14 November,2018

تـخـفـيـــض الأسعـــار وأثــــره علــى الحركـــة الاقـتصاديــــة!

بقلم طوني بشارة

1

لافتات عديدة وبالجملة تعج بها الأسواق اللبنانية معلنة عن تخفيضات بنسب تتراوح ما بين الـ30 والـ70 بالمئة، لافتات تجعلك تعتقد بأنك بمنتصف شهر شباط/ فبراير علما ان انتشارها يعود لشهر كانون الثاني/ يناير… عروضات جذابة وأسعار شبه خيالية تزين واجهات المحلات التجارية وتلعب دوراً بارزاً في لفت انتباه المارة واستقطابهم الى داخلها.

في السنوات الماضية كان الزبائن ينتظرون شهر شباط/ فبراير من اجل التبضع لموسم العام المقبل حيث كانت شوارع لبنان تزدحم بزبائنها أملا بالحصول على احتياجاتهم المناسبة لذوقهم من جهة ولقدرتهم الشرائية من جهة أخرى، الا ان هذه السنة مختلفة كليا عن السنوات الماضية حيث بدأت الحسومات منذ شهر كانون الأول/ ديسمبر أي شهر الأعياد وارتفعت تدريجيا لتتراوح بين 50 و70 بالمئة وهذا ما يراه المارة على واجهات المحلات اثناء تجوالهم، في حين ان واجهات أخرى قامت بعروضات من قبيل ثلاث قطع بـ10 آلاف او القطعة بـ5000 ليرة مع إبراز جدول يبين الفرق ما بين السعر الأساسي والسعر ما بعد التخفيضات.

هذه المشاهدات تشير بوضوح الى ان حركة البيع في الأسواق التجارية باتت منخفضة ويعود ذلك لانعدام القدرة الشرائية من جهة وتخوف المواطن من رزمة الضرائب وما سيرافق ذلك من ارتفاع في أسعار العديد من السلع ومن ضمنها ارتفاع الأقساط المدرسية.

مخاوف عديدة ترافقت مع خطة تخفيض أسعار غير مسبوقة من قبل التجار، فما صحة هذه التخفيضات؟ وما سببها الرئيسي؟ وما اثرها على الحركة الاقتصادية؟

 

شماس واللكمة الأصعب للاقتصاد

5

رئيس <جمعية تجار بيروت> نقولا شماس أوضح بأن النصف الثاني من 2017 كان سيئاً للغاية علما ان هذا النصف يشكل 60 بالمئة من النشاط التجاري على الصعيد السنوي، فالوضع كان جيداً بعيد انتهاء <فجر الجرود> واستقرار الوضع الأمني، ولكن للأسف رزمة الضرائب وما رافقها من بلبلة عكرت المزاج العام وابطأت الدورة الاقتصادية، واللكمة الأصعب أتت كنتيجة لأزمة الحريري بالسعودية في تشرين الثاني / نوفمبر، وما رافق هذه الازمة من تراجع حاد في النشاط التجاري، وهذه الازمة لم تنته الا بعد العودة رسميا عن الاستقالة في 5 كانون الأول/ ديسمبر، فتحسن الوضع نوعا ما ولكن بالمجمل انتهت السنة بمعدل انخفاض سلبي تراوح بين 10 الى 15 بالمئة على الصعيد التجاري ككل.

 وتابع شماس قائلاً:

– لمواجهة هذا الواقع المرير وبسبب مصاريف التجديد والاستثمار وتجهيز أماكن البيع وصالات العرض لجأ العديد من التجار الى اعتماد مبدأ الحسومات التي تتراوح وبالفعل ما بين 20 و30 بالمئة وصولا الى 50 بالمئة وما فوق، ولكن هذه النسبة كبيرة جدا وهي اشبه بالتصفيات من الحسومات وغير معهودة من قبل، كما ان فكرة <الجمعة السوداء> التي كانت تتم فقط بموسم الصولد بعد الأعياد جعلت الحسومات خبزاً يومياً وليس عملاً استثنائياً، والحسومات على مدار السنة ليست محطة معتمدة بالروزنامة التجارية، وهي تفيد المستهلك على المدى القصير وتؤذي التجار من خلال ضرب الهامش التجاري واختناق التاجر ماليا وعدم إمكانية الاستثمار والتوظيف، مما يضر الاقتصاد ككل لان التجارة تمثل ثلث الاقتصاد.

الحسم واسبابه

2واستطرد شماس قائلاً:

– إن آلية الحسم هدفها جذب الزبائن ولكن للأسف هناك ضعف بعدد المتسوقين، ومن يحاول رفع سعره يعتبر منتحراً من الناحية الاقتصادية، فالقدرة الشرائية المحلية ضعيفة جداً كما ان السياحة معدومة، مما جعل الأسعار تتحكم بالتجار وليس العكس، وبالتالي هذا وضع غير صحي ينم عن ضعف الطلب من جهة وتآكل القدرة الشرائية من جهة أخرى.

