21 November,2018

تظاهرة رياض الصلح تحرّك شبابي عفوي بعيد عن التلوث السياسي ويستحق التقدير!  

2كاد ملف النفايات أن يطيح باستقرار لبنان الامني وإن كان الاستقرار السياسي على حاله من السلبية نتيجة الخلافات بين 8 و14 آذار وانعكاس ذلك على مجمل الوضع العام. فالنفايات حرّكت تظاهرة <طلعت ريحتكم> وفتحت الباب لانتفاضة شعبية وصلت الى حد المطالبة بإسقاط النظام، ما جعل الحكومة تقيم جداراً اسمنتياً حول السراي مخافة اقتحامها وتدارك الرئيس تمام سلام الموقف بطلب إزالتها، لكن الهوّة توسعت بين الحكومة والشعب، وستتوسّع أكثر طالما أن المعالجات ليست جذرية وفض مناقصات النفايات كان أشبه بالمحاصصة بين أركان الحكم الى حدّ ما قبل أن يلغيها مجلس الوزراء.

<الأفكار> استضافت في مكاتبها الوزير السابق القاضي سليم جريصاتي وحاورته في هذا الملف لاسيما في ما يتعلق بوجهة نظر تكتل التغيير والإصلاح حول القضايا المطروحة بدءاً من السؤال:

ــ ما كان موقف تكتل التغيير والإصلاح مما جرى في وسط بيروت من تظاهرات واعتصامات؟

– ما جرى في ساحة رياض الصلح من خلال تشخيصنا، حركة عفوية من شبان وشابات <طلعت ريحتكم> من مختلف الأعمار والمناطق بعيداً عن التلوث السياسي حتى أنني أفتخر بأن أنسباء وأقارب لي شاركوا في هذه التظاهرة التي كنت أتابعها بتأنٍ ليس فقط من باب الحرص على أمن المتظاهرين، وإنما لأعرف حجم الاحتجاج في اليوم الأول ومن ثم في اليوم الثاني حيث كان الحشد أكبر، حتى ان ابني كان يتصل بي من الأردن لاهتمامه بالبيئة ويطالبني بالعمل لتخليص لبنان من التلوث البيئي، وكان يحث على التظاهر من خلال متابعته للحملة. وما حدث أن العماد ميشال عون كان في اليوم الأول للتظاهرة حريصاً جداً على حمايتها وعلى عدم إضفاء أي طابع سياسي عليها لا استحواذاً ولا استملاكاً، وكان يقول منذ اليوم الأول إنها حركة عفوية تقول بخطابنا وهو الإصلاح والتغيير والقضاء على لوثة الفساد، وان هؤلاء الشبان والشابات يقولون كلامنا وخطابنا، وبالتالي نحن ننظر إليهم بعين الرضا، ولكنه حذر من الاستحواذ أو ما سماه بالفرنسية <Récupération Politique>، وقال انه لا يريد استحواذاً سياسياً لهذه الحركة، وطلب أن تأخذ هذه الموجة مداها، وأمل ألا تتلاشى على شاطئ المصالح.

وأضاف:

– وكان يرتقب أن يدخل بعض الأطراف السياسيين الى لبّ هذه التظاهرة وإفشالها لتبرير العنف الامني ضد المتظاهرين ولتهديم حكومة الرئيس تمام سلام. كان يقول ذلك ليس بهدف الحسرة على إسقاط الحكومة لأننا نعرف في النتيجة أن وجودنا في الحكومة كما وجودنا في البرلمان، يزيدان من إمساكنا بعنق الأزمة. وعندما قلت ان طريق الرئاسة مقفل، وهذا الممر الإلزامي الذي تكلم عنه السيد حسن نصر الله مقفل، قلنا ذلك  لأننا نحن في الحكومة، ولأننا في مجلس النواب. ونحن من تحدث عن تشريع الضرورة وعمل على ضبط عمل الحكومة حتى نقول للرئيس تمام سلام أن يعود الى النهج الذي أرساه منذ تشكيل الحكومة الائتلافية، حيث ان الحرب من الخارج صعبة ولا يمكن إعلان حرب إلا من داخل المؤسسات. وفي الماضي تحدث غسان تويني عن الثورة الدستورية ولم تحصل، ولكن اليوم هذه الثورة تحصل من داخل المؤسسات بفعل حليفين جمعهما الله ولا يفرقهما إنسان، وهما الحزب المقاوم <حزب الله> وتكتل التغيير والإصلاح…

