18 November,2018

«تسوية» ترئيس باسيل على التيار الحرّ بالتزكية مرتبطة بإصلاحات تفرض التوافق على القرارات المصيرية!  

 

ابراهيم-كنعانعشر دقائق كانت كافية لطي صفحة عشر سنوات من تاريخ التيار الوطني الحر منذ عودة رئيسه العماد ميشال عون الى بيروت في العام 2005 بعد <إقامة قسرية> في فرنسا، وفتح صفحة جديدة عنوانها <رئاسة جبران باسيل> لـ<التيار البرتقالي>… بالتزكية.

كان المشهد في دارة العماد عون في الرابية يوم الخميس 20 آب/ أغسطس سوريالياً: جلس العماد عون خلف طاولة عليها مجموعة من <الميكروفونات>، وأمامه جلس وزراء التيار الوطني الحر ونوابه وعدد من منسقيه وأعضاء اللجان المركزية في المناطق اللبنانية. بعضهم كان مكتوف اليدين والبعض الآخر أطرق وهو يستمع الى <الجنرال> يدلي <بوصيته> بعد <مباركته> الاتفاق الذي تم بين وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل ونائب بعبدا آلان عون والذي قضى بأن ينسحب الأخير للأول ليكون في 20 أيلول/ سبتمبر المقبل رئيساً للتيار من دون انتخابات ولا صناديق اقتراع، ولتحلّ <الديموقراطية التوافقية> على <التيار البرتقالي> الذي ينادي زعيمه بانتخابات نيابية حيناً، وبانتخابات رئاسية مباشرة من الشعب أحياناً أخرى <لاحترام> الديموقراطية! وفيما عبّر <الجنرال> عن <سعادته> بالاتفاق من دون أن يكشف عن أسسه ومقوماته <طمأن> الحاضرين، ولاسيما منهم الخائفين على مستقبل التيار، بأنه <الضمانة> لهم ووصيتي لكم أن تكونوا ضمانة بعضكم بعضاً. وبعدما أكد أن التيار <فريق واحد ولا يجوز التعاطي بمنطق الشروط والشروط المضادة>، شدّد على أن <لا رابح ولا خاسر جراء التفاهم، بل الكل رابحون، لأنه جاء نتيجة الأكثرية الساحقة>. وفي لحظة عاطفية يجيد العماد عون إبرازها في لقاءاته مع الأنصار والرفاق، بكى <الجنرال> وسط تصفيق الحضور… ودعواتهم، وانتهى اللقاء وانتهت معه <معركة> كادت أن تقع بين <الصهر> (الوزير باسيل) وابن الأخت (النائب عون) حشد لها الطرفان الكثير من الجهد والاتصالات والزيارات واللقاءات و<الإمكانات> والسيناريوهات بما في ذلك سيناريو <المجنسين> في الانتخابات النيابية والذي تكرر في الانتخابات العونية بمشهد آخر وهو إضافة أسماء أعضاء وناخبين على لوائح الشطب الحزبية… وفي اللحظة الأخيرة خلافاً لما ينص عليه النظام الداخلي للتيار!

عون <مال> من الأساس الى باسيل!

 

وبينما أعلن النائب آلان عون انسحابه من المعركة الانتخابية، لأن مسار الأمور منذ انطلاق الحملة الانتخابية <انحرف عن الأهداف المرجوة وأظهر عدم نضوج الظروف الملائمة لحماية العملية الانتخابية الحزبية الديموقراطية وينذر بانقسام يشكل خطراً على وحدة التيار في المرحلة التي ستلي الانتخابات>، لم يتردد في أن يعلن أن انسحابه كان <نزولاً عند رغبة العماد عون وانطلاقاً من ثقتي المستمرة بشخصه وإدراكاً مني لخطورة التداعيات على وحدة التيار>، رافضاً إعطاء المزيد من التفاصيل أو التبريرات أو الحديث الى الإعلام عن هذا الموقف الذي اتخذه خلافاً لما كان قد أعلن عنه منذ بداية حملته الانتخابية أي <تقديم رؤية لقيادة الحزب في المرحلة المقبلة والسعي لتقديم ما أراه الأفضل والأنسب لمستقبل التيار انطلاقاً من تجربة العشر سنوات الأخيرة>. وكي يكتمل <السيناريو> الذي أراده العماد عون وأشرف على تنفيذه، مشهداً في أثر مشهد، زار الوزير باسيل منزل النائب عون في بعبدا نهاية الأسبوع الماضي و<غرّد> من هناك أنه سيعمل معه لخير التيار في الآتي من الأيام!

