25 September,2018

تساهل الدول الست في الملف النووي الإيراني شرط للتنازلات السياسية لإيران في البحرين واليمن ولبنان!

123 خذوا أسرارهم من وزراء خارجيتهم..

ففي الصباح الباكر جداً من يوم الثلاثاء الماضي (أي الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت نيويورك) استضافت مذيعة <مونت كارلو> إيمان الحمود في نيويورك وزير الخارجية السوري وليد المعلم العائد من خطبة <عصماء> تحت قبة هيئة الأمم، وسألته عن حال سوريا مع جارتها تركيا، فقال على مضض:

   <أقول بكل أسف إن تركيا منذ اندلاع الأزمة السورية تتآمر على سوريا وتفتح أراضيها للارهابيين الآتين من 33 دولة وتسلحهم وتدربهم. ولا انفراج في العلاقات السورية ــ التركية ما دامت تركيا لم تغير موقفها العدائي لسوريا>.

   انتهى كلام وليد المعلم..

   ولكن لم ينته الغوص في أعماق الغد الآتي على الحدود التركية ــ السورية. فيوم الثلاثاء الماضي أراد الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> أن يحصل على ضوء أخضر من البرلمان التركي لانضمامه رسمياً الى الائتلاف الأممي ضد تنظيم <داعش>، حتى لو تطلب ذلك انتقال التدخل التركي من الجو الى البر. وخلال وجود الرئيس التركي خلال الأسبوع الماضي في نيويورك، خلال الدورة 69 لهيئة الأمم، أحيط علماً من قبل الرئيس الأميركي <باراك أوباما> ووزير الدفاع <تشيك هيغل> بأن الدور العسكري التركي ينبغي أن ينزل من الجو الى الأرض، ويمنع مقاتلي <داعش> من الإطباق على بلدة <عين العرب> أو <كوباني> باللغة الكردية المتاخمة لحدود تركيا الشمالية لأن سقوطها بأيدي <داعش> يكاد يشبه سقوط <أربيل> الكردية في العراق، لو حصل، ولم تردّه الغارات الجوية الأميركية.

   والمفهوم من هذه الحركة ان الولايات المتحدة وحلفاءها يرسمون الخريطة الجديدة للمنطقة من الجو، وتركيا بتكليف من الولايات المتحدة وحلفائها ترسم الخريطة من البر، وتكون البديل عن الجنود الأميركيين الذين يمنع الرئيس <أوباما> نزولهم براً، حتى إشعار آخر، أي الاشعار الذي تنبأ به رئيس الأركان الأميركي المايجور ــ جنرال <مارتن دامبسي> وقال ان لا مفر من التدخل العسكري البري.

   والولايات المتحدة وضعت نفسها في مأزق المواجهة من الجو مع قوات <داعش> التي تزيد عن 33 ألف رجل بينهم آلاف الفرنسيين والبريطانيين، واعترفت ليل الأحد الماضي بأن المخابرات الأميركية قللت من شأن <داعش> ولم تعطه الحجم العسكري المطلوب.

   وفي سبيل الوصول الى حالة انتصار لأميركا وحلفائها على قوات <داعش> لا بد من توظيف كل صداقاتها، وعلاقاتها الدولية، وبلع الكبرياء مع إيران، خصوصاً في موضوع الملف النووي وحق إيران في التخصيب النووي بنسبة 20 بالمئة على الأقل. والتقرب من إيران، حسب رأي واشنطن، يجب أن يتم عن طريق المملكة العربية السعودية التي تتهم إيران بالتدخل السافر في مملكة البحرين، وفي دعم انقلاب الحوثيين في اليمن على نظام الرئيس عبد ربه منصور هادي. ولا مد حبال أميركية مع إيران إلا بالرضا السعودي ومعه رضا البحرين والإمارات بصورة خاصة.

مصالحة مع إيران.. مطلوبة

تمام-سلام-وروحاني

   ولتكن تسمية الأشياء بأسمائها. فالمملكة السعودية هي المؤتمنة على أمن جارتها اليمن، وهي صاحبة المبادرة الديبلوماسية التي جاءت بنائب رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي الى الرئاسة خلفاً لعلي عبد الله صالح الذي ارتضى التنازل عن الرئاسة مكرهاً، وتلوح أصابعه في إطباق <الحوثيين> وزعيمهم عبد الملك الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء. ومملكة البحرين تعاني من التدخل الإيراني السافر في تحركات المعارضة ضد النظام الملكي، ودولة الإمارات لها أمانة جغرافية عند إيران هي جزر الطنب الكبرى والطنب الصغرى وأبو موسى، وليس في الوارد أن تتخلى عنها إيران بدون… ثمن!

   فالمصالحة مع إيران مطلوبة إذن أميركياً، بشرط ألا يكون ذلك على حساب صداقتها وارتباطاتها الديبلوماسية مع المملكة العربية السعودية. وفي هذا الباب كان اجتماع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في نيويورك مع نظيره الإيراني <محمد جواد ظريف>، واجتماع رئيس وزراء لبنان القائم بأعمال رئيس الجمهورية تمام سلام مع الرئيس الإيراني <حسن روحاني>. والاجتماعان لم يكونا ليأخذا مجراهما لولا رضا السعودية، وإن كان الملف الرئاسي اللبناني قد أطل من محادثات سلام ــ <روحاني>، ولم يكن عند الرئيس الإيراني من الأولويات.

