20 November,2018

تشكيــل الحكومــــة فـــرض وطـنــــي لـدخـــــول الـمـؤتـمــــر الـخـــاص بـلـبـــــنـان فـــي بـــــاريــس!

 

بقلم وليد عوض

hollande-hariri---2

غداً يوم آخر. فلا يمكن أن تستمر الحياة السياسية في لبنان على ما هي عليه الآن. لقد كانت مرحلة انتخاب الرئيس ميشال عون من صنع لبنان فعلاً، ولم تقع تحت تأثير خارجي، ولكن الذين غابوا عن فرض تأثيرهم على انتخاب ميشال عون، يحاولون الآن استرداد المبادرة بحيث يكون لهم دور وازن في تشكيل الحكومة، وتوزيع الحقائب، واختيار الرجال المطلوبين لهذه الوزارات، وحسب المصالح التي هي أهم من السياسات. وأكثر الذين يشعرون بالضغط الخارجي هما رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، والرئيس المكلف سعد الحريري. فلا يجتازان عقبة حتى تبرز أمامهما عقبة أخرى.

في النهاية لا بد للكتاب أن يصل الى صفحته الأخيرة، وللمسرحية أن تسدل ستارها، لأن دوام الحال من المحال.

وفتح الستارة على الغد واليوم الآخر، يقتضي، كما قال سعد الحريري، أن يكون التعاطي مع الشأن السياسي عابراً للطوائف، وخالياً من شوائب المذهبية. وهذه مصر تضم أكثر من عشرة ملايين مسيحي قبطي، ولكن تشكيل الحكومات كان يتم ولا يزال على أساس كفاءات الرجال، لا انتماءات الرجال. فلا تكون حقيبة الموارد المائية موكولة الى رجل عادي، أو قطب حزبي، بل الى رجل اختصاص يعمل بأحدث الوسائل التقنية، ولا تكون وزارة الاقتصاد والتجارة في يد محام، أو طبيب، بل في يد رجل آتٍ من صلب العمل الاقتصادي وورش المشاريع المالية والنقدية. وقد جاء حين من الدهر على عهد جمال عبد الناصر في مصر كان في الحكومة قبطي واحد هو كمال رمزي استينو وزير التموين. والمثال ينسحب كذلك على مملكة الأردن حيث تم اختيار الوزراء من قبل الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء هاني الملقي على أساس تخصصهم المهني، لا على أساس حضورهم الحزبي. وقس على ذلك في البلدان التي تحترم أصول الديموقراطية.

والحكومة اللبنانية الجديدة يمكن تسميتها بحكومة الطوائف، بحيث يكون لكل طائفة حصتها من المقاعد الوزارية حتى لو كان الوزير موضوع الاقتراح من خارج الاختصاص. يكفي مثلاً أن يكون من القوات اللبنانية، وآتياً من تحت غطائها لا بمواهبه الهندسية والقانونية والطبية أو المصرفية. ولو كنا في المدينة الفاضلة التي تحدث عنها الفارابي، لتجاوزنا الأوزان الحزبية، وجئنا بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وزيراً للمال، وبالوزير السابق عدنان القصار وزيراً للاقتصاد، والبروفيسور فيليب سالم وزيراً للصحة، وعبد الله أبو حبيب وزيراً للخارجية، وهكذا دواليك. ولكنها أحلام يعز تحقيقها في التركيبة اللبنانية الراهنة.

وثمة من يقول بأن الاعتبارات الحزبية تتخطى المثاليات، وان النوازع الطائفية لبلد يضم سبع عشرة طائفة، هي الركن الأساسي في تشكيل الحكومات، فها هو الرئيس الأميركي الجديد <دونالد ترامب> يختار وزراءه من بيئة الحزب الجمهوري، ومن الذين يشاركونه أفكاره السياسية والاقتصادية والعنصرية مثل طرد ثلاثة ملايين أميركي من أصول غير أميركية من البلاد.

نحن و<دونالد ترامب>!

 

زعيم اميركي يختلف عمن سبقوه من الاصلاحيين مثل <جورج واشنطن> باني الولايات المتحدة، و<ابراهام لنكولن> محرر العبيد، ولو أنه دفع ثمن ذلك رصاصة في صدره وهو جالس في مقصورة أحد المسارح، أو <فرانكلين روزفلت> شريك مؤتمر <يالطا>، مدخل السلام بين الأقوياء، أو الرئيس <دوايت أيزنهاور> الذي أجبر اسرائيل على الخروج من سيناء عام 1956، أو <جورج بوش الأب> الذي هدد رئيس وزراء اسرائيل <اسحق شامير> بقطع المساعدات المالية الأميركية عن اسرائيل إذا ركب رأسه وقاطع مؤتمر السلام الذي دعا إليه في العاصمة الاسبانية <مدريد>. وكل ما يتمناه العقل العربي أن يكون <دونالد ترامب> أقرب الى هؤلاء، لا الى <جورج بوش الابن> بطل المغطس العراقي، أو <باراك أوباما> الذي وعد العرب بالسلام من منبر جامعة القاهرة في حزيران (يونيو) 2010 وذهب هذا الوعد المعسول ولم يعد!!