الذين رافقوا مسار الانتخابات في <التيار البرتقالي> قبل أن تعطلها <إرادة التزكية>، لم يترددوا يوماً في التأكيد بأن هذه الانتخابات لن تحصل على رغم كل الاستعدادات التي اتخذت لوجستياً وتنظيمياً لإجرائها، لاسيما بعدما بدا العماد عون <ميّالاً> الى أن يكون الوزير باسيل خليفته على رأس التيار كي <يطمئن> قلبه الى أن المشعل <البرتقالي> بات في <أيدٍ أمينة>، وعليه فقد كان أمام <الجنرال> أن يختار بين أمرين: إما <الضغط> من أجل ضمان فوز باسيل بالرئاسة، وإما تأجيل الانتخابات سنة أخرى تحت ذريعة الانهماك في مواجهة خصوم التيار السياسيين  ومعركة <حقوق المسيحيين>… والانتخابات الرئاسية. إلا أن حصيلة التقارير والاستطلاعات الداخلية التي كانت ترد إليه تباعاً من منسقي الأقضية والمحافظات، دفعته الى التجاوب مع اقتراح أوكل الى أمين سر تكتل الإصلاح والتغيير النائب إبراهيم كنعان تنفيذه، وهو الوصول الى <تسوية> تؤدي الى <انسحاب> النائب عون من الساحة في مقابل تدابير وإجراءات وخطوات تتجاوب مع مطالب مؤيدي نائب بعبدا المعارضين للوزير باسيل. وكما نجح النائب كنعان في إحداث التقارب بين زعيم <التيار> العماد عون ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع فكانت <ورقة إعلان النوايا> بين الطرفين، نجح في الوصول الى <التسوية< المنشودة التي <باركها> العماد عون بعدما تأكد من أن ردود الفعل عليها داخل التيار يمكن <استيعابها> بحيث لا تتجاوز الخطوط الحمر، لاسيما وأنه لم يكن أمام نائب بعبدا إلا القبول بها بعدما لاحظ أن الرابية راغبة كلياً بذلك، وأنها وعدت <بإصلاحات> في النظام الداخلي تخفف من الصلاحيات المطلقة التي كانت معطاة لرئيس الحزب، علماً أن هذه <الإصلاحات> كان يطالب بها فريق النواب في التيار الوطني الحر الذي دعم ترشيح النائب عون في وجه الوزير باسيل.

بنود <التسوية>: لا تفرّد بالقرار الرئاسي

 

وفي الوقت الذي تتكتم مصادر الرابية والوزير باسيل والنائب عون على كشف <بنود التسوية> التي تم التوافق عليها لتأمين فوز باسيل بالتزكية، ويمتنع النائب كنعان عن الحديث عن <جهوده> في هذا الاتجاه، تتحدث مصادر عونية متابعة أن <التسوية> تقوم على <سلة تفاهمات> داخلية بضمانة العماد عون منها تعديل النظام الداخلي لجهة آلية عمل الهيئة التأسيسية، وتعيين نائبي الرئيس من العماد عون شخصياً (وسيكون النائب كنعان أحدهما)، ومعالجة مسائل طارئة من بينها <العيوب> التي سُجلت في الانتسابات لاسيما في اللحظة الأخيرة، والسعي الى <تطعيم> الإدارة الحزبية وتنويعها من الماكينتين المتنافستين، بما يضمن لاحقاً إلغاء المحاور أو الأجنحة في المؤسسة الحزبية بحيث يتمكن الجميع من صنع القرار وتعزيز عمل الكتلة النيابية تشريعاً وإنماء عبر مأسسة التكلة وأمانة سرّها وتفعيل عملها ودورها وعدم طغيان القرار الرئاسي في التيار على <شخصية> النواب العونيين ودورهم في مجلس النواب. كذلك فإن <التسوية> تتحدث عن التحضير المشترك للانتخابات الحزبية في الهيئات المحلية للمناطق، وغيرها من الإجراءات التي ترضي المعترضين على ترؤس باسيل وعلى تفرده لاحقاً بإدارة الحزب، لاسيما إذا ما توافر له الدعم الدائم من <الجنرال>.

