22 September,2018

تـعـلـّمــــــــــــــــــــوا مــــــــن تـامـيــــــــــــــــــــــــــرا !

بقلم الدكتور محمود فاعور

هو اسم الحركة التي تأسست عام 1978 في المانيا ومن ثم انتقلت الى البرتغال حيث يعيش 170 رجلاً وامرأة على أرض مساحتها 300 هكتار. الفكرة قامت على التعايش السلمي واللاعنفي بين الانسان والطبيعة والحيوان… وتطورت لتجعل الحب في وسط المجتمع الانساني والذي يجب أن يتحرر من الكذب والخوف، وكذلك العلاقات الاجتماعية على أنواعها يجب أن ترتقي الى ما فوق الكراهية والرياء…

   انضمت الى تلك الحركة مجموعة من الناس توافقوا على العيش معاً بسلام وتفاهم وانسجام مع بعضهم البعض ومع الطبيعة… وقد شكلوا أمثولة تحتذى وفتحوا أبوابهم لمن يرغب في التدرب على هذا النمط من الحياة ليطبقه في بلده أو مجتمعه…

   تلقى الصديق زياد دعوة من زميل له ألماني الجنسية لزيارة الجماعة والاطلاع على أوضاع أفرادها الخاصة وعلى فلسفتهم التي ترتكز على أن ما يقوم عليه العالم اليوم هو خطأ فاضح: إذ نقوم بالتحريض على بعضنا البعض ونشحن الأنفس بالكراهية ونخوض حروباً دامية وتقوم حياتنا على استهلاك المنابع الطبيعية من مياه ومعادن ومنتوجات… بالاختصار حياة البشر غير صالحة ولا مستقرة، فيجب إذن أن نخلق أمثولة لحياة جديدة دائمة مستقرة وذات اكتفاء ذاتي <Sustainable>، مبنية على المحبة والتفاهم غير آبهين بعوامل العرق والدين والمذهب.

   دفع الفضول زياد الى ركوب السيارة والتوجه الى العنوان المعطى له من صديقه الألماني بعد أن فقد الأمل من الاتصالات التلفونية المتكررة للموقع للحصول على موعد للزيارة، وكان تصميمه على الذهاب مدفوعاً بفضول كبير للتعرف على هذه الظاهرة الجديدة، فاستعان بخريطة <غوغل> للوصول الى المكان الذي كان من الصعب الوصول إليه لوجوده داخل منطقة زراعية حيث المواشي والطرق الترابية في الريف البرتغالي.

   دخلت الموقع ــ يقول زياد ــ فوجدت فيه أبنية بدائية في موادها وممراتها وأشكالها ومشيت بين بيوتها الموزعة عشوائياً وصادفت السكان الذين لم يعيروني أي انتباه ولم يلفظوا حتى كلمة <هاي>.. كانوا كلهم يرتدون ملابس <الهيبي> و<اليوجي> وصنادل في الأقدام… وقد بدوت بمظهر شاذ بالجينز وحذاء الـ<برادا> وقميص رجال الأعمال الذي كنت أرتديه. كان الجميع منصرفين الى أعمالهم اليومية وكل فرد منهم يتجه الى ناحية نشاطه. وصلت الى مستوعب كتب عليه استقبال <Reception> دخلته مستكشفاً، فوجدت شابة جميلة جالسة الى طاولة خشبية بسيطة. بعد التحية، قدمت لي ورقة ظناً منها انني جئت لأنضم الى الفريق، فشرحت لها انني في زيارة قصيرة للتعرف والاطلاع بعدما أخبرني أحد أصدقائي عن هذه الحركة الجديدة… واعتذرت لعدم تمكني من أخذ موعد مسبق رغم محاولاتي الهاتفية التي بقيت بدون جواب. رحبت بي بتحفظ ولطف ثم قالت: كنت أود أن أرافقك في جولة على الموقع إلا انني مشغولة برضيعي ولا أستطيع مرافقتك في الزيارة ولكن باستطاعتك تناول الغداء معنا.

   وأشارت بيدها الى جهة المطعم حيث أقيمت خيمة كبيرة كانت عبارة عن قاعة للطعام. خلعت حذائي ــ والكلام دائماً لزياد ــ ووضعته الى جانب الصنادل التي وضعها أصحابها على المدخل ووجدت ان معظم الموجودين هم من الجنسية الألمانية، أما الطباخ فبريطاني وقد شرح لنا ان الغداء اليوم غداء نباتي مع خبز وشوربة. جلست الى احدى الطاولات العشر وكان الجالسون معي يتكلمون الألمانية التي أفهمها ولا أجيد التحدث بها. الى جانبي كانت سيدة في العشرين من عمرها وفي حضنها ولد لم يتجاوز السنة الأولى من عمره وكان هناك أيضاً رجل مسن وبضعة رجال ونساء وفتاة شابة والمجموعة جاءت لتتعلم هذه الطريقة الجديدة في الحياة لتقيم في ضواحي ميونيخ مركزاً مماثلاً، وفي الخارج كانت مجموعة من الأولاد فهمت انهـــــم تلامــــذة في المدرسة التابعة للحركة والتي تتبع أساليب حديثة في التعليم.

   بعد الغداء، طلبت سيدة من المطبخ ستة متطوعين للمساعدة في التنظيف، هبوا جميعاً تلبية لندائها ولم أجد مكاناً لي للقيام بالمساعدة رغم اندفاعي للقيام بعمل ما… بعد الغداء وجدت صندوقاً للتبرعات ساهمت فيه تشجيعاً، ثم تركت المجموعة وفي مخيلتي أفكار حول كيفية العيش في هذا العالم المتوحش بأمان وسلام مع بعضنا البعض وهل الفكرة قابلة للتطبيق على نطاق واسع أم انها أحلام عابرة يستفيق بعدها الحالمون على واقع الحياة المرير المدجج بالأفكار الرجعية والعدوانية والذي لا يقيم أي اعتبار للمبادئ والأخلاق السامية، وهل طموحات جماعة <تاميرا> لخلق أرض جديدة <Terra Nova> ستتحقق أم انها ستنهار أمام أسوار الظلم والظلامة التي تسود في مجتمعاتنا، وهل ستتغلب يوماً قوى الخير والسلام والمحبة على قوى الشر والطغيان…؟؟!