25 September,2018

تـأنـي ”مجــلـس الـتعـــاون الـخلـيجـــي“ فــي التحـــول الـى اتـحــاد هـــو السياســـة الـحكـيـمـــــة!

 

بقلم خالد عوض

-

العالم كله أصبح اليوم في توقيت ما يسمى بـ<البركزيت BREXIT> أي تصويت البريطانيين على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو بقائها فيه والذي من المقرر إجراؤه يوم ٢٣ حزيران (يونيو) المقبل. الموضوع لا يتعلق ببريطانيا فحسب بل هو يتعلق بمفهوم الاتحادات الاقتصادية وجدواها، والحد الذي تتحول فيه إلى طبقات جديدة من البيروقراطية تضاف إلى الطبقات الموجودة اساسا في دول أعضاء الاتحاد.

هناك اسباب عديدة تشجع البريطانيين على التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي، أهمها التحكم بالهجرة إلى بريطانيا والتي تخضع اليوم لقوانين الاتحاد الأوروبي وليس لرغبة الحكومة البريطانية. كما يذكر المدافعون عن فكرة الخروج بالمبالغ الكبيرة التي تدفعها بريطانيا سنويا للاتحاد الأوروبي والمقدرة بأكثر من ٥٠٠ مليون دولار من دون فوائد تذكر في حين يمكن استثمارها في الاقتصاد البريطاني. الرافضون لفكرة الخروج يرفعون موضوع التجارة البينية الحرة التي تسمح للبضائع البريطانية بغزو اسواق الاتحاد الأوروبي من دون أي رسوم، ويجيب المؤيدون للخروج أن الأوروبيين يستفيدون أيضاً من الاسواق البريطانية ولا شيء يمنع من التوصل إلى إتفاق ثنائي في المستقبل بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي يؤدي إلى إلغاء الرسوم.

ما حدث خلال الأيام الماضية من ذعر في الاسواق المالية وهبوط في الجنيه الاسترليني بسبب عدم وضوح الرؤية بعد خروج بريطانيا يشير إلى أن المستثمرين يخافون من المجهول ويفضلون المعلوم أكثر من الإشارة إلى إيجابية أو سلبية خروج بريطانيا من الاتحاد، والدليل أن معظم التحويلات المالية ذهبت إلى الفرنك السويسري مع العلم أن سويسرا ليست في الاتحاد الأوروبي.

 السؤال الحقيقي اليوم هو: من بحاجة أكثر إلى الآخر، أوروبا أم بريطانيا؟ الجواب عند الكثيرين من البريطانيين هو أن أوروبا أصبحت أقرب إلى أن تكون ولاية ألمانية كبيرة بدل أن تكون مجموعة دول تحتفظ بسيادتها الاقتصادية والمالية بعيداً عن العملاق الألماني. وإذا قرر البريطانيون الخروج فسيتطلب ذلك ثلاث سنوات <لتفكيك 1الإرتباطات> بالكامل من الأم الأوروبية. خلال هذه الفترة وبعد ذلك سيتبين إذا كان البريطانيون محقين بالخروج أم لا. وبعد أقل من خمس سنوات يمكن، من خلال مراقبة مسار بريطانيا الاقتصادي، أن يتبين الإطار الأصح للاتحادات الإقليمية. فهي لا شك ضرورية، خاصة في ما يتعلق بحرية حركة الناس والبضائع وخفض الحواجز الجمركية غير المفيدة، ولكنها عندما تصبح مثل الحكومات المركزية بروتينها وطبقات البيروقراطية العقيمة، وعندما تتحول لواحة اقتصادية لدولة معينة أكثر من أخرى، عندئذٍِ تفقد معظم جدواها.

ماذا تعني نتيجة <البركزيت> بالنسبة للعرب ولبنان؟ مجلس التعاون الخليجي هو المعني أكثر من غيره بما يحصل في أوروبا لأن المثل الأوروبي هو السابقة التي اعتمد عليها وتعلم ولا يزال يتعلم من اخطائها. ويحسب للمجلس التأني الذي ينتقده الأوروبيون ويصفونه بالتباطؤ، في حين أثبت أنه السياسة الصحيحة في عالم الاتحادات. العملة الموحدة ليست بالضرورة الحل المالي المناسب في الخليج واتحادات كثيرة أخرى منها الاتحاد الأوروبي. اليونان هي المثل الصارخ لذلك. و<البنك المركزي الأوروبي> ليس بالضرورة المثال الناجح للبنوك المركزية الإقليمية. أمثلة كثيرة تدل أن السوق المشتركة تنجح بامتياز من دون أن تتحول إلى اتحاد اقتصادي متكامل تتماهى فيه اقتصادات الدول المستقلة. باختصار ما يجري بين بريطانيا وأوروبا هو حقل تجارب يمكن الاستفادة منه لمستقبل العالم العربي.

بالنسبة للبنان لا يعني خروج بريطانيا الكثير. ولكن من خلال فلسفة التسول التي تسود سياستنا الاقتصادية يمكن أن يعني ذلك مستقبلا المزيد من المساعدات الأوروبية لأننا سنذهب إلى البريطانيين وإلى الأوروبيين كل على حدة، أي يمكن أن نغرف من الإثنين أكثر مما كنا نغرفه من الاتحاد الأوروبي وحده!

الإشارات الأولية تؤكد أن التصويت على الخروج البريطاني مرجح. ولكن في جميع الأحوال ومهما كان قرار البريطانيين، فإن النتيجة الأكيدة للتصويت هي أن أوروبا مريضة، وبعد ٢٣ حزيران (يونيو) لن يكون الواقع الاقتصادي الأوروبي وحتى السياسي كما كان قبله. ويبدو أن ملامح إنهاء الكثير من أوجه العولمة التي شهدناها خلال العقدين الماضيين تتوضح أكثر وأكثر.