25 September,2018

تأليف حكومة العهد الأولى ينتمي الى القرن الماضي شكلاً ونتيجة

 

بقلم خالد عوض

Saad-al-hariri-2

من المضحك المبكي أن نرى كيف يعتبر السياسيون في لبنان، كل السياسيين، وزارتي الصحة والتربية على أنهما وزارات <ترضية> وأقل بكثير من وزارتي الأشغال والاتصالات، على سبيل المثال لا الحصر، وكأن الصحة والتربية هما في المجال غير الاستراتيجي للبنان. ولكن الحقيقة غير ذلك تماماً، فمن المعروف أن قطاعي الصحة والتربية هما أنجح قطاعين في البلد، وهذا ليس كلاماً تسويقياً بقدر ما هو مبني على تصنيفات عالمية حيث يأتي لبنان في المرتبة المئة وواحد في مستوى التنافسية العالمية. هذا التصنيف يأخذ في عين الاعتبار عدة جوانب تنافسية منها الاقتصاد الكلي والمؤسسات والبنية التحتية وحجم السوق والجهوزية التكنولوجية والتبادل التجاري وكفاءة سوق العمل وقطاعي الصحة والتعليم. لبنان يأتي في المؤخرة في معظم هذه المجالات ولهذا فإن معدل تصنيفه ١٠١ من أصل ١٤٠ دولة، باستثناء قطاعي الصحة والتعليم فهو يأتي في المرتبة الثلاثين فيهما متقدما على عدة دول منها الولايات المتحدة والصين وإسرائيل وكل الدول العربية ما عدا قطر التي تأتي في المرتبة ٢٨. حتى لو سلمنا جدلاً أن نجاح هذين القطاعين في لبنان يعود إلى نشاط القطاع الخاص وليس الدولة، لا يمنع ذلك بأن يكون من مسؤولية الدولة، وخصوصاً الوزارتين المعنيتين، تطوير البنية التحتية التعليمية والصحية في البلد ووضع هدف استراتيجي واضح هو أن يصبح لبنان من أهم عشرة دول في التنافسية التعليمية والصحية خلال العهد الحالي، وهذا ليس أمراً مستحيلاً.

 إن نظرة سياسيي البلد إلى هاتين الوزارتين مجرد دليل آخر على غياب الرؤية وقصر النظر بل الجهل الاستراتيجي في الممارسة السياسية عندنا.

الأمر الثاني الملفت للنظر في تشكيل <حكومة العهد الأولى> هو مستوى التحجر الذي وصلنا إليه. ليس المطلوب إنشاء وزارة للسعادة مثلما فعلت الإمارات العربية المتحدة، ولكن الجدل السياسي العقيم حول الحقائب إلى جانب التغيرات الكبيرة الحاصلة في العالم على كل صعيد يجب أن تكون فرصة لإنشاء وزارات جديدة مثل التخطيط والتطوير مثلاً، فزمان عمل الوزارات وكأنها جزر أو صوامع منفصلة الواحدة عن الأخرى قد ولى، ولا بد من جهد تكاملي يقوم على مبادرات تطويرية عابرة لعدة وزارات، وبدل أن يكون الخلاف على الوزارات عقبة للتأليف يجب أن يكون حافزا للإبتكار، مثل استنباط أساليب حديثة في العمل الحكومي إما من salamehخلال وزارات جديدة أو من خلال دمج البعض منها أو عدة أجزاء من وزارات أو مجالس قائمة في وزارات مستحدثة. وهنا ربما يفيد التركيز مجدداً على ضرورة تحويل مؤسسة <ايدال> إلى وزارة، لأن مفتاح الخلاص الاقتصادي هو الاستثمارات الوافدة إلى البلد.

لن يتحول لبنان بين ليلة وضحاها إلى المقصد الأول للاستثمارات في الشرق الأوسط، خاصة في ظل الحروب الملتهبة حوله والتهديدات الأمنية المستمرة، ولكن هناك فرصة حقيقية اليوم لاستقطاب استثمارات عربية وخليجية وحتى آسيوية إلى لبنان إن عرفنا كيف نعيد تموضع البلد كوجهة استثمارية. ومن المرفوض الكلام عن أن هذه الحكومة هي حكومة انتخابات أو أنها ليست الحكومة الأولى للعهد أو غيرها من التصنيفات التي تعبر عن تهرب من المسؤولية. ليس هناك وقت طويل وأشهر وسنوات لوضع البلد على سكة الحلول المستدامة. مطلوب ورشة شاملة تبدأ بقانون الإنتخابات وتواكبه بتشريعات أخرى تسهل الشراكة بين القطاع الخاص، اللبناني والأجنبي، والقطاع العام. سموها شكلاً من أشكال التخصيص أو ما شئتم، ولكن الأكيد أن قيامة لبنان الاقتصادية لن تقوم من <باريس ٤> أو ما شابهه بل من حملة إصلاحية وتشريعية داخلية تضع حجر الأساس لبنية تحتية استثمارية مستدامة.

من الواضح أن الفكر المصاحب لتأليف الحكومة لا ينتمي إلى القرن الواحد والعشرين، ليس ذلك وحسب بل هو دفين في أساليب الماضي المهترئة، والحجة هي هي: النظام السياسي ومصالح الطوائف. ولكن الحقيقة هي أن الفساد بأشكاله المختلفة هو الذي عرقل كل شيء حتى تبين أنه المؤلف الأول والأخير لـ<حكومة العهد الأولى>.