وفي معلومات <الأفكار> أيضاً أن <الممارسة> في المجلس السياسي للحزب الذي يجتمع شهرياً والذي يضم الرئيس ونواب الحزب ووزرائه و6 أعضاء منتخبين من المجلس الوطني و3 معينين من الرئيس، ستقوم على التوافق في كل المواضيع المطروحة، وفي حال عدم الاتفاق حول المواضيع الوطنية الكبرى والاستثنائية يتم اللجوء الى التصويت، أما في الهيئة السياسية التي تضم الرئيس والنواب والوزراء وتجتمع أسبوعياً، فيتم التشاور والتوافق في ما بين الأعضاء على أن يحيل الرئيس أي خلاف حول القضايا الوطنية الكبرى والاستثنائية الى المجلس السياسي لبّته وفق آلية عمله. وثمة من تحدث عن <بنود سرية> في التسوية التي تم التوصل اليها تلحظ <مواقع> لعدد من القياديين في <التيار> من النواب وغيرهم، لاسيما في التمثيل الحكومي المقبل.

معترضون ومؤيدون يجمعهم التسليم بقرار عون

وفيما يسلك الخيار التسووي طريقه الى انتخابات التيار الوطني الحر، تفاوتت ردود الفعل على الخطوة التي أقدم عليها العماد عون لاسيما في داخل تياره حيث اعتبر فريق من العونيين أن التيار انتسب الى <نادي الأحزاب التقليدية> وفشل في تقديم تجربة ديموقراطية تليق به وبتاريخه الذي قام على <نضال الشباب> خلافاً لواقع الأحزاب اللبنانية الأخرى، ورأى هذا الفريق أن <التغيير> الذي وعد به العماد عون طوال السنوات الماضية لم يحصل داخل حزبه فكيف سيحصل داخل الحياة السياسية اللبنانية، لاسيما وأن <الجنرال> لم يكن يؤمن لا <بالتوريث السياسي> ولا بـ<الإقطاعية الحزبية>. وهو كان ينتقد بقوة الاحزاب اللبنانية التي لا تحترم إرادة أعضائها في التغيير والانتخاب الحر، وهو الذي قال في آخر إطلالة له قبل <التسوية> بأن الانتخابات في التيار ستكون <نموذجاً> في الممارسة الديموقراطية التي يتميز بها <التيار> من دون غيره من التيارات السياسية اللبنانية. وفي رأي المعترضين أيضاً من داخل <التيار البرتقالي> أن <التسوية> أسقطت فرصة حقيقية لاحت في الأفق السياسي الحزبي لأحداث دينامية جديدة تواجه الضمور في الحياة السياسية وتؤسس لحياة جديدة، ما يجعل التيار الوطني الحر نموذجاً يُحتذى داخل الأحزاب، وهذا ما جعل <خصوم> التيار يتحدثون عن أن التجربة العونية في العمل الحزبي وفي الديموقراطية لم تنضج بعد، ما ألحق أذى بصورة التيار وأفقده صدقية الشعارات التي يطلقها. وعلى رغم أن بعض المعترضين اعتبر أن ما حصل <هو أفضل الممكن>، إلا أن هؤلاء يرون أن <فرصة التجديد> داخل التيار <أضاعت> سنوات إضافية <وإنقاذها> يحتاج الى جهد كبير يُفترض أن يقوم به العماد عون مع <الرئيس> الجديد لإخراج <الجيل النضالي> في التيار من صدمةٍ وصلت الى حد الخيبة، في وقت كانت في الانتخابات مناسبة لإعادة استنهاض الكوادر الشبابية واستثمار ذلك في المواجهة التي يخوضها العماد عون مع خصومه السياسيين داخل الحكومة وخارجها. ولا يسقط <المعترضون> من حساباتهم، مقدار الدعم الذي يلقاه النائب آلان عون في <القاعدة البرتقالية> والتي كان يمكن أن تلتف حوله لإقامة <توازن> بين <واقعين> يعيشهما التيار الوطني الحر، الأول تعكسه <ظاهرة جبران باسيل> ودوره في قرارات <الجنرال>، والثاني <شعبية> نائب بعبدا التي تجاوزت صلة القربى التي تجمعه مع العماد عون (ابن شقيقته) لتصل الى حد توافر تأييد واسع له خارج دائرته الانتخابية، بدءاً من الجنوب وصولاً حتى الشمال مروراً بالجبل والبقاع وبيروت، وهو ما ظهر جلياً في الجولات الانتخابية التي قام بها قبيل <التسوية>، ما جعل فرصة وصوله الى رئاسة التيار أكثر من جدية.

