19 September,2018

ترشح عشرات العسكريين للانتخابات النيابية في 2018 ظاهرة قديمة تعددت أسبابها... لكن نتائجها غير محسومة!

جميل-السيد ظاهرة <التوريث> في المقاعد النيابية ليست وحدها سمة الانتخابات النيابية المقبلة والتي برزت بقوة من خلال الترشيحات التي قدمت لخوض الانتخابات، ذلك لأن ثمة ظاهرة أخرى لا تقل أهمية تشهدها العملية الانتخابية هذه السنة أكثر من أي مرة سابقة، هي ظاهرة ترشح عسكريين متقاعدين الى الانتخابات وتوزعهم على غالبية الدوائر في لبنان. صحيح أنها ليست المرة الأولى التي يترشح فيها عسكريون تقاعدوا من الجيش أو قوى الأمن أو الأمن العام، إلا أن عدد هؤلاء كان كبيراً هذه المرة، وبينهم من أحدث ترشحهم <اشكاليات> سياسية وردود فعل متفاوتة، ومنهم من ترك ترشحهم ارتياحاً في الاوساط الشعبية يقابله قلق في الأوساط السياسية، ذلك أنه ليس من السهل أن يتقبّل السياسي شريكاً له يأتي من المؤسسة العسكرية الكبرى أي الجيش أو من المؤسسات الأمنية الأخرى نظراً للتباعد التقليدي القائم بين <السياسيين المدنيين> و<السياسيين العسكريين> نتيجة اختلاف في المفاهيم والممارسة والاداء و… المناقبية!

وإذا كان الرئيس فؤاد شهاب أول من دشن حركة العبور من الحياة العسكرية الى الحياة السياسية في الخمسينات، فإن السبحة كرّت سريعاً مع وصول ثلاثة ضباط قادة غيره الى السدة الرئاسية بدءاً من الرئيس العماد اميل لحود الى الرئيس العماد ميشال سليمان… وصولاً الى الرئيس العماد ميشال عون، في حين شغل رئاسة الحكومة ضابط واحد هو المرحوم نور الدين الرفاعي، ولم ينتخب أي ضابط سابق لرئاسة مجلس النواب. ولعل هذه السوابق هي التي فتحت شهية الضباط المتقاعدين لدخول المعترك السياسي، فبعضهم يحمل تاريخاً باهراً في العمل العسكري، وبعضهم انتمى بعد تقاعده الى أحزاب وتيارات وحركات سياسية، فيما البعض الآخر <ذاق> طعم الثقة الشعبية في انتخابات بلدية، والأمثلة كثيرة لرؤساء بلديات من الضباط المتقاعدين الذين آثروا الدخول في الحياة العامة بدلاً من الاكتفاء بالتقاعد وكتابة المذكرات!.

 

تعددت الأسباب

وتلقى أسماء العسكريين المتقاعدين تأييداً من الناخبين لأسباب عدة، منها <الإعجاب> بشخصية الضابط وبتاريخه النضالي، وفي أحيان كثيرة لغياب الثقة بين الناخب والمرشح السياسي الذي يكون قد خبره لسنوات طويلة ولم يعد يثق به ليعطيه صوته في صندوقة الاقتراع، إضافة الى رغبة التيارات والأحزاب السياسية بـ<تطعيم> لوائحها بأسماء عسكريين يوحون بالثقة أو هم يتحدرون من عائلات لها وزنها على الساحة السياسية أو ذات حضور شعبي وعائلي يؤمّن للائحة مقترعين إضافيين يحدثون فارقاً في النتائج النهائية. وقد أدى القانون النسبي المعتمد في انتخابات 2018 الى إضافة سبب آخر وهو ضرورة تأمين الحاصل الانتخابي الذي يؤمّن فوز أكبر عدد ممكن من أعضاء اللائحة! ويورد أطباء في علم النفس سبباً إضافياً لإقدام عسكريين متقاعدين للترشح الى الانتخابات النيابية (أو البلدية أحياناً)، يتمثل في أن هؤلاء العسكريين كان محظراً عليهم التعاطي في السياسة خلال خدمتهم العسكرية ويمنع عليهم الاقتراع، فيأتي تقاعدهم ليطلق العنان لهم للخروج من شامل-روكزالكبت الذي عانوا منه خلال وجودهم في الاسلاك العسكرية، فتكون ردة فعلهم من خلال الترشح للانتخابات أحد مفاعيل هذا الحرمان الذي يكونون قد عانوا منه عشرات السنين.

