15 September,2019

تحديات كثيرة تواجه المجلس الدستوري الجديد أبرزها إثبات استقلاليته وعدم تأثير ”المحاصصة“ بقراراته!

في احتفال التسليم والتسلم بين الرئيس الجديد للمجلس الدستوري القاضي طنوس مشلب، والرئيس السابق الدكتور عصام سليمان، والأعضاء الجدد والقدامى، حرص الرئيس مشلب على مواجهة حملة مزدوجة الأهداف تناولت أولاً كفاءة عدد من الأعضاء واختصاصاتهم في غير القانون الدستوري، وأضاء في المسألة الثانية على مسألة انتمائه الى <التيار الوطني الحر> إضافة الى صداقته مع رئيس الجمهورية. وإذا كان الرئيس مشلب أكد عدم انتمائه الى حزب سياسي أو أن يكون <عونياً> بل هو صديق للرئيس العماد ميشال عون، إلا انه لم يستطع أن ينفي الصبغة السياسية للتعيينات، لكنه اعتبر ان المجلس الدستوري <محكمة>، و<الأعضاء الجدد سوف يرمون كل شيء وراء ظهرهم لنعمل كمحكمة، فالسياسيون لا علاقة لهم بنا>.

واعتبرت مصادر مطلعة ان <تبروء> الرئيس مشلب من السياسيين قد ينطبق على شخصه إن هو أراد أن يمارس بحيادية كاملة مهامه الجديدة، لكن هل يستطيع أن يضمن ذلك بالنسبة الى الأعضاء الآخرين؟ ذلك ان الأوساط السياسية تعرف ظروف تعيين أو انتخاب الأعضاء التسعة الآخرين، وعملية <الاقصاء> التي تعرض لها حزب <القوات اللبنانية> بحيث حُرم من <حصته> في التركيبة الجديدة، إضافة الى ان كل عضو من الأعضاء له مرجعيته السياسية التي لم تعد سراً من أسرار الدولة!

من هنا تضيف المصادر ان القول بأن لا علاقة للسياسيين بالتركيبة الجديدة للمجلس الدستوري، لا ينطبق مع الواقع بشهادة السياسيين أنفسهم الذين جاهروا بـ<نجاحهم> في تسمية قريبين منهم، فيما جاهر آخرون بحرمانهم من <حصتهم>. إلا ان مصادر رسمية تقول بان كل تركيبات المجلس الدستوري منذ انشائه بعد اتفاق <الطائف> كانت مماثلة وتوزعت على أركان السلطة من جهة وبعض الأحزاب السياسية الفاعلة من جهة أخرى، وبالتالي فإن ما حصل مع المجلس الدستوري الحالي لا يختلف عن المجالس السابقة ولولا <المحاصصة> لما أبصر المجلس الجديد النور ولبقي المجلس القديم يمارس مهامه لأن القانون واضح لجهة استمرار الأعضاء في عملهم حتى ولو انتهت ولايتهم الى حين تعيين وانتخاب أعضاء جدد وأداء اليمين أمام رئيس الجمهورية. إلا ان العبرة تبقى، حسب المصادر  نفسها، في أداء أعضاء المجلس ومدى موضوعيتهم وحياديتهم وعدم الرد فعلاً لا قولاً على مطالب السياسيين على رغم صعوبة هذا الموقف بين السياسي ومن عينه لأن <تربيح الجميلة> سوف يستمر طوال الولاية!

 

<التيار> قادر على التعطيل!

 

وتستذكر المصادر كيف ان <الضغط> مورس مراراً على أعضاء في المجلس الدستوري، إما من خلال الغياب وتعطيل النصاب، وإما من خلال دفعهم الى تغيير قناعاتهم في طعون في القوانين التي وردت إليهم، وكيف ان أعضاء في المجلس كانوا يسافرون الى خارج لبنان لتفادي الطلب منهم اتخاذ مواقف معينة أو تعطيل الجلسات وغيرها من المطالب التي لا يتورع السياسيون عن طلبها من أعضاء في المجلس، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول الأداء الذي سوف يعتمده الأعضاء الجدد لنزع <الشبهات> عن تجاوبهم مع السياسيين الذين أتوا بهم. وفي هذا السياق ترى مصادر متابعة ان الأعضاء الخمسة المسيحيين في المجلس الدستوري هم حصراً من حصة الرئيس عون و<التيار الوطني الحر>، فيما يتوزع الأعضاء الخمسة المسلمون على تيار <المستقبل> و<الثنائي الشيعي> والحزب التقدمي الاشتراكي، وهذا يعني عملياً، ان في امكان <التيار> من دون رئيس الجمهورية أو معه، تعطيل المجلس الدستوري في أي لحظة إذ ان <تغييب> خمسة أو أقل عن أي جلسة يدعى إليها المجلس يسقط النصاب القانوني، كذلك فإن أي قرار لا يحظى بموافقة <التيار> يمكن تعطيله بسهولة لأن القرارات تتخذ بأكثرية 8 أعضاء من أصل عشرة، ما يعني عملياً ان القرار السياسي هو الذي سيسود وليس القرار الدستوري، إلا

إذا تصرف الأعضاء على نحو مستقل فعلياً، و<علقوا> التزاماتهم مع الجهات السياسية التي رشحتهم وضمنت لهم الفوز!

