19 February,2020

تصنيف ”طائفي“ للنازحين في لبنان يجعل عودتهم متأخرة في انتظار الحل السياسي!

  

قضية النازحين السوريين في لبنان تبقى الهاجس الأكبر لدى المسؤولين اللبنانيين الذين يحملون معهم هذا الملف أينما حلّوا، وكلما استقبلوا موفداً دولياً أو اقليمياً أو عربياً.

في جامعة الدول العربية، كما في الأمم المتحدة تبقى <الصرخة> اللبنانية واحدة، وهي ضرورة عودة النازحين السوريين، لأن لبنان لم يعد في مقدوره استقبال المزيد منهم من جهة، وتقديم الدعم المطلوب لهم من جهة ثانية. وقد واجه المسؤولون في لبنان الكثير من الصعوبات في اقناع المجتمع الدولي بأهمية عودة النازحين ليس بالنسبة الى لبنان فقط، بل بالنسبة الى السوريين أنفسهم الذين إن غابوا طويلاً عن أرضهم وممتلكاتهم فقد يأتي يوم ويفقدون حقوقهم كما حصل مع الفلسطينيين اللاجئين في دول الشتات.

ولعل ما أقلق المسؤولون في لبنان هو عدم تجاوب ثلاثة من أربعة دول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، مع الدعوة اللبنانية التي تزداد يوماً بعد يوم نتيجة الأضرار التي لحقت بالاقتصاد اللبناني وبكل القطاعات. وقد حاول مراراً رئيس الجمهورية العماد ميشال عون اقناع زواره الدوليين والأمميين بوجهة نظر لبنان، إلا انه كان يصطدم دائماً بردة فعل واحدة تتلخص بالقول <عندما يعود السلام الى الربوع السورية كافة… يمكن لهؤلاء السوريين أن يعودوا>. وردة الفعل هذه تثير لدى المسؤولين اللبنانيين الكثير من الاستهجان وترفع منسوب القلق لديهم، خصوصاً بعد المعلومات التي أكدها الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> خلال اللقاء الذي جمعه مع الرئيس عون في الجناح الفرنسي من مبنى الأمم المتحدة، وذلك عندما قال إنه يستبعد ان تنهي العودة السورية البطيئة أو الممرحلة الواقع القائم ميدانياً، خصوصاً مع بروز تضارب في وجهات النظر بين من يعتبر العودة مسهلة من السلطة السورية القائمة، وبين من يقول بالمنطق الأميركي الذي جاء به نائب وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط <دايفيد شينكر> وخلاصته ان الرئيس السوري بشار الأسد، لا ينوي إعادة النازحين السوريين ولاسيما منهم المسلمين السنة، وذلك للتقليل من الفوارق الكبيرة بين عدد السنة في سوريا وعدد العلويين خصوصاً ان غالبية النازحين هم من السوريين السنة.

معادلة تخلط الأوراق!

وتقول مصادر مطلعة ان مثل هذه المعادلة التي برزت مؤخراً الى العلن بعدما كانت تجري في لقاءات جانبية وبعيدة عن الإعلام، من شأنها أن تعيد خلط أوراق كثيرة في الدول التي تستقبل نازحين فيها لما يمكن أن يشكل هذا <التبرير> من واقع جديد قد يكون من الصعب النفاد منه، خصوصاً إذا ما لقي تعاطفاً من مكون طائفي أو مذهبي، أو أكثر، الأمر الذي يستوجب اعتماد استراتيجية جديدة في متابعة قضية النازحين، لئلا يؤدي تناولها على هذا النحو الى حالة من الفوضى الأمنية التي قد يكون من السهل معرفة متى تبدأ وكيف، لكن الصعوبة في توقع توقيت انتهائها وتداعياتها.

لذلك سعى لبنان لدى المجتمع الدولي ــ تقول المصادر نفسها ــ الى نقل المساعدات التي تقدم للنازحين في لبنان، الى النازحين أنفسهم لكن داخل الأراضي السورية، لكن هذا المسعى كان يصطدم بجواب واحد خلاصته ان الوضع الأمني <غير مكتمل> في سوريا، وان الخطر لا يزال يهدد العائدين، إضافة الى حديث عن ضرورة التحاق العائدين بالجيش السوري لأداء خدمة العلم. وعلى رغم من عدم وجود اي اثبات يشير الى تعرض السوريين العائدين طوعاً من لبنان، الى مضايقات من الحكومة السورية وأجهزتها، فإن الموقف الدولي من هذه الحقيقة لا يزال على حاله من الرفض غير المبرر سوى بأن الوضع الأمني لا يزال هشاً.

وثمة من يرى ان المجتمع الدولي يحاول أن يستغل واقع النازحين المزري وآلامهم بهدف الضغط على الدول المضيفة، ومنها لبنان، لابقائهم من دون أي شرط، واستعمال ورقة النازحين عندما تأتي الساعة التي يبصر فيها الحل الحقيقي النور للأزمة السورية، لاسيما بعدما قيل عن انجاز تشكيل اللجنة الدستورية في سوريا التي ستتولى وضع النص الجديد لصيغة الدستور السوري. لذلك يبدو واضحاً ان <صرخة> الرئيس عون في نيويورك وغيرها ستبقى من دون صدى في الوقت الراهن، لاسيما وان المبادرة الروسية مجمدة هي الأخرى تنتظر الفرج الذي لم يأت من جلسات <الاستانة>، ولا

من جنيف حيث عقدت اجتماعات ظلت من دون نتيجة.

وآخر نموذج لردود الفعل على <الصرخة> الرئاسية، كان في موقف الرئيس الفرنسي <ماكرون> خلال اللقاء مع الرئيس عون في نيويورك عندما أصغى جيداً الى عرض نظيره اللبناني حول تداعيات مسألة النزوح السوري على لبنان، فنوه بالتضحيات التي يقدمها الشعب اللبناني في التعامل مع النازحين، لكنه في المقابل لم يبد رأياً حاسماً بضرورة عودة النازحين مكتفياً بالقول إن أسباب عدم العودة قد لا تكون فقط اقتصادية، بل سياسية وأمنية… وعندما قيل للرئيس <ماكرون> ان التفاوض قد يطول سواء تم عبر مسار <الاستانة> أو عبر مسار جنيف، رد الرئيس الفرنسي بأنه عندما أطلق مبادرة <بياريتز> كان على يقين بأن تفاهماً بين إيران وسوريا من جهة، وبين ما يعرف بدول الغرب، من شأنه أن يقود المشهد السياسي الى أمكنة أخرى لها ايجابياتها كما سلبياتها.

وفي انتظار التوافق على مخرج بالنسبة الى السوريين في لبنان لاسيما لجهة تسهيل عودتهم الطوعية الى بلادهم، يبقى ملفهم مفتوحاً على احتمالات عدة بعضها مقلق والبعض الآخر متفائل بامكانية حصول <معجزة>… علماً ان زمان المعجزات لم يعد له سوق في الحياة السياسية اللبنانية!