون أنفسهم، فهم أصبحوا مكشوفين ولا شيء مستوراً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي:

وعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك من المسؤولين من يتلقى في المساء رسائل نصيّة تمدحه بما عجز عنه المتنبي أمام سيف الدولة وفي الصباح مقالاً يهاجمه بقسوة كما لم يفعل الشاعر نفسه مع كافور الأخشيدي…

وهؤلاء يعيشون مرض التعالي وحالة من الفوقية والسكر بما يعتبرونه وصولاً لم يستطعه الأوائل.

ومن المفيد التذكير بما كتبه ذات يوم <لاوتسي>:

<إن المحبة والخير المطلق هما كالماء، فالماء يعمل لأجل جميع الكائنات ولا يطلب أية شهرة، والماء يقتنع في البقاء في الأمكنة المنحدرة التي لا يرتضيها أحد..>.

فعلى الذين يتمثلون بعنصر الماء أن يتواضعوا، أن يكونوا خيّرين، مخلصين، منتظمين، ذوي جودة واستبصار، وليجانبوا كل مصلحة ذاتية ليصلوا الى الاطمئنان..>.

وهذا مثل صيني قديم:

<ما نفع الإنسان من وسع الدنيا إذا كان حذاؤه ضيقاً>.

ومن الاناجيل هاتان الحقيقتان:

<أذكر يا إنسان أنك من التراب والى التراب تعود>.

<وإذا كان بصرك طاهراً فجسدك (أي كيانك) كله يكون في النور…>.

والختام لبيت من الشعر قاله الشاعر العباسي ابن الرومي في لحظة غضب:

<إن للحــــظ كيميـــــاءَ، إذا مــــا مــــــسّ كلبـــــــاً أحـــــــاله إنسانـــاً..>.