واستطرد قائلاً:

– فالأمر محسوم ولا أحد يتحدث عن تنسيق وعن ازدواجية معايير أو توزيع للأدوار أو بعثرة للبيت الشيعي. فنحن نفهم ان البيت الشيعي خط أحمر لأنه مكون على الأقل بشقه المقاوم مستهدف، ولكن إذا بعثر البيت الشيعي نفسه فخيارنا واضح وهو أننا نذهب الى الحزب المقاوم…

المندسون معروفون

 

ــ هذا جيد، لكن ما حصل في اليوم التالي ألم يغير موقفكم؟

– في اليوم التالي دخل المندسون والمغرضون الى التظاهرة، وللعلم فهم كشفوا عن وجوههم ولم يخفوها، والكل عرف من أين أتوا، والأمر مرصود عندنا وعند الأجهزة الأمنية، وكيف دخل هؤلاء وعاثوا فساداً في بيروت وفي التظاهرة بالذات وأفسدوها.

ــ هل يمثلون فريقاً سياسياً معيناً؟

– نعم…

ــ البعض يتهم التيار الوطني الحر بالتواطؤ مع حزب الله بذلك. بماذا ترد؟

– هذا كلام غير صحيح، فحزب الله والتيار سعيا منذ اليوم الأول لإبعاد نفسيهما عن هذه التظاهرة لعدم إضفاء أي طابع سياسي عليها وفتحا الهواء سواء في قناة <المنار> أو الـ<أو تي في> لكل هذا الشعب المقاوم للفساد وفي وسط بيروت ليقول كلمته، وعندما خرج طوني أوريان وهو المناضل العوني القديم وأرسل كلماته الطائرة  الى الرئيس تمام بك سلام مع الرسائل في السراي، حرص أن يقول انه هنا ليس لأنه عوني بالرغم من أن العونية تعني له النضال في سبيل مكافحة الفساد، بل لأنه يتحسس بمشاكل الناس والشباب، وعندما شعر أن هناك فريقاً انزعج من وجود تيار سياسي انسحب من التظاهرة كما حال آخرين من 8 أو 14 آذار.

ــ هناك دعوة لتظاهرة يوم غد السبت. فماذا تتوقع في هذا الإطار؟

– هذه الدعوة التي حُجز لها مكان بعيداً عن ساحة رياض الصلح ستأخذ مجراها وستقول إنها براء من كل ما حدث في وسط بيروت من هذا العبث الأمني، وحسناً تفعل للحفاظ على قدر من النزاهة والاستقلالية، ونحن بدورنا اتخذنا قراراً بالتحرك الميداني بزخم أكثر وبكثافة أكبر وبأهداف متعددة، ونحرص ألا تكون ازدواجية مع تحرك <طلعت ريحتكم>، وألا يكون هناك تواصل جغرافي وجسدي مع المتظاهرين في حملة <طلعت ريحتكم> لأننا سننزل بشكل مختلف مع أعلامنا ومطالبنا وشعاراتنا وأهدافنا وخريطة طريقنا.

ــ بالأمس فرخت حملة <طلعت ريحتكم> تحركاً آخر قرب قصر العدل ورفعت شعارات <بدنا نحاسب> و<ارحلوا> وما شابه.. فهل هذا التيار اليساري أو المجتمع المدني؟

– فصرخت حملة <طلعت ريحتكم> إنما بقيت على وحدتها، وعندما طلب وزير العدل أشرف ريفي استلام المطالب من المتظاهرين رفضوا كي لا يدخلوا في التجاذبات السياسية بينه وبين وزير الداخلية نهاد المشنوق، واللبيب يفهم هنا من الإشارة.

 

النفايات ومناقصاتها

ــ العديد من الوزراء رفضوا التوقيع على فض عروض المناقصات الخاصة بالنفايات، وبعضهم اعتبر الأمر فضيحة. أين أنتم من ذلك؟

– نحن لا نزال في المربع ونرفض توقيع بعض الوزراء على مراسيم لم يوقعها وزراء تكتل التغيير والإصلاح وحزب الله.. أما بخصوص المناقصة فهي محاصصة بامتياز.