في أي حال، ومع تسلم الهيئة الجديدة للمجلس الدستوري مهامها في بداية الأسبوع، طرحت الأوساط السياسة تساؤلات عما إذا كان الاستعجال في تعيين الأعضاء الخمسة من حصة مجلس الوزراء وصدور المرسوم في اليوم التالي وأداؤهم القسم أمام رئيس الجمهوية في اليوم نفسه، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمصير الطعنين العالقين أمام المجلس، الأول بنيابة السيدة ديما جمالي عن دائرة طرابلس الانتخابية، والثاني بمواد من قانون الموازنة تتعلق بحقوق العسكريين المتقاعدين، وذلك بهدف تغيير التوجهات وبالتالي القرارات التي كان يفترض أن تصدر في أحدهما (نيابة جمالي). في هذا السياق، قالت مصادر مطلعة ان القرار في هذا الطعن أنجز من قبل الهيئة السابقة، وان رئيسها الدكتور عصام سليمان كان ينوي إذاعة القرار يوم الثلاثاء الذي تلا انتخاب الهيئة الجديدة، لكنه فوجئ بسرعة التعيين وامتنع عن ذلك. علماً ان هذا القرار ــ وفقاً للمصادر المطلعة ــ كان يصب في مصلحة النائب جمالي لجهة رد الطعن وتثبيت نيابتها. وعليه، سيكون أمام الهيئة الجديدة إما تبني قرار الهيئة السابقة للمجلس الدستوري، أو إعادة النظر بالقرار الصادر مع ما يمكن أن يحمل هذا التطور من تفسيرات وتأويلات.

أما بالنسبة الى الطعن بثلاث مواد من قانون الموازنة، فإن الملف سيفتح من جديد لأن المقرر الذي كان سليمان قد عينه للنظر في الطعن وإعداد تقرير أولي حوله، لم يعد موجوداً، لأن هذا المقرر هو عضو في الهيئة التي باتت سابقة، وبالتالي فإن لا استمرارية في هذه الحال كما هو الأمر في الملفات القضائية العادية، وهذا يعني ان المجلس الجديد الذي انتخب القاضي طنوس مشلب رئيساً له والقاضي أكرم بعاصيري نائباً للرئيس، يفترض أن يبدأ درس الطعن من جديد من خلال مقرر جديد يتم تعيينه لهذه الغاية من دون الأخذ بالاعتبار الاجراءات السابقة التي اتخذها المجلس القديم.

 

آخر قرار للمجلس الدستوري <السابق>!

وبالعودة الى آخر قرار اتخذه المجلس الدستوري السابق، لا بد من الإشارة الى انه بالنسبة الى الطعن بالقانون 140 الخاص بالطائفة العلوية، فإن المجلس اعتبر ان تمديد ولاية الهيئتين الشرعية والتنفيذية في المجلس الاسلامي العلوي وانتخاب الرئيس ونائب الرئيس من قبلهما <مخالف للمبادئ التي نص عليها الدستور والاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الدستور، ومخالف للمبادئ التي لها قيمة دستورية>، وأعلن في قراره انه <يتوجب المباشرة فوراً وبدون إبطاء بتأليف الهيئة العامة لهذا المجلس وإجراء انتخاب الهيئتين الشرعية والتنفيذية والرئيس ونائب الرئيس وفق الأصول والاجراءات والآليات التي نص عليها القانون الرقم 449/995 الذي ينظم شؤون الطائفة العلوية>. واللافت ان قرار المجلس الدستوري جاء منسجماً مع كتاب رئيس الحكومة سعد الحريري الذي وجهه الى المجلس الاسلامي العلوي في شباط (فبراير) الماضي طالباً فيه منه اتخاذ الاجراءات اللازمة والسير بالانتخابات في أسرع وقت ممكن لانتفاء الأسباب التي كانت تحول دون اجرائها لأن ولاية الهيئتين الشرعية والتنفيذية لدى المجلس انتهت منذ العام 2013، كما شغر منصب الرئيس بالوفاة منذ العام 2017.

وكان المجلس الدستوري رأى ان انتخاب رئيس المجلس الاسلامي العلوي ونائب رئيسه استثنائياً لمدة سنتين لا مبرر له، وتالياً فإن انتخاب الرئيس ونائبه من الهيئتين الشرعية والتنفيذية المنتهية ولايتهما وجرى انتخابهما العام 2003، لا يعطي شرعية لانتخاب الرئيس ونائب الرئيس بسبب فقدان الهيئة الناخبة صفتها التمثيلية. ولفت المجلس ان نظرية الظروف الاستثنائية والأوضاع الأمنية لا يمكن الاستناد إليها لأنه جرت في العام 2018 انتخابات نيابية في ظروف أمنية وسياسية طبيعية، كما حصلت انتخابات نيابية فرعية في دائرة  طرابلس في السنة الجارية 2019.