20 September,2018

تسوية“ متكافئة على خط بعبدا - ”بيت الوسط“ لم تصل مفاعيلها الى عين التينة فاستمرّت التجاذبات!

الحريري-عون-1
لم تكن مصادفة ألا تتضمن رسالة الاستقلال الأولى في عهد الرئيس العماد ميشال عون أية إشارة الى تشكيل الحكومة الجديدة، ولا كذلك الكلمة المقتضبة التي ألقاها رئيس الجمهورية في حفلة إعادة <علم الشعب الى بيت الشعب>… ذلك أن الرئيس عون كان يشعر بأن التركيبة الحكومية لن تبصر النور قبل عيد الاستقلال، وإن كان الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الرئيس سعد الحريري الذي زار قصر بعبدا مرتين في أقل من 48 ساعة، مرة زيارة خارج إطار الإعلام، ومرة التقى فيها الصحافيين و<دردش> معهم، قد حرص على توجيه رسالة مباشرة عشية عيد الاستقلال، ومن قصر بعبدا بالذات، بأنه اتفق مع الرئيس عون على كل ما يتصل بمطالب الرئاسة والتيار الوطني الحر، في وقت لا تزال المشاورات جارية مع الرئيس نبيه بري وفريق عمله لإيجاد مخرج يؤمن صدور مراسيم الحكومة الجديدة.

وفي الوقت الذي تمكن فيه الرئيس الحريري بالتفاهم مع الرئيس عون من حل <أزمة> الوزارات السيادية بتوزيعها على السنة (نهاد المشنوق في الداخلية) والشيعة (علي حسن خليل في المالية) والموارنة (جبران باسيل في الخارجية) والأرثوذكس لوزارة الدفاع من خلال وزير يتم البحث عن تسميته في لحظة إصدار المراسيم… فإن العقد التي استمرت لم تكن سهلة نتيجة التنازع الحاد بين الاطراف الأساسية على الحقائب الأساسية (الخدماتية) التي تفيد المعنيين في زمن الانتخابات النيابية، إضافة الى حال التشنج التي أفرزتها السجالات المباشرة وغير المباشرة بين قصر بعبدا ومقر الرئاسة الثانية في عين التينة، والتي استمرت متقطعة الى ما قبيل الاحتفالات بعيد الاستقلال التي جمعت رئيس الجمهورية برئيس مجلس النواب والرئيس المكلف، وكان الشاهد على كل ذلك رئيس حكومة تصريف الأعمال الرئيس تمام سلام الذي ينتظر بفارغ الصبر تسليم الامانة الى الرئيس الحريري.

 

بري لم يقتنع….

 

وفي مقابل التوافق الذي تم بين الرئيس عون والرئيس المكلف حول الحقائب <الاكسترا> التي كانت قد عرقلت التأليف من خلال مطالبة فريق التيار الوطني الحر بحقائب محددة، ورغبة الرئيس عون في أن تتألف <حصته> من الحكومة من وزيرين شيعي وسني إضافة الى الوزير الماروني، فإن الرئيس نبيه بري، المكلف من فريق 8 آذار عموماً وحزب الله خصوصاً، متابعة <مفاوضات التأليف> لم <يقتنع> بضرورة إعطاء رئيس الجمهورية وزيراً شيعياً من حصته لأن <الثنائية الشيعية> راغبة في أن توزع في ما بينها التمثيل الشيعي من دون <شريك>، إضافة الى تمسكه أيضاً بإعطاء ممثل رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية، حقيبة خدمات أساسية، ستُنتزع حكماً من الحصة المسيحية الموزعة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والتي يبدو أنها باتت هدف معارضي ما وصفوه بـ<نفخ القوات> التي حرصت قيادتها على تسهيل مهمة الرئيس المكلف، فتنازلت عن حقيبة الدفاع ثم الاتصالات وسوف ترضى بما سيُعطى لها شرط أن تكون الحصة ثلاثية الحقائب بينها واحدة خدماتية أساسية، والباقي وزارات عادية. أما منصب نائب الرئيس الذي رشحت مصادر المعلومات أن يُسند الى الوزير <القواتي> الذي سوف يسميه الدكتور سمير جعجع، فقد بات من الثوابت الحكومية، وإن كان البحث قائماً عمن سيتولى هذه الحقيبة والذي يفترض أن يكون مخضرماً في السياسة وشغل مواقع وزارية لأنه يتولى حكماً رئاسة اللجان الوزارية التي تضم وزراء قد يتقدمون عليه من حيث أقدمية توزيرهم أو موقعهم السياسي.

 

فتأخرت ولادة الحكومة!