ــ الكل يقول ذلك في مجلس الوزراء. فكيف تكون محاصصة إذاً؟

– هناك هدف استراتيجي وتكتيكي في مقاربة هذا الملف. ففي الاستراتيجي المحاصصة قائمة ولا يمكن لأحد أن يقنعني أن هذه الدولة في ظل هذا النظام تستطيع أن تبسط حالة ينتفي معها الفساد، ولأننا نعيش ضمن ما يسمى فيدرالية الطوائف، وبالتالي فالزعماء يمسكون بعنق الطائفة ويعبثون بمقدرات الدولة، ولكن نحن في المربع الأول مع الحزب المقاوم ولا علاقة لنا لا من قريب أو بعيد بأي ملف من المناقصات. وأعطي هنا أمثلة مما قيل على التلفزيونات وأتبناه، وهو أن ملف الشوف وعاليه وقسماً من بعبدا حصلت عليه شركة الجنوب للإعمار، ونحن لا نشك بنزاهة رياض الأسعد واندفاعه، بل هو قال وصديقه الحميم وليد جنبلاط قال أيضاً أنهما كانا في شركة وأنهما فسخا الشراكة، ومن يصدق يصدق، ومن لا يصدق لا يصدق، والأيام كفيلة بإظهار الصورة، وشريف وهبي في الجنوب، وهو مدعوم من حركة <أمل> وأنا لا أتهمه وهو مقاول يجر مياه الليطاني الى بيروت إنما أكشف عن التلوينة السياسية للفائزين بالمناقصات. وإذا استعرضنا <اندفكو> نجد نعمة أفرام وهو شخص نزيه وقادر ومتمكن ومندفع ووطني، لكن ألا توجد رائحة محاصصة سياسية من خلال <اندفكو – سايفكو> خاصة وان <سايفكو> هي لشاهي بريفيان وجوزف دكاش وهما يدوران في فلك الرئيس السابق ميشال سليمان، لا بل <اندفكو> تتجه صوب القوات اللبنانية، وليس هذا معناه أن القوات دخلت في المحاصصة أبداً، لا بل تبين أن نعمة أفرام أعطى أدنى سعر من كل الفائزين، حتى أنه أدنى من سعر <سوكلين> السابق، ما يدفعني للقول إن عرضه هو الأنزه، لكن من حقي أن أسأل أين تصب <سايفكو>؟! وإذا ذهبنا الى الشمال والبقاع نجد جهاد العرب وهو القريب من سعد الحريري، لكن اشترك معه قاسم حمود لأنه رجل فؤاد السنيورة للتعويض عن خسارة ملف <سوكلين> الذي كان بحيازة الرئيس السنيورة. وفي بيروت نجد أنطوان أزعور وهو من صلب تيار <المستقبل>، وشقيق الوزير السابق جهاد أزعور. وبالتالي فالكل يستفيد ما عدا تكتل التغيير والإصلاح وحزب الله، وكذلك القوات لأنها ليست في الحكومة ولم يظهر انها متورطة.

سرّ الرفض الوزاري

ــ لماذا إذاً الرفض في مجلس الوزراء لهذه المناقصة طالما أنها محاصصة؟

– هنا نأتي الى التكتيكي ونسأل: هل عرف محمد المشنوق أن يدير البلد؟ بالطبع لا… وهل استقرت المحاصصات على توافق بين أهل السياسة؟ في الظاهر لا، وبالتالي كل من تأذى من حصة الأسد التي أعطيت في النفايات لتيار <المستقبل> رفع صوته بالرفض لهذه المناقصات. وعلى كل حال، مصلحة الجميع أن يقولوا لا لتمرير الملف، ولكن لا أحد يوقّع على ورقة عار، لاسيما وأن أوراق العار كأوراق التين تسقط بذاتها ولا يتبناها أحد، وحده محمد المشنوق تبنى في البداية، والإنكى أنه أعلن المناقصات من مجلس الإنماء والإعمار، وهذه سابقة لم تحصل أبداً، علماً بأن الوزير بعد اتفاق الطائف هو رئيس إدارته حسب المادة 66 من الدستور، حتى ان مثل هذه الحادثة لم تحصل في عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري حيث لم يعلن آنذاك يوماً من مجلس الإنماء والإعمار نتيجة المناقصات.

