21 September,2018

تضـــامن النـــواب المســــيحيين فـــي رفـــض التمديــــــد لمجــــلس النــــواب يســـقط «النصــــاب الميثــــاقي »... مــا لـــم يتــكرر اختــــراق أيــــار 2013!

 2

لم ينتظر نائب زحلة والمشرع النيابي وأستاذ القانون الدستوري النائب نقولا فتوش صدور مرسوم دعوة الهيئات الناخبة الذي وقّعه وزير الداخلية نهاد المشنوق وأحاله على الأمانة العامة لمجلس الوزراء ليحظى بتواقيع رئيس الحكومة تمام سلام والوزراء الـ22 الآخرين، فاغتنم فرصة دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري الى الجلسة العاشرة لانتخاب رئيس الجمهورية التي لم تنعقد، ليفجّر <قنبلته> المنتظرة منذ أسابيع: اقتراح قانون معجل مكرر بتمديد ولاية المجلس النيابي الحالي سنتين وسبعة أشهر أدرج في مادة وحيدة نصت على الآتي: <تنتهي ولاية مجلس النواب الحالي بتاريخ 20 حزيران/ يونيو 2017. وأرفق النائب فتوش اقتراح القانون بالأسباب الموجبة التي استندت خصوصاً عند <الظروف القاهرة> التي تمنع إجراء الانتخابات النيابية معطوفة على سيل من الاجتهادات من مراجع قانونية دولية تفتي بإمكان تمديد ولاية المجالس النيابية عندما يتعذر إجراء الانتخابات، وذلك لمنع حصول فراغ في السلطة الأم في الدول، أي السلطة التشريعية التي يتولاها مجلس النواب.

لا للتمديد بالتقسيط

وما ان أعلن فتوش عن تقديم اقتراحه الى الأمين العام لمجلس النواب عدنان ضاهر، حتى ضجت قاعة مجلس النواب في الحديث عن الاقتراح بعد تناسي أن الجلسة العاشرة لانتخاب الرئيس كانت مثل سابقاتها الثمانية حيث لم يكتمل نصاب الثلثين المطلوب لانتخاب الرئيس، علماً أن حصول الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية جعل نصاب انتخاب الرئيس في الجلسة الثانية والجلسات التي تلت الأكثرية المطلقة، أي النصف زائداً واحداً. ولعل ما كان يدور النقاش فيه سراً بات علنياً ومعه انهالت التعليقات التي لم تعكس بالنتيجة <المواقف النهائية> لمعظم الأطراف، وإن كانت قد حرّكت ملف الاستحقاق النيابي وجعلته يتقدم على ملف الاستحقاق الرئاسي، وذلك انطلاقاً من المقولة التي تحولت ثابتة لدى بعض الكتل النيابية من أن لا انتخابات نيابية قبل الانتخابات الرئاسية ولا يزال هناك الوقت الكافي قبل الدخول في الملف الانتخابي النيابي. وقد برر النائب فتوش مهلة السنتين وسبعة أشهر بأن الظروف تفرض التحوط من أي امتداد للشغور في الموقع الرئاسي لا سيما وان المناخ الاقليمي لم يتضح بعد للمشاركة في اتفاق سياسي قد تكون له تداعيات. ولفت فتوش الى ان المهلة المحددة في اقتراح القانون تعني ان المجلس أُعطي ولاية كاملة بعد الولاية الأولى التي انتهت في حزيران/ يونيو 2013، وان الافضل ألا يتم التمديد بالتقسيط، علماً انه ما ان تعود الأمور في البلاد الى طبيعتها بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية، يمكن انهاء ولاية المجلس سواء من خلال إصدار مرسوم بحله، أو من خلال الاستقالة الجماعية التي يقدمها النواب طوعاً.

وبالتزامن مع تقديم النائب فتوش اقتراحه مع 24 صفحة من الأسباب الموجبة، كانت الهيئات الأهلية توزع على النواب علباً فيها بندورة حمراء للاعتراض سلفاً على التمديد، لكن هذه <الهدايا> استُقبلت <بروح رياضية> من النواب ولم تتفاعل كما كان يتمنى شركاء الهيئات الأهلية الذين أطلقوا حملة دعائية وإعلامية منظمة للدفاع عن مواقفهم. ويتوقع أن يأخذ اعتراض الهيئات الأهلية سلوكاً آخر خلال الأسبوعين المقبلين لممارسة الضغط لعدم حصول التمديد ولإحراج النواب في ما لو مضوا في دعم اقتراح القانون الذي قدمه النائب فتوش.