   فإيران تريد أن تأخذ مقابل ما تعطي، فلا انضمام إيرانياً الى التحالف الدولي ضد <داعش> بدون أن تأخذ حقها النووي المطلوب في محادثاتها مع دول مجلس الأمن الخمس زائد ألمانيا. ولا تحرك ساكناً في موضوع الملف الرئاسي اللبناني إلا إذا أخذت من وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي <كاترين آشتون>، سيدة المباحثات المنتهية ولايتها، في الملف الإيراني حقها المطلوب من التخصيب. ولا تفكير في التخلي عن جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى خارج الملف النووي، ولا انسحاب لليد الإيرانية من البحرين، ولا تسوية للنزاع في اليمن بين الحوثيين حلفاء إيران، وبين الحكومة اليمنية إلا بسؤال الدول الخمس زائد ألمانيا: ماذا فعلتم بالملف النووي الإيراني؟

تركيا ووليد المعلم!

   وكل تلك الهموم السياسية والأمنية في المنطقة تحتاج الى فتح باب التفاهم مع إيران، بعدما قدمت نفسها كدولة قوية في المنطقة، وهذا الانفتاح يتطلب أن يسري على جميع الجبهات، ومنها جبهة لبنان. ففي الأراضي اللبناني حليف مهم لإيران هو حزب الله، والتفاهم مع حزب الله يعني التفاهم مع إيران، كما لإيران في المنطقة حليف اسمه سوريا، وفي رأي إيران ان الأزمة السورية تحتاج الى تسوية تأتي من الداخل، كما يقول وزير الخارجية السوري وليد المعلم في مقابلته مع إذاعة <مونت كارلو>، ولا تأتي من الخارج، أي من المعارضة الداخلية الوطنية، لا من المعارضة التي يمثلها الائتلاف السوري المعارض برئاسة هادي البحرة.

   وكان لافتاً صباح الاثنين الماضي خروج صحيفة <كيهان> الإيرانية بمانشيت بالخط العريض يقول: <انتصار الثورة في اليمن>، وهذا اعتراف بأن إيران كانت <الدينامو> المالي والعسكري الذي يحرك قوات <الحوثيين> التي أطبقت على العاصمة اليمنية صنعاء، أي أرادت إيران بمانشيت <كيهان> أن تقول: <إذا احتجتم الى حل نهائي في اليمن فتعالوا فاوضوني>. وهكذا فعلت في العراق بالتفاهم الخفي مع الولايات المتحدة لإزاحة نوري المالكي والمجيء بحيدر العبادي.

   وفي لبنان يمرر الإيرانيون الهمسة نفسها، أي <إذا أردتم أن يكون هناك رئيس جمهورية جديد للبنان فتعالوا فاوضوني>.

ابراهيم-الامين-و-محمد-ظريف

   والزعيم وليد جنبلاط أول من تلقى هذه الاشارات، فلم يشأ أن يجعل إيران خارج التسوية، دون أن يعني ذلك تثبيت حكم الرئيس بشار الأسد. وهكذا بات التفاهم مع إيران مفتاح <الصول> في سيمفونية <الشرق الأوسط>.

إيران تحت الطلب!

   وما فعلته إيران في اليمن لا تستطيع أن تفعله في لبنان. فهذا البلد الصغير يعيش تحت حماية مظلة أممية فاتيكانية، وإلا لكانت الأحوال الأمنية فيه قد تدهورت أكثر مما هو عليها الآن.. ولبنان في هذا المجال صاحب حق أممي طليعي. فهو واحد من البلدان العشرة التي وقعت على اتفاقية <سان فرانسيسكو> التي نصت عام 1945 على ولادة هيئة الأمم المتحدة كخليفة لعصبة الأمم، بوفد يرئسه وزير الداخلية آنذاك وديع نعيم، ويضم الدكتور عبد الله اليافي، والدكتور صبحي المحمصاني، ويوسف سالم، وشارل مالك، أي ان لبنان ابن هذه المؤسسة الأممية، ولا أحد يفرّط بكبده!

   مع هذه المظلة التي يتفيأ لبنان ظلالها، لا بد من التفاهم مع إيران، ولا غنى عن تليين موقف الدول الخمس زائد ألمانيا في موضوع الملف النووي الإيراني، وعندئذ تفتح إيران كل الأبواب الموصدة، ومنها باب رئاسة الجمهورية في لبنان. وواضح أن إيران، من خلال حزب الله، تؤثر التمسك حتى إشعار آخر بالعماد ميشال عون كمرشح رئاسي، ولكنها ترى في النهاية ضرورة الوصول الى مرشح توافقي مثل الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، أو رئيس توافقي في أفغانستان مثل <أشرف غني أحمد زي>، صهر لبنان، باعتباره متزوجاً من اللبنانية المسيحية رولا سعادة، ومنها أنجب ولديه خالد ومريم، وهو من قبيلة <الباشتون> ذات التأثير الكبير في أفغانستان، وما كان ذلك ليتم بدون موافقة إيران حليفة قبائل <الباشتون>.

   إنها، رضينا أم لم نرض، مرحلة التفاهم مع إيران، وإيران بدورها تمهد الطريق لهذا التفاهم. ومن المؤشرات على ذلك قيام رئيس المكتب السياسي لحزب الله السيد ابراهيم أمين السيد بزيارة على رأس وفد من الحزب لمفتي الجمهورية الجديد الشيخ الدكتور عبد اللطيف دريان للتهنئة بانتخابه، حيث دعا الى <ترسيخ مبدأ الحوار والتفاهم والتعاون بين القوى السياسية في لبنان وحتى بين دول المنطقة، على أساس أن المجتمع العربي والاسلامي يتوق الى لحظة يرى فيها دول المنطقة وخصوصاً الدول الكبرى والأساسية والرئيسية تبادر الى اعتماد سياسة الحوار والتفاهم والتعاون لحل المشكلات>.

   أي إيران تحت… الطلب ولكن بشروطها.. النووية!