22 September,2018

تسليح الجيش بعتاد فرنسي مموّل من الهبة السعودية هدفه مكافحة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار في الداخل فقط!  

صواريخ-ميلان لا نوعية الصواريخ التي تسلّمها الجيش اللبناني من الجيش الفرنسي الأسبوع الماضي، ولا أعداد المنصات التي تنطلق منها، شكلت الحدث الذي شهدته القاعدة الجوية العسكرية في مطار رفيق الحريري الدولي يوم 20 نيسان/ أبريل الماضي في حضور وزير الدفاع الفرنسي <جان ايف لودريان> على رأس وفد عسكري، ونظيره اللبناني سمير مقبل وقائد الجيش العماد جان قهوجي وكبار الضباط والسفير السعودي في بيروت علي عواض عسيري… بل الحدث تمثل عملياً في كون هبة المليارات السعودية الثلاثة باتت حقيقة قائمة بعد التشكيك الذي رافقها منذ ان أعلن العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز عن تقديمها لتمويل شراء معدات للجيش اللبناني في كانون الأول/ ديسمبر 2013. صحيح أن ما وصل الى بيروت من عتاد فرنسي للجيش لم يشكّل سوى أقل من ثلث هذه الهبة والباقي يفترض أن يصل تباعاً خلال السنوات الأربع المقبلة، إلا ان الصحيح أيضاً ان فرنسا أكدت من خلال تسليم دفعة أولى من العتاد للجيش ان الواقع السياسي اللبناني الذي أنتج فراغاً على مستوى الرئاسة الأولى وتعطيلاً على مستوى مجلس النواب، وإرباكاً مستمراً على مستوى الحكومة لم يؤثر على الرغبة الفرنسية في العودة، وبقوة، الى تسليم الجيش اللبناني بعد انكفاء دام سنوات حلّت خلالها الولايات المتحدة محل <الأم الحنون> في الاهتمام بالمؤسسة الوطنية الجامعة، أي الجيش اللبناني.

 

باريس ملتزمة أمن لبنان وحضورها لسنوات

كذلك فإن الرسالة الفرنسية أرادتها باريس واضحة لجهة الالتزام بأمن لبنان واستقراره من خلال تمكين المؤسسة الضامنة لهذا الاستقرار من القيام بالمهام الملقاة عليها والتي لا تزال تلقى إجماعاً لبنانياً لا يتوافر في المؤسسات الدستورية والوطنية الأخرى ولا في المؤسسات الإدارية التي ينخرها <سوس> الفساد و<الرشوة> والمحسوبية… وقد بدا واضحاً من خلال ما قيل في احتفال تسليم الدفعة الاولى من المعدات العسكرية سواء على لسان الوزير <لودريان> ان باريس المنشغلة في تداعيات الحروب في سوريا والعراق واليمن لم تنسَ الدولة الصغيرة التي وقعت لسنوات تحت انتدابها، بل هي عائدة إليها بقوة معنوية ومادية لحمايتها من الضغوط المستجدة نتيجة تمدد الإرهابيين الى أراضيها وتهديدهم للوحدة الوطنية وللاستقرار، على أمل ان يبقى لبنان بعيداً عن الفوضى الأمنية التي تحيط به.. وفرنسا الى جانب لبنان للحؤول دون ذلك، كما قال <لودريان> وهو يسلّم  48 صاروخ <ميلان> مع مزاحفها تمّ تأمينها من مخازن الجيش الفرنسي على عجل بعد التأكد من حاجة الجيش اللبناني إليها… أما بقية المعدات التي حددت قيادة الجيش اللبناني أنواعها، فستأتي تباعاً خلال 48 شهراً، على أن تتضمن الدفعة الثانية كاميرات عسكرية ليلية وكاميرات حرارية، و6 طائرات مروحية وسيارات وعربات مصفحة وأسلحة وخوذ، وصولاً الى 4 بوارج للعمليات القتالية سيبدأ تصنيعها قريباً.