وكما كان متوقعاً، فإن المواقف والتعليقات التي صدرت تباعاً من الكتل النيابية مع رؤسائها، «حفظت خط الرجعة> بين رافض بالمطلق الى متحفظ… الى قابل على مضض أو مبرر أسباب التمديد، وسط معطيات تؤكد أن الاقتراح سيحظى بالموافقة عاجلاً أم آجلاً، لاسيما وان النصاب المطلوب لانعقاد جلسة مجلس النواب التي يمكن أن تشهد إقراراً للتمديد، هو الأكثرية المطلقة (وليس غالبية الثلثين كما هو الحال بالنسبة الى جلسة رئيس الجمهورية)، فيما التصويت يتم وفقاً للأصول أي توافر أكثرية الحاضرين في الجلسة التشريعية. صحيح ان الرئيس بري أعلن معارضة التمديد لمجلس النواب <لأن مجلساً مقفلاً لا يستحق التمديد>، إلا ان الواقع الراهن لهذا الاستحقاق يظهر ان ما هو معلن في المواقف يختلف عما هو غير معلن، وان <التبريرات> التي يقدمها رؤساء الكتل خصوصاً تندرج  في خط المزايدات السياسية بحيث يتريث بعض الأفرقاء للإدلاء بمواقفهم بانتظار ردود الفعل على مؤيدي الفكرة.

مواقف الكتل بين رافض ومتحفظ ومؤيد

ويمكن من خلال المواقف المعلنة رسم مشهد التعاطي مع اقتراح النائب فتوش كالآتي:

– الرئيس بري وكتلته يعارضون التمديد لكنهم يحترمون في المقابل إرادة النواب إن هم وفروا أكثرية تؤمن انعقاد الجلسة والتصويت على مواضيعها وبنودها. أما الحليف الآخر في <الثنائية الشيعية> أي حزب الله، فلا يبدي اهتماماً بالغاً بالموضوع على أساس أن حصول الانتخابات أو عدم حصولها لن يفقد الحزب قوته وحضوره وتمايزه.

– الرئيس سعد الحريري، ومعه نواب كتلة <المستقبل> أعلن قبوله بـ<جريمة> التمديد كما سماها، على أساس ان التمديد هو آخر خيار يمكن أن يقبل به.

– النائب وليد جنبلاط مع نواب <جبهة النضال الوطني> و<اللقاء الديموقراطي> سيسير في التمديد المجلسي إذا كان ذلك لأسباب تقنية مختلفة، على أن يكون التمديد لمدة لا تزيد عن ستة أشهر أو ثلث سنة، وأن يلتزم النواب بانتخاب رئيس جديد للجمهورية فور حصول التمديد.

– النائب العماد ميشال عون يقف مع نواب التيار الوطني الحر ضد التمديد جملة وتفصيلاً كما حصل عند التمديد الأول، مع الاستعداد – هذه المرة أيضاً – على سلوك طريق المجلس الدستوري للطعن بالقانون فور صدوره في الجريدة الرسمية. ورغم أن التجربة الأولى لم تكن مشجعة بين العماد عون وحليفيه حزب الله وتيار <المردة>، فإن ذلك لن يغيّر من قناعة <الجنرال> بضرورة اجراء الانتخابات في موعدها وعدم اللجوء الى التمديد، حتى لو خالفه في هذا الموقف معظم حلفائه.

– رئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع كان قد أعلن سلفاً باسمه واسم كتلته انه «لن يسير> في التمديد كما حصل في المرة الماضية في حزيران /يونيو 2013، وجعجع سوف يلتزم هذا الموقف – على حد قول كبار معاونيه – كما حصل في المرة السابقة.

– الرئيس أمين الجميل ونواب حزب الكتائب يرفضون في المبدأ قرار التمديد إلا أنهم يتعاطون مع هذا الملف بواقعية، ولن يكون مستغرباً حضور نواب الحزب الجلسة التي سيدعو الرئيس بري الى عقدها لانتخاب الرئيس الجديد والتصويت لصالح قانون التمديد.