وتابع يقول:

– هذه المناقصات بكل المعايير فضيحة وقد تمخض الجبل فولد فأراً، والشعب فهم الرسالة، ولذلك قرر أن يخرج بتظاهرة جديدة يوم السبت ليقول لا لهذه المناقصات. والعماد عون  دخل اليوم في منطق جديد يقول إنه إذا بقينا في هذه الدولة فنحن بطريقة أو بأخرى ستلحق بنا لوثة الفساد وحتى لو ارتضينا أو رفضنا لأننا سنكون شهوداً على كل ما يجري، وهذا دور لا يشبهنا ولا يشبه الحزب المقاوم، وبالرغم من ذلك لدينا عنوان عريض اسمه الاستقرار وعنوان آخر اسمه الحكومة، والمنطق الآخر يقول إنه إذا سقطت هذه الحكومة فهل نكون فعلاً نساهم في عزلنا بأيدينا، في حين نشد على عنق الزجاجة سواء في موضوع الرئاسة أو في مجلسي النواب والوزراء لوضع حد لهذا الانقلاب على الميثاق والدستور؟!

وأكمل قائلاً:

– هذه هي الجدلية التي سيتم حسمها في الأيام المقبلة، ونحن على مفترق طرق بين أن نكون شهوداً من ضمن هذا النظام، بالرغم من سعينا المستميت على التمايز عنه نحن وحزب الله بقدر المستطاع، أو نذهب الى إسقاط الحكومة تمهيداً لإسقاط النظام.

الأكثرية المتسلطة

ــ ألا تدركون مخاطر إسقاط الحكومة؟

– بعد كل ما جرى ثبت أن هذه الأكثرية الحاكمة هي أكثرية تسلط رغم أن الرئيس تمام بك سلام أعلن أن الحكومة ائتلافية وتعتمد التوافق المرن أي أن تتمثل مكونات الحكومة بالقرار، وان يوقع وزير عن التكتل بدل الأربعة، لكن اليوم وجدنا أن المراسيم وقّعت دون توقيع وزرائنا ووزيري حزب الله، ما يعني أن هناك 6 وزراء أصبح وجودهم كما حال غيابهم لا يقدم ولا يؤخر، رغم أنهم أقل من الثلث بقليل، وبالتالي ما فعلوه حركة متقدمة لها تفسيرها المرتبط بالوضع الإقليمي، إذ إن الفريق الآخر ينظر إلينا نحن وحزب الله أننا بعد الاتفاق النووي لن نكون في المشهد السياسي بعد شهرين أو ثلاثة أشهر، أي بعد لحظة موافقة الكونغرس الأميركي على الاتفاق وظهور النتائج العملية للاتفاق على الأرض، وان الحلول ستأتي على حسابنا، ولذلك يرفضون إعطاءنا أي شيء، ونحن ننظر إليهم بقراءة مختلفة لهذا الاتفاق، ونقول إن هؤلاء بعد شهرين أو ثلاثة أشهر لن يكونوا في المشهد السياسي، لكن الفارق بيننا أن نظرتهم إلغائية وممارستهم إلغائية، فيما نحن نسعى لمد اليد لتخفيف آثار الصدمات على البلد، بدليل استمرار حوار عين التينة وبدليل عدم هجومنا على تيار <المستقبل> بشكل عنيف بعد توقف الحوار بيننا بطريقة فجة وغير مستحبة، فيما استباحنا الرئيس نبيه بري بطريقة عنيفة وفتح النار علينا وقال انه لن ينتخب رئيساً لا يعترف بشرعية المجلس.

ــ أليس محقاً في ذلك؟

– هذه رسالة لحزب الله وليست لنا، لأنه عندما يقول السيد نصر الله انه ليس وسيطاً مع ميشال عون، بل هو طرف، وعندما يقول ان أحداً لن يستطيع استفراد حلفائنا في التيار، وعندما يقول ان أحداً لن يستطيع عزل التيار العوني أو إذا نزل التيار الى الشارع، وإذا اقتضى الأمر سوف ننزل معه لأن الأمر يستحق التضحيات، إنما يرد على الجميع ولذلك لا بد أن يسأل الرئيس بري نفسه عن هذه المعادلة رغم أننا لا نراهن على فك أي تحالف بين حركة <أمل> وحزب الله ولا نسعى الى ذلك، بل نمد يدنا في هذا الظرف الى الجميع.

ــ وكيف قرأت ما قاله السيد نصر الله من أن العماد عون هو الممر الإلزامي للاستحقاق الرئاسي؟

– لماذا نقف عند ظاهر المعاني ولا نذهب الى باطن المباني؟ فباطن المباني هو ان العماد عون هو الممر الإلزامي وان المفتاح معه، فإما أن يفتحه أو أن يغلقه ولم يتغير الحديث عن السابق.