أما <الحضور> الفرنسي الدائم في الثكنات العسكرية اللبنانية، فسيكون من خلال 60 ضابطاً سيتولون تدريب ضباط الجيش وعسكرييه على المعدات والآليات الحديثة ستصل تباعاً، إضافة الى إعادة تأهيل العسكريين داخل لبنان وخارجه في عمليات تدريب بعيدة الأمد بحيث يواكب الجيش اللبناني الحداثة في التعاليم والتدريبات العسكرية بحيث يكون قادراً على خوض معارك عدة عند الضرورة وفق الانظمة القتالية الجديدة. غير ان هذا الحضور الفرنسي الميداني لن يبدأ قبل إقرار الصيغ القانونية التي ترعى مثل هذا التعاون، والتي هي موضع مفاوضات لبنانية – فرنسية يُفترض أن تتوج لاحقاً بإقرار قوانين في مجلس النواب تحدد امتيازات معينة وضوابط وضمانات محددة للوجود العسكري الفرنسي في لبنان. ومثل هذه النصوص تتطلب مشاورات بدأ الجانبان الخوض في تفاصيلها لكنها لم تنجز بعد إذ يستمر تبادل النصوص القانونية بين باريس واليرزة للوصول الى الصيغ المقبولة من البلدين التي يُفترض أن تلبي المتطلبات الفرنسية وتراعي السيادة اللبنانية في آنٍ واحد.

وإذا كان الوزير الفرنسي <جان إيف لودريان> قد حصر <الضغوطات> التي يواجهها لبنان بتركيزه على <التنظيمات الإرهابية>، فهو تجنّب – كما فعل نظيره اللبناني سمير مقبل – أية إشارة الى التهديدات المستمرة التي تجسدها الممارسات العدوانية الإسرائيلية براً وبحراً وجواً على نحو شبه دائم على طول الحدود الجنوبية، رغم نفي الجانب الفرنسي مباشرة أو مداورة وجود <شروط> اسرائيلية وغير اسرائيلية على نوعية السلاح المورد الى لبنان، مؤكداً ان الجانب اللبناني هو الذي حدد حاجاته ونوعية السلاح ولا تدخلات من أحد، لأننا لبّينا طلبات الجيش اللبناني كما أرسلها لنا والهدف تمكينه من مكافحة الإرهاب، علماً ان <لودريان> حرص على التأكيد ايضاً ان الأسلحة الفرنسية <حصرية> بالجيش ولا تشمل الأجهزة الأمنية الاخرى، والقسم الأكبر من الهبة السعودية مخصص للتسليح والجزء البسيط منها سيذهب للتدريب.

 

لا قدرة للجيش على مواجهة

<ترسانة> اسرائيل

 

وما لم يقله الوزير الفرنسي قالته مصادر عسكرية فرنسية مواكبة عن قرب لعملية التسليح، وذلك خلال لقاء جمع عدداً من أعضاء البعثة الفرنسية المرافقة لوزير الدفاع الفرنسي مع شخصيات سياسية ولبنانية عشية الاحتفال في القاعدة الجوية. فقد توافرت لـ<الافكار> معلومات حول ما سُمي <فلسفة> الفريق العسكري الفرنسي لمد الجيش اللبناني بالعتاد الفرنسي موضع الهبة السعودية والتي تقوم على ان الجيش اللبناني يحتاج الى سلاح يتمكن من خلاله من مواجهة الارهاب المتمثل بتنظيمي <جبهة النصرة> و<داعش>، إضافة الى تمكينه من المحافظة على الاستقرار في الداخل ومنع أي نوع من أنواع المواجهات بين الأطراف اللبنانيين، لاسيما أولئك الذين يتباعدون سياسياً أو الذين ارتبطوا بتحالفات إقليمية، خصوصاً أن الخلافات السياسية التي لا تزال حتى الآن تحت سقف محدد، يخشى أن تتجاوزه ذات يوم إذا ما تطورت هذه الخلافات الى ما هو أبعد من التباين في المواقف السياسية.