– على جبهة المستقلين، تختلف الصورة بعض الشيء إذ يتوزع هؤلاء بين من يرفض التمديد المجلسي علناً ويقبل به سراً، وبين من أعلن تأييده التمديد لمنع تسلل الفراغ الى مؤسسة مجلس النواب القادرة على القيام بدورها التشريعي الكامل.

– أما الكتل النيابية الصغيرة، مثل كتلة الرئيس نجيب ميقاتي والحزب السوري القومي الاجتماعي، و<حزب البعث> فهي تدعم توجه التمديد لأن الظروف غير مؤاتية اليوم لإجراء الانتخابات وفي يوم واحد!

تضامن النواب المسيحيين يسقط التمديد

حيال هذا الواقع، قالت مصادر معنية لـ <الأفكار> ان التقاء النواب المسيحيين على رفض التمديد  للمجلس النيابي سيجعل عملية التصويت مستحيلة، لأن أي قانون لا تتوافر له <الصيغة الميثاقية> المعروفة، لا يمكن أن يطبق إضافة الى أن القاعدة التي اعتمدها الرئيس بري في عقد الجلسات النيابية تقوم على عدم افتتاح أي جلسة لا يتوافر فيها <النصاب الميثاقي> بمعنى أن غياب نواب يمثلون أي مكوّن من المكونات اللبنانية، مسيحية كانت أم إسلامية، <يسقط> فوراً إمكانية عقد الجلسة، من هنا، تقول مصادر نيابية معنية، انه إذا كانت المعارضة المسيحية للتمديد لمجلس النواب جدية، فإنه لا بد من موقف مسيحي موحد من نواب تكتل التغيير والاصلاح والكتائب والقوات اللبنانية يجعل  إمكانية عقد جلسة ميثاقية مستحيلة. أما إذا بقي التيار العوني وحده في معارضة التمديد المجلسي، وخرج حزب القوات أو الكتائب عن هذا الموقف، كما حصل بالنسبة الى التمديد المجلسي الأول، وكذلك لدى درس <القانون الارثوذكسي>، فإن التمديد يصبح أمراً واقعاً لاسيما وأنه لا يحتاج الى غالبية الثلثين، كما هو الحال بالنسبة الى نصاب انتخاب الرئيس، بل الأكثرية العادية اي 65 نائباً لاكتمال النصاب، وأكثرية النصف زائداً واحداً (من أصل 65 نائباً) لإقرار القانون. وفيما تجزم مصادر العماد عون ان نواب تياره سيبقون خارج اي طبخة للتمديد استناداً الى موقف مبدئي يسري على كل المواقع في الدولة بصرف النظر عن الحجج المنطقية والأمنية والسياسية،  فإنها لا تستطيع أن تجزم ما ستكون عليه مواقف نواب تيار <المردة> والنواب الأرمن وغيرهم  من النواب الحلفاء لأن تجربة التمديد المجلسي الأول جعلت كل هؤلاء خارج الموقف العوني في رفض التمديد.

سيناريو يواكب التمديد

وفي هذا السياق، يبدو فريق العاملين للتمديد <مرتاحاً> الى ان التمديد المجلسي حاصل لا محالة وأن <السيناريو> الذي سيسبقه ويليه، يقوم على الآتي:

1 – إنجاز ملفات عالقة في الهيئة العامة أو اللجان المشتركة ولا سيما منها سلسلة الرتب والرواتب، وقد بدأت طلائع <تسهيل> عملية الإنجاز هذه تظهر من خلال الاجتماعات التي تتوالى بحثاً عن مخارج تؤدي الى إقرار السلسلة من خلال تنازلات من هنا، وتعديلات من هناك. وفي المعلومات ان ثمة صيغة مبدئية ثم التواصل إليها تحتاج الى بعض <الرتوش> لتصبح مقبولة من الأكثرية اللازمة من النواب لتأمين إقرار السلسلة.

2 – الإجازة للحكومة لإصدار سندات <يوروبوند> لتغطية تسديد الديون المستحقة هذه السنة والبالغة 800 مليون دولار لأن عدم تسديد هذه الديون يسيء الى سمعة لبنان المالية الاقتصادية، لا سيما تجاه المؤسسات المقرضة والبنك الدولي والصندوق الدولي.

