14 November,2018

”ترامب“ يستنزف ثروات المنطقة بمساعدة... إيران!  

بقلم خالد عوض

FILE PHOTO: Iranian President Hassan Rouhani speaks during a meeting with Muslim leaders and scholars in Hyderabad

بين غضب الشارع الإيراني من الانهيار المستمر لسعر العملة الوطنية الريال وبين تراجع سعر الليرة التركية رغم فوز الرئيس التركي <رجب طيب اردوغان> بالانتخابات الأخيرة وتعهده بمرحلة مشرقة لتركيا، أوجه شبه كثيرة. الاقتصادان يعانيان من هروب الرساميل وقلة ثقة المستثمرين بالإدارة المالية للبلاد، ورغم الفرق الكبير بين الاقتصاد الإيراني الذي يناهز حجمه ٤٠٠ مليار دولار والذي يحقق نموا قارب ٥ بالمئة عام ٢٠١٧ والاقتصاد التركي الذي تجاوز ٩٠٠ مليار دولار والذي يقفز سنويا بمعدل يزيد عن سبعة بالمئة، إلا أن الدولتين تتشاركان الهمّ السوري وهذا ينعكس عليهما بطريقة غير مباشرة.

إيران وتركيا هما اليوم في صلب المعادلة السورية إلى جانب الروس. الدولتان تشاركان مع روسيا في محادثات <استانة> في كازاخستان التي وصل عدد جولاتها إلى تسع حتى الآن، والحبل على الجرار، من دون نتائج تذكر، وهما تواجهان سياسة أميركية جديدة من نوعها هناك عنوانها < من يربح الحرب في سوريا لن يربح السلام>، وهذا يعني أن الوجود التركي المباشر في الشمال السوري وغير المباشر في محافظة <إدلب> من دون أي أفق. الكلام نفسه ينطبق على الوجود الإيراني المأزوم على الأراضي السورية، فمن جهة هو مكلف ومن جهة أخرى هو مكشوف أميركياً وأوروبياً وحتى روسياً أمام الضربات الإسرائيلية… عندما تنغمس الدولتان الإيرانية والتركية في الوحول السورية من دون أن يتبين أي شكل لنهاية وجودهما هناك، فلا بد أن توضع علامات استفهام على متانة اقتصاديهما. ليس هذا فقط بسبب الكلفة العسكرية واللوجستية لإيران وتركيا التي لا وجود لأي مردود واضح لها في المدى المنظور، بل لأنهما من خلال حضورهما تتحملان عبء كلفة تأمين الاستقرار في سوريا في المستقبل والتي لن تقل قيمتها عن كلفة الحرب… ولكن عندما يكون الاقتصاد الإيراني أقل من نصف الاقتصاد التركي ويتعرض لعقوبات أميركية تصاعدية تفرض شبه مقاطعة دولية فلا بد أن يتأثر أكثر بكثير بالرمال السورية المتحركة.

هناك نظرية اقتصادية تقول أنه لو لم توقع إيران الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة والأطراف الخمسة الآخرين عام ٢٠١٥ لكان اقتصادها US-POLITICS-TRUMPاليوم أفضل بكثير من الحالة التي وصل إليها بعد إنسحاب الإدارة <الترامبية> مؤخرا من الاتفاق، وكأن التوقيع الأميركي والإنسحاب اللاحق منه جزء من خطة لإضعاف النظام الإيراني. اليوم تواجه إيران سلسلة عقوبات أميركية ستُفرض عليها ابتداء من ٦ آب (أغسطس) المقبل وعلى أي دولة تستورد منها النفط ومجموعة سلع أخرى. تراجع الريال الإيراني إلى مستويات قياسية (هبط سعره في السوق السوداء إلى ٩٠ ألف ريال للدولار الواحد) مرتبط بالتأكيد بهذه العقوبات ولكنه أصبح كذلك رهينة السياسة الإيرانية الخارجية من سوريا إلى اليمن مرورا بالعراق ولبنان. المعادلة بسيطة: لن تقوم قائمة للاقتصاد الإيراني في ظل سياسة إيران التوسعية الحالية، هذا يعني أن الحقبة الإنمائية والانفتاحية التي بشر بها الرئيس الإيراني حسن روحاني لن تتحقق وأنه، رغم تطميناته الأخيرة لشعبه منذ أيام، في طريقه إلى الإنكفاء عن المسرح السياسي الإيراني فاتحا الطريق مجددا للتيار المتشدد حتى يستعيد كل مفاصل الحكم في إيران.

في الوقت نفسه هناك خطة <ترامبية> واضحة لاستنزاف المنطقة كلها، والدليل ما يحصل في مدينة الحديدة اليمنية حيث وضعت الولايات المتحدة شبه <فيتو> أمام القوات الداعمة للرئيس <عبد ربه منصور هادي> محذرة اياها من دخول المدينة ومرافقها مع أن الحسم العسكري كان بالإمكان. الحجة الأميركية والأممية هي منع كارثة إنسانية، مع العلم أن اليمن عانى من جميع أنواع الكوارث في السنوات السابقة من دون أي تدخل دولي حقيقي لوقف ذلك، وكأن الولايات المتحدة تريد أن يبقى هناك منفذ بحري لإيران والحوثيين في اليمن يؤمن لهم الصواريخ والعتاد ويسمح لهم باستمرار تهديد دول الخليج… وطالما أن الرئيس الأميركي ينفذ كل وعوده الانتخابية ويحقق كل ما قاله في حملته، لا بد من تذكر ما اعرب عنه حول نيته إفراغ المنطقة من ثرواتها. ليت النظام الإيراني يستفيق ويكتشف أنه أفضل أداة إبتزاز دولية لجيرانه وأن لا أفق لاستراتجيته العدائية لهم في المنطقة إلا المزيد من الاستنزاف لاقتصاده. خلاص إيران اقتصاديا وسياسيا هو في سلام حقيقي مع جيرانها وليس العكس، اذ مهما علا صوت المتشددين وعاد الكلام عن ضرورة الإكتفاء الذاتي الإيراني والاستقلال عن الغرب، يبقى الحل الاقتصادي المستدام لإيران هو في الرياض وأبو ظبي وليس في دمشق وصنعاء.

 من سوريا إلى اليمن تتجلى سياسة استنزاف الموارد والثروات التي تعتمدها الإدارة الأميركية الحالية، ومع ظهور بوادر الانهيار في الاقتصاد الإيراني لا بد للنظام هناك أن يراجع استراتجيته التي لم تحقق إلا البطالة والفقر والعوز للشعب الإيراني.