وتضيف المصادر العسكرية الفرنسية ان <فلسفة> تزويد الجيش اللبناني بالسلاح والعتاد بتمويل سعودي تقوم أيضاً على أن لا قدرة للجيش اللبناني على مواجهة <جيوش> الدول المجاورة له، لاسيما الجيش الاسرائيلي الذي يملك <ترسانة> من الاسلحة الجوية والبرية والبحرية تجعله الأقوى في محيطه، وبالتالي من غير المنطقي ولا الواقعي دفع الجيش اللبناني في مواجهة الجيش الاسرائيلي المتفوق في مجالات عسكرية عدة، ما يعرض الجيش اللبناني للخسارة المحتمة في أي حرب كلاسيكية بين جيشين. لذلك انصب الاهتمام الفرنسي على أن يكون العتاد المزمع إرساله للجيش قادراً على مواجهة الإرهابيين من جهة، وحفظ الأمن والاستقرار في الداخل، علماً ان الوضع في الجنوب – كما يرى الفرنسيون – ممسوك بقرارات دولية متتالية صدرت عن مجلس الأمن ومترجمة عملياً من خلال قوات <اليونيفيل> التي تشارك فيها أكثر من 35 دولة عربية وأوروبية وآسيوية إلخ…، وبالتـــــالي، فـــــإن <المظلة الدوsamir-moqbelليـــــة> هـــــي التي تضمن تنفيذ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن وتحافظ على هدوء الحدود مع اسرائيل، وبين هذه القوات وحدة فرنسية الى جانب الوحدات الإيطالية والإسبانية والبلجيكية والاندونيسية والكورية والهندية..

من هنا – تضيف المصادر العسكرية الفرنسية – لن يتضمن العتاد الفرنسي أسلحة <نوعية> تقارع السلاح المتطور والحديث الموجود لدى اسرائيل، لأن لبنان لن يكون في حاجة إليها طالما ان الدول الكبرى التزمت أمن الجنوب واستقراره من خلال وجود <القبعات الزرق> على طول حدوده مع اسرائيل، بدليل انه منذ العام 2006 لم تقع أي مواجهة واسعة النطاق بين الجيش اللبناني والجيش الاسرائيلي، وجلّ ما كان يحصل أشبه بمناوشات وخروقات محدودة لـ<الخط الأزرق> على الرغم من وقوع أكثر من حادث كان يمكن أن يكون الشرارة لحرب لبنانية – اسرائيلية جديدة.

 

تغطية دولية وإقليمية لـ<اليونيفيل>

وفي اعتقاد المصادر العسكرية نفسها ان التغطية الدولية المتوافرة للمحافظة على الاستقرار في الجنوب تواكبها أيضاً تغطية عربية وإقليمية تصب كلها في خانة دعم استقرار الجنوب خصوصاً، واستقرار لبنان عموماً لإبعاده عن نيران حروب المنطقة أولاً، ونيران <الترسانة> الإسرائيلية ثانياً، وما الزيارات المتتالية لمسؤولين كبار في دول تشارك في <اليونيفيل> للجنوب من حين الى آخر (كانت آخرها زيارة ملك اسبانيا <فيليب> قبل أسابيع) إلا الدليل على <الرعاية> الدولية المستمرة للوضع الجنوبي، فضلاً عن عدم سحب أي دولة مشاركة في <اليونيفيل> قواتها من الجنوب على الرغم من الاعتداءات التي استهدفت هذه القوى العسكرية، والتهديدات التي تصلها من حين الى آخر على خلفية مواقف هذه الدول لجهة مكافحة الإرهاب والانخراط في <التحالف الدولي> لمحاربة <داعش> و<جبهة النصرة> و<القاعدة> ومن ينتسب الى هذه التنظيمات علناً أو سراً.

وتؤكد المصادر ان التسليح الفرنسي للجيش اللبناني الذي أتى بالتزامن مع استمرار التسليح الأميركي و<الجسر الجوي> القائم بين لبنان ودول كبرى عدة (لاسيما فرنسا وأميركا) سيعزز من قدرات الجيش على مواجهة الإرهاب وحفظ الاستقرار الداخلي ولن <يزعج> اسرائيل التي تدرك ان اي حرب جديدة مع لبنان ستكون خاسرة لأنها لن تحظى بالدعم الدولي الموجه للبنان وهو نال جرعة جديدة منه مع بدء وصول السلاح الفرنسي واستمرار تدفق السلاح الأميركي وإرسال سلاح بريطاني، فضلاً عن الإيعاز الى دول عربية بفتح مخازنها للجيش اللبناني عند الضرورة، كما فعلت الأردن ودول الإمارات العربية المتحدة من دون تحفّظ او اعتراض من أي جهة كانت، لاسيما من اسرائيل.

وفي يقين المصادر نفسها ان على لبنان أن يستفيد من هذه <الرعاية> الدولية المتجددة للالتفاف حول جيشه ومؤسساته الدستورية التي تحتاج هي أيضاً الى <جرعات> لبنانية من الثقة والاهتمام والرعاية لتعود الى لعب دورها الحقيقي الذي لا بديل عنه من اي دور عربي أو إقليمي أو دولي!