ــ البعض يعتبر ان هذه التخفيضات وهمية وتتم فقط على بعض السلع دون سواها، كما ان البعض قد يلجأ الى رفع السعر الأساسي ومن ثم يوهم المستهلك بنسب التخفيضات، فهل تتمتع جمعية التجار بصلاحية الرقابة؟ ومن المسؤول عن هكذا موضوع؟

– جمعية التجار ليس لديها سلطة للرقابة وما يعنينا هو وجود منتج آمن وسليم للمستهلك اللبناني. المراقب الأول للأسعار هو المستهلك، والمنافسة حادة في القطاع التجاري وليس لأحد أي مصلحة باعتماد فكرة رفع الأسعار او اعتماد سياسة كاذبة في ما يتعلق بالحسومات، ونحن نؤمن بآلية السوق والاستهلاك اكثر من رقابة أي جمعية او حتى الدولة، فالمستهلك بانتقاله من متجر الى آخر هو الذي يساهم في تكوين الاصطفاف الاقتصادي بشكل تلقائي دون أي تدخل او اكراه من قبل الدولة.

 

شماس والحل

ــ وما الحل لعودة الحياة للقطاع التجاري؟

– الحل يأتي نتيجة لتدابير عديدة تعيد الثقة بالبلد وأهمها:

* وقف المناكفات السياسية.

3* تمرير استحقاق الانتخابات بطريقة سلسة.

* نجاح مؤتمر الأرز (باريس 4).

* توفير قروض ميسرة للاقتصاد اللبناني.

* بدء عملية التنقيب عن النفط والغاز.

* التركيز على قطاع اقتصاد المعرفة.

وأضاف:

– وهنا في حال كانت بداية نهاية الحرب في سوريا خلال عام 2018، فستكون سنة 2018 منعطفاً جيداً للقطاع طال انتظاره في المسار التجاري بشكل خاص والدورة الاقتصادية بشكل عام.

 

هذا ما يقوله الناس!

وبجـــــولة ميدانيـــــة على الأسواق تمكنت <الأفكار> من نقل اراء العديد من أصحاب المؤسسات، فجورج فرحات صاحب <مؤسسة فرحات> بفروعها (جبيل – جونيــــة – الجديـــــدة….) اطلعنــــا بــــأن الحــــركة ضعيفـــــة جـــداً وهناك تراجعاً بالمبيعات بنسبة 30 بالمئة عن السنوات السابقــــة، فالقدرة الشرائية كما يــــبدو معدومـــــة، والمستهــــلك يفضـــل حصر عمليـــة الشراء بالسلع الاستهلاكية الأساسية دون الاهتمام بالكماليات.

4 وتابع قائلاً:

– لذا وتداركاً للوضع لجأنا مكرهين كتجار وأصحاب مؤسسات الى اعتماد مبدأ التخفيضات وحتى خلال فترة الأعياد، والتخفيضات تراوحت بين 30 و50 بالمئة وعلى كافة السلع، علّنا بهكذا اجراء نحرك او نلغي الجمود بالحركة الاقتصادية ونتمكن من تصريف البضائع ونمنع فكرة التكديس الموسمي، على اعتبار ان العديد من البضائع لاسيما الألبسة النسائية تنتهي موضتها من سنة الى أخرى مما يجعل من مصلحتنا بيعها وبسعر الكلفة على تكديسها وعدم التمكن من التخلص منها .

نترك فرحات وجهوده لتفادي التكديس ونلتقي بعلي المولى صاحب <محلات المولى للاحذية> (الحمرا – الدورة – جبيل….) المولى أكد بأن الجمود يطال كافة القطاعات ومنتشر بكافة الأسواق، فالجميع يعاني من ضعف الحركة من مطاعم واوتيلات ومحلات بيع الألبسة والاحذية، فالقدرة الشرائية للأسف مع رزمة الضرائب انخفضت، كما ان الشعب لديه خوف وقلق وتراه يحصر نفقاته على شراء السلع الأساسية دون سواها، كما ان حركة البيع خلال فترة الأعياد ومقارنة مع السنوات الماضية نراها ضعيفة جدا ومتراجعة بنسبة 30  بالمئة.

وأضاف:

– لذا ارتأينا كتجار ضرورة اعتماد مبدأ التخفيضات بنسب تراوحت ما بين الـ30 والـ50 بالمئة علّنا نكسر الجمود ونحرك الركود الاقتصادي، مما زاد المبيعات ولكن بنسبة لا تزيد عن 20 بالمئة، مما يعني ان الجمود ما زال مسيطرا على الحركة الاقتصادية.

وبدوره كارول صليبا صاحب <محلات صليبا للالبسة> اعلمنا بأن هذا الجمود فريد من نوعه، إذ أنه وطوال مسيرته التجارية التي امتدت اكثر من 40 سنة لم يشهد التجار وبكافة المناطق مرحلة صعبة كهذه وحتى خلال فترة الحرب، ويتابع كارول:

– للاسف القدرة الشرائية معدومة والضرائب تأكل الشركات ونجد انفسنا ملزمين باعتماد مبدأ التخفيضات علّنا نتمكن من تمرير هذه المرحلة العصيبة بأقل خسائر ممكنة، ولكن وبالرغم من التخفيضات ما زال الجمود سيد الموقف وما زالت حركة الزبائن في ظل تراجع قدرتهم الشرائية متدنية جداً، لذا يفترض علينا كتجار رفع الصوت عالياً وإلزام الجهات المعنية بضرورة التحرك وبكافة الميادين من اجل وضع خطة نهوض اقتصادي.