 

وأظهرت المعطيات التي برزت قبيل الاحتفال بعيد الاستقلال، أن التوتر العالي الذي ساد بين بعبدا وعين التينة بعد موقف الرئيس عون في بكركي مما سماه <الوهن> الذي أصاب مؤسسات الدولة نتيجة التمديد لمجلس النواب مرتين، شكل أحد الأسباب الأساسية في تأخر ولادة الحكومة لأن الرئيس بري متمسك ببقاء وزارة الأشغال من حصته، إضافة الى وزارة المالية، ويرفض بالتالي أن يسمي أحد وزيراً شيعياً لا تقترحه <الثنائية الشيعية> سواء كانت التركيبة الحكومية من 24 وزيراً أو من 30 وزيراً. وفي هذا السياق، ترى مصادر سياسية أن زيادة عدد الوزراء الى 30 وزيراً قد تكون <المخرج> الملائم لإرضاء <شهية الاستيزار> المتفشية في كل البيوتات السياسية اللبنانية على نحو لافت، لأن إضافة 6 وزراء الى تركيبة الـ24، تتيح تخصيص كل طائفة من الطوائف الست الأساسية بوزير دولة، علماً أنه في قدرة رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء زيادة حصتيهما بوزير إضافي، فيأخذ الرئيس الحريري  – مثلاً  – وزيراً مسيحياً الى جانب مستشاره الدكتور غطاس خوري، فيما ينال العماد عون حق تسمية وزير سني قد يكون الوزير السابق عبد الرحيم مراد الذي تردد أن قيادة المقاومة <تمنّت> أن يُعطى حقيبة تتناغم ودوره وحضوره، فكانت تلك الرغبة الفعلية الأبرز والتي ظهرت من قبل المقاومة والكتلة النيابية الخاصة بها.

وترفض مصادر متابعة القول بأن طريق التفاهم مع الرئيس بري ليس معبداً، بدليل أن باب الحوار بقي مفتوحاً على رغم التشنجات التي برزت على أثر تصريح الرئيس الحريري حول الجهة التي تعيق التأليف بقوله للصحافيين <اسألوه> والرد المباشر للرئيس بري حول عدم احترام القواعد والأصول خلال التأليف. وقد دفع هذا الموقف لرئيس مجلس النواب، معطوفاً على مواقف أخرى، الى اعتبار مصادر متابعة بأن دور الرئيس بري لا يقتصر على ضمان الحصة الشيعية، بل يتعدى ذلك الى تكريس حق زعيم <المردة> النائب سليمان فرنجية في الحصول على حقيبة وازنة لأنه تصرف خلال مراحل ما قبل انتخاب العماد عون رئيساً على نحو زاد منسوب الثقة بينه وبين حزب الله، لاسيما حين قاطع جلسات انتخاب الرئيس مع علمه أن حضوره كان سوف يؤدي الى انتخابه هو رئيساً للجمهورية في الدورة الثانية. ولعل الروايات التي أوردها الرئيس بري بعيد مواقف الرئيس عون في بكركي وبعض ما صدر عن الرئيس الحريري، أدت كلها الى <فرملة> أي اندفاع للاتفاق على الحكومة العتيدة، لاسيما وأن رئيس مجلس النواب اعتبر أن ما صدر من مواقف أتى معاكساً لـ<النيات الحسنة> التي يقول الرئيس بري انه أبداها حيال العماد عون حتى قبل انتخابه، ومنها تأكيده على التعاون معه في حال انتُخب رئيساً للجمهورية.

بري 

<التيار>… لا لفرض الشروط

 

في المقابل، ترى مصادر التيار الوطني الحر أن الرئيس بري لم يسهل عملية تأليف الحكومة خلافاً لما كان تم الاتفاق عليه، وذلك من خلال وضعه الشروط التي تجاوزت المعقول سواء لجهة تمسكه بحقيبة المال للوزير علي حسن خليل، أو وزارة الأشغال العامة للوزير غازي زعيتر، أو من خلال <الفيتو> الذي وضعه على منح رئيس الجمهورية حق تسمية وزير شيعي يختاره هو  – أي الرئيس عون  – من دون العودة الى الرئيس بري لتأييد هذا الخيار. وبالتالي  – تضيف المصادر  – بدا الرئيس بري <وصياً> على رئيسي الجمهورية والحكومة في <فرض> ما يريد من صيغ حكومية، و<رفض> ما لا يريد، علماً أن الزمن الذي كان فيه رئيس المجلس <يحلّل ويحرّم> كل ما يشاء، لم يعد موجوداً مع انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، لأنه – أي عون  – يرفض أن يتم التعاطي معه وفق هذه الطريقة لأنه يمثل قاعدة شعبية واسعة من جهة، ولأن الرئيس عون لم يعمد الى معاملة الرئيس بري بالمثل من جهة ثانية، بل زاره قبيل انتخابه و<وقف على خاطره> وتوافق معه على طي صفحة التباينات والتجاذبات وفتح صفحة جديدة، في وقت لم يقابل الرئيس بري هذا التبدّل في مسار الرئيس عون بأي خطوة إيجابية تسهل تشكيل الحكومة بل على العكس، زاد التصلب والرغبة في الاستئثار.