3 – تشريع انفاق وزارة المال على الرواتب والأجور للعاملين في القطاع العام المدنيين والعسكريين والمتقاعدين بعدما اتضح ان المال الاحتياطي الذي يتم صرف هذه الرواتب منه، <ينضب> في شهر أيلول/ سبتمبر المقبل، في وقت يصر فيه الرئيس نبيه بري ومعه وزير المال علي حسن خليل على أن أي انفاق لا بد من <قوننته> للسير به.

4 – انهاء ملف الـ11 مليار دولار التي أنفقت من خارج الموازنة في حكومات الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري من العام 2006 الى العام 2010، والتي لم تصدر قوانين في مجلس النواب لتغطيتها.

5 – ينصرف مجلس النواب بعد تمديد ولايته الى التركيز على ملف الاستحقاق الرئاسي بالتزامن مع بحث في قانون جديد للانتخابات النيابية التي سوف تجرى بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، إضافة الى درس وإقرار موازنتي 2014 و2015، والبت في قانون الإيجارات مجدداً، وكذلك في الحاجة المستجدة وهي <قوننة> قرار وزير التربية والتعليم العالي الياس بوصعب إعطاء إفادات للمتقدمين الىالامتحانات الرسمية بعد تعثر تصحيح المسابقات نتيجة إضراب المعلمين وهيئة التنسيق النقابية، كما حصل في أواخر الثمانينات.

الحكومة تعرقل… ولا تلغي

10

في أي حال، تبدي المصادر المتابعة لملف التمديد لمجلس النواب حرصاً على حسم موقف النواب المسيحيين من  غير التيار الوطني الحر، بحيث لا يتضامن هؤلاء مع «الموجة المسيحية» الاعتراضية، لاسيما نواب الكتائب و<المردة> و<المستقلين> والأرمن، لأن نواب <القوات> يلتقون مع نواب عون في رفض التمديد، ومتى تحقق <الفصل> بين النواب المسيحيين يمكن تمرير قانون التمديد المجلسي. أما في ما خص المخاوف التي أوردها بعض هؤلاء العاملين على خط التمديد من عرقلة وزير أو أكثر في مجلس الوزراء توقيع نشر القانون لدى ممارسة صلاحية رئيس الجمهورية في نشر القوانين، الأمر الذي يجمّد مفاعيل القانون، فإن مصادر قانونية أشارت الى أن هذه العرقلة – فيما لو حصلت – تؤخر نشر القانون لفترة وجيزة، لأن القانون يصبح نافذاً بعد شهر من إقراره إذا امتنع رئيس الجمهورية عن نشره، وبالتالي فإن صلاحية <العرقلة> تكون في عهدة وزير أو أكثر في الحكومة لمدة شهر فقط وتسقط بعد ذلك فوراً، لأن إمكانية رد القانون الى مجلس النواب (وهي صلاحية يمارسها رئيس الجمهورية) غير واردة لأن الأمر يحتاج الى 24 توقيعاً وزارياً، علماً ان الاجماع داخل الحكومة حول هذا الملف غير متوافر!

والى أن يحسم النواب أمر تمديد ولايتهم أو عدم التمديد، فإن الحكومة  حسمت هي الأخرى موقفها من إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، لأن مرسوم دعوة الهيئات الناخبة الذي أعده الوزير نهاد المشنوق  حظي يوم الثلثاء الماضي بتواقيع الوزراء ونشر في ملحق الجريدة الرسمية ليصبح نافذاً وفقاً للأصول المعتمدة في ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية،  علماً أن وزير الداخلية كان قد أكد مراراً خلال الأسبوع الماضي أن الأجهزة الأمنية هي التي نصحت بتأجيل الانتخابات النيابية، وانه وجد من واجبه ابلاغ رئيسي المجلس النيابي والحكومي بالمعطيات الأمنية التي تجعله يستبعد إجراء الانتخابات النيابية لاسيما وأن القانون النافذ يقضي بإجرائها في يوم واحد في كل الأراضي اللبنانية، فهل في مقدور الأجهزة الأمنية، لاسيما الجيش المنتشر في أوضاع قتالية في الجنوب والبقاع والشمال وبعض الجبل،  من أن يساند قوى الأمن الداخلي في هذه المهمة الواسعة، وهل سيكون من السهل على قوى الأمن دخول بعض المناطق التي تشهد اضطرابات تقليدية؟

أسئلة تنتظر أجوبة في ظل سباق بين دعاة التمديد المجلسي ورافضيه.. فمن يسبق مَنْ؟