نحن لا ندري أي مستقبل ينتظرنا مع الرئيس الجمهوري الملياردير <دونالد ترامب>، وهو على هذا القدر من التعصب العرقي والكراهية للمسلمين والملونين من سكان الولايات المتحدة. ولكن أمامنا قصة البابا القديم الذي كان وهو كاردينال يستظل شجرة في روما مع ثلاثة كرادلة من أصحاب النزعة الاصلاحية، طبعاً قبل أن يتسلم كرسي البابوية، واتفق الأربعة على فتح باب الاصلاح إذا وصل أحدهم الى السدة البابوية. وبالفعل انتقل البابا الى رحمة الله، وأتيح لأحد الكرادلة الأربعة أن يصبح هو سيد الفاتيكان، ومرت شهور دون أن يصدر عن البابا الجديد أي توجه الى تنفيذ اتفاق ما تحت الشجرة، فتوجه الثلاثة الى رابعهم تحت الشجرة، وذكروه بالاصلاح الذي اتفقوا عليه، فتبسم البابا الجديد والكاردينال القديم وقال لهم:

ــ شوفوا أيها السادة، إن منظر روما من تحت الشجرة شيء ومنظرها من شرفة الفاتيكان شيء آخر!

Kahwaji-(1)----11درس من <كاسترو>!

وعسى أن يكون <دونالد ترامب> قد اكتشف وهو يزور الرئيس <أوباما> في البيت الأبيض ان منظر واشنطن من تحت الشجرة شيء، ومنظرها من شرفة البيت الأبيض شيء آخر!

ولا بد أن يكون <ترامب> قد قرأ تاريخ الزعيم الكوبي <فيديل كاسترو> الراحل بالأمس، وأدرك عطف التاريخ على مثل هؤلاء الرجال، أي مثل <الكومندانتي> باني نهضة كوبا ومحررها، و<نلسون مانديـــــلا> محـــرر جنــوب افريقيــــــــا مــــن الفـــــرز العنصري، وهذه المساحة الكبيرة في ضمير الرأي العام العالمي، يجب أن تؤخذ في اعتبار الرئيس <ترامب> وغيره من زعماء العالم الراغبين في التغيير. ولو أنه وصف <كاسترو> بعد موته بالزعيم المتوحش!

وحسب <كاسترو> الذي أسقط حكم <باتيستا> عام 1959، أن يكون قد قاوم الارادة الأميركية بشخص الرئيس <جون كينيدي> في معركة <خليج الجنازير> حيث هاجمته الولايات المتحدة بعد تأميمه الشركات الأميركية العاملة في كوبا، واشتباكه مع الرئيس الأميركي <جون كينيدي> عام 1961 بالصواريخ السوفييتية الجاهزة للانطلاق، التي تراجعت بعدما فكت الولايات المتحدة حصارها، وهي أقرب الدول الى كوبا جغرافياً، من حيث مجاورتها لولاية فلوريدا بمسافة 147 كيلومتراً فقط. وفي حصار 1961 كان المنتصر الرئيس السوفييتي <نيكيتا خروتشيف> لا <جون كينيدي>، وسيقت بعد ذلك الى كوبا تهمة اغتيال الرئيس <كينيدي> على أبواب مدينة <دالاس> ببندقية <لي أوزوالد>.

وقنوات التواصل الاجتماعي الأميركية ترسم الرئيس <ترامب> كما يأتي: لا أحد يعرف ما إذا كان يميل الى اليمين أم الى اليسار، وهو عدو للمهاجرين، وبرنامجه السياسي غامض حتى الآن، وهو في سبيل تغيير الموقف الأميركي من أمرين: إعادة قراءة للاتفاق النووي مع إيران، وقراءة جديدة للحلف الأطلسي بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وإعادة قراءة قرارات باريس لحماية المناخ، مع عقل منفتح على الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>.

ومع الانفتاح على <بوتين> يقترب <ترامب> من سياسة الرئيس الروسي في سوريا، أي مع عدم إزاحة الرئيس بشار الأسد في الوقت الحاضر، ويلتقي في ذلك مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

وبالنا الآن مشغول على بلدة شبعا التي يخاف الرئيس نبيه بري أن تتحول الى عرسال أخرى، فترتادها الميليشيات الارهابية وتجدها اسرائيل فرصة للانقضاض على البلدة، فيشهر الجيش اللبناني سلاحه للدفاع عن شبعا والجوار. وأن ترنو أنظار كل اللبنانيين الى الجيش اللبناني دليل على أن الأمان والاستقرار وسلامة الحياة اليومية مربوطة بالجيش اللبناني الذي هو الآن الضمير الوطني الذي لا يعلو على سلاحه أي سلاح، كما قال الرئيس سعد الحريري في مهرجان <تيار المستقبل> تحت قبة مجمع <البيال>.

من هنا، من الجيش القوي المتماسك المفطور للملمات الصعبة، تكون البداية في العهد الجديد، عهد الرئيس ميشال عون، والباقي مجرد تفاصيل، وينسحب ذلك على المؤتمر الذي يدعو إليه الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> في باريس مع مطلع العام المقبل من أجل لبنان، وحاجة لبنان الآن هي مواجهة هذا العبء الكبير المتمثل في النازحين السوريين وما يتطلبه نزوحهم من مسؤوليات تترتب على الدولة اللبنانية والمجتمع المدني، وليس كفرنسا والاتحاد الأوروبي من يدرك معنى تدفق المهاجرين، حتى ان الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> يهدد أوروبا بترك طوفان المهاجرين يعبر من تركيا الى الدول الأوروبية إذا لم يفتح له باب الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، وهذا في نظر الأوروبيين كارثة اجتماعية واقتصادية ومالية.

ومن أجل هذا المؤتمر الخاص بلبنان في باريس يجب أن تتشكل حكومة سعد الحريري، ولا يواجه المؤتمر عند لبنان حالة ضياع، فتنقلب عليه الموازين.

وهذا ما يدركه الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري ويتعين على الآخرين أن… يفطنوا إليه ويدركوه!

وما خاب من نظر الى.. بعيد!