 

حزب الله يراقب عن قرب

 

وإذا كان من الصعب على المراقب أن يحسم في ما آلت إليه العلاقات بين بعبدا وعين التينة نتيجة تعدد الهبّات بين باردة حيناً وحارة أحياناً، فإن السؤال البديهي الذي تطرحه الأوساط السياسية المتابعة يدور حول دور حزب الله وموقفه مما يجري بين شريكه في <الثنائية الشيعية> من جهة، وحليفه الرئيس عون من جهة أخرى. على هذا السؤال تجيب مصادر معنية أن حزب الله يقف في الوسط بين الشريك والحليف، فيميل حيناً الى <تفهم> موقف الرئيس بري لاسيما في الدفاع عن حق <المردة> في الحصول على حقيبة وازنة، وفي المطالبة بعدم <نفخ> حصة القوات اللبنانية من الكعكة الوزارية، ويقترب أحياناً من حليفه الرئيس عون لجهة حقه في تسمية وزيرين شيعي وسني مع أولوية <التفاهم> مع <الثنائية الشيعية> على اسم الوزير الشيعي مسبقاً، لاسيما بعد ما تردد عن طرح المعاون السياسي للرئيس عون وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل اسم المحامي كريم قبيسي كممثل عن الشيعة من خارج <الثنائية>، وهو سبق أن عمل في الفريق الاستشاري للوزيرين باسيل ونقولا صحناوي، أما بالنسبة الى الوزير السني، فقد أبدى حزب الله رغبة في أن يكون الوزير الذي سوف يسميه الرئيس عون، الوزير السابق عبد الرحيم مراد بعدما كان الرئيس يتجه الى تسمية شخصية بيروتية قريبة منه. وتضيف المصادر نفسها أن قيادة المقاومة تراقب عن قرب مسار <التباينات> بين بعبدا وعين التينة وتحاول الحد من الشرخ الذي أصاب العلاقات مجدداً بين الرئيسين عون وبري وهي <نصحت> بتضييق رقعة الخلاف من خلال رفع عدد الوزراء الى 30 وزيراً بدلاً من 24، علماً أنه في الشق المتعلق بموقف بري الرافض لإعطاء القوات اللبنانية حقائب عدة أساسية، فإن قيادة حزب الله تدعم ما ذهب إليه رئيس المجلس في سعيه لعدم تمكين <القوات> من نيل حصة وزارية كبيرة نسبياً، في وقت يعتبر التيار الوطني الحر أن شراكته مع <القوات> لا يمكن أن تكون كاملة إذا لم يُفسح في المجال أمام تحقيق تمثيل <قواتي> داخل الحكومة العتيدة يكون <منسجماً> مع التحالفات القديمة من جهة، والواقع السياسي المستجد من جهة أخرى. وما لم تنجح قيادة حزب الله في الحد من تراجع العلاقات بين رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي، فإن عملية تشكيل حكومة جديدة سوف تبقى متعثرة، وأول الغيث كان عدم الوصول الى اتفاق قبل الاحتفال بعيد الاستقلال الذي لم يكن <متناسقاً> مع حجم التأييد الشعبــــــــــــــي للرئيس عون والثقة التي وضعتها فيه الهيئات الشعبية والبلدية والاختيارية من خلال ما عبروا عنه يوم الاحتفال بعودة <بيت الشعب… الى الشعب> في أول أحد تلا انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية!

والتصعيد السياسي الذي برز قبيل الاحتفال بعيد الاستقلال لم يلغِ الواقع الذي وصلت إليه آخر تشكيلة حكومية أعطت للرئيس عون وزيراً سنياً ولم تعطه وزيراً شيعياً، فيما أخذ الرئيس الحريري وزيراً مسيحياً. إلا أن العقدة الأبرز ظلت تمسك رئيس الجمهورية بالمناصفة في الحقائب الخدماتية الست بحيث تتوزع ثلاثاً للمسيحيين وثلاثاً للمسلمين، في وقت جعلت مطالبة الرئيس بري بحقيبة خدماتية لـ<المردة> وأخرى إضافية لفريقه، التوزيع الطائفي غير متوازن (4-2)، فإلى أي اتجاه ستمــ­­­­­­يل كفة الميزان الحكومي؟