في مقابل هذه <الملاحظات> التي تتردد داخل أروقة مراكز <التيار البرتقالي>، ثمة إجابات في الرابية تبرر الاتفاق الذي أُعلن وتجعله <حاجة>، منها أن <التيار> الذي وُضع في دائرة الاستهداف لم يكن ليتحمل انقسامات داخلية بين أبناء الفريق الواحد، في وقت يخوض فيه <الجنرال> واحدة من أشرس معاركه ضد القوى السياسية الأخرى، وأي <شرخ> في الداخل العوني سيستخدمه <الخصوم> لإضعاف العماد عون أكثر، لاسيما بعد الانتكاسات التي حصلت في معركته ضد الاكثرية الحكومية والنيابية وفي الاستحقاق الرئاسي. كذلك يجيب مؤيديو <التسوية>، بأن حصول الانتخابات كان سيؤدي وفقاً للتقارير التي كانت ترد من الاقسام والمنسقين، الى فرز في القواعد الانتخابية سواء في المناطق أو في القطاعات وكذلك في الأشخاص، وهو أمر لا يتحمل العماد عون حصوله في هذه الظروف خصوصاً أن حدة الفرز كانت تزداد مع اقتراب موعد فتح صناديق الاقتراع. وفي قناعة المؤيدين أن <التسوية> ما كانت لتحصل لولا الثقة الكبيرة التي يضعها <المعارضون> بالعماد عون من جهة وبحرصهم على المحافظة على وحدة لتيار ومتانة مكوناته من جهة أخرى، ما يمكّن لاحقاً من الوصول الى صيغ تحدث تآلفاً بين المعترضين والمؤيدين على حد سواء، وتجعل التعديلات المقترحة على النظام الداخلي للتيار ممكنة. ويضيف <المؤيدون> أن ما حصل وضع حداً لمضي بعض <المتضررين> في الرهان على الخلافات الداخلية الذين وجدوا في وقت من الأوقات أن <جهودهم> لزيادة الانقسامات داخل التيار قد باءت بالفشل، فـ<استسلموا> للأمر الواقع على أساس التعهدات التي أعطيت بإقرار إصلاحات تقيم <توازنات> معينة داخل التيار إذ أثبتت مرحلة التحضير للانتخابات وجود فريقين داخل التيار يجمعهما الولاء للعماد عون الذي يبقى <زعيماً> للتيار… والفارق كبير بين رئيس الحزب و… زعيمه!