وإذا كان التاريخ السياسي اللبناني أبرز أدواراً لعسكريين هجروا البذة المرقطة الى عالم البذلات المدنية واحتلوا مواقع متقدمة من بينهم نجيب الخوري وجميل لحود والاخوان عبد الكريم وعبد المجيد الزين ومعروف سعد وفؤاد لحود وشوقي خير الله ووجيه البعريني وفؤاد عوض ومعين حمود وأحمد الخطيب وميشال خوري وعاكف حيدر وسامي الخطيب وشامل موزايا وجان اوغاسبيان وادغار معلوف وانطوان سعد والوليد سكرية… فإن انتخابات 2018 ضمّت ترشيحات لعسكريين تقاعدوا قرر بعضهم <المغامرة> في الترشح، فيما ضمَن البعض الآخر مقاعد لهم سلفاً من خلال وجودهم في لوائح قوية، بينما يجرب بعضهم الثالث <حظه> املاً أن يحملهم القانون النسبي الى السدة النيابية ويصبحون من <أصحاب السعادة>، كما سبق أن حملت التوازنات السياسية غيرهم الى مقاعد وزارية أو سفارات لبنانية في الخارج وأحياناً الى رئاسة مؤسسات عامة أو وظائف إدارية سابقة.

 

ألويــــــــة وعمــــــــداء

ومتقاعــــــدون!

وتظهر قراءة متأنية لأسماء المرشحين في مختلف الدوائر الانتخابية وجود خمسة ألوية متقاعدين في الجيش وقوى الأمن الداخلي ترشحوا ودخلوا لوائح أساسية، هم: جميل السيد، علي الحاج، أشرف ريفي، انطوان سعد وعدنان مرعب. كذلك برزت لائحة طويلة من العمداء المتقاعدين من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، العمداء: شامل روكز، وانطوان بانو، وجان طالوزيان، والوليد سكرية، ووهبي قاطيشا، وصلاح جبران، وسليم كلاس، وجورج نادر، وادونيس نعمة، وعماد القعقور، ومروان حلاوي، وسامي الرمّاح، ومازن الشمعة، وخليل الحلو، وباسم الخالد، وأحمد الحصني، وعلي الشاعر، ودلال الرحباني، ومعروف عيتاني، ويغيشه اندونيان، ومخايل الرموز، إضافة الى آخرين لم يصلوا الى رتبة عميد من بينهم وجيه علي-الحاجالبعريني وعدد من العسكريين ممن لم يجدوا مقاعد لهم في اللوائح فآثروا الانسحاب على أمل معاودة الكرة في دورة 2022، أو في الانتخابات البلدية…

وفيما ينطلق ترشح غالبية هؤلاء العسكريين من اعتبارات مختلفة، فإن لترشح بعضهم مفاعيل سياسية لافتة لأنهم كانوا قبل الترشح تحت الاضواء، فيما يندفع الآخرون الى الضوء لأول مرة. ومن بين الذين شكل ترشحهم حالات سياسية استثنائية لأن تاريخهم في الحياة العسكرية كان حافلاً بمعطيات كثيرة، يبرز اللواء جميل السيد واللواء أشرف ريفي واللواء علي الحاج والعميد وهبي قاطيشا الذين عملوا في السياسة كما في الحياة العسكرية، وإن اختلفت درجة أهمية إنجازات كل واحد منهم، أو اختلفت تجاربهم في العمل العسكري والسياسي على حد سواء، ومنهم من اقترن اسمه بإنجازات ميدانية بطولية مثل العميد شامل روكز الذي قاد فوج المغاوير لسنوات وحقق انتصارات عسكرية لافتة، والعميد انطوان بانو الذي قاد معركة تحرير مخيم نهر البارد في الاسبوعين الأخيرين من المواجهات مع <فتح الاسلام> وحقق انتصار الجيش على المسلحين الذين ورطوا المخيم في مواجهات عنيفة مع الجيش انتهت بسقوط المخيم، وإن كانت كلفة هذا السقوط باهظة على الجيش الذي قدم أكثر من 170 شهيداً ومئات الجرحى والمعوّقين. ويبرز أيضاً في مجال الإنجازات العسكرية اسم العميد سليم كلاس الذي تولى قيادة اللواء الثامن بعد تعيين العماد ميشال عون رئيساً للحكومة العسكرية الانتقالية، والعميد صلاح جبران الذي كان قائداً للدرك، والعميد جورج نادر قائد اللواء المجوقل.

والملاحظ أن بين المرشحين اللواء السيد (البقاع الشمالي) واللواء الحاج (الشوف – عاليه) وهما من أصل أربعة ضباط أمضوا اربع سنوات تقريباً في السجن بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، قبل أن تفرج عنهم النيابة العامة التابعة للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان لعدم ثبوت أي من التهم التي أسندت اليهم. واللافت في هذا السياق، أن اللواء السيد ترشح على اللائحة التي يدعمها <الثنائي الشيعي> في دائرة بعلبك – الهرمل، فيما انضم اللواء الحاج الى اللائحة التي يدعمها التيار الوطني الحر في دائرة الشوف – عاليه.

وحدها صناديق الاقتراع ستقرر في 6 أيار/ مايو المقبل، أياً من العسكريين سيحمل لقب <صاحب السعادة> ليضيفه الى الرتبة العسكرية التي وصل إليها في نهاية خدمته العسكرية ولينتقل من مؤسسات عُرفت بأنها تعمل بصمت الى مؤسسة دستورية هي مجلس النواب حيث الكلام مباح سواء كان مفيداً وفاعلاً… أو لم يكن!