19 September,2018

”بين خطوة وخطوة“ مسيرة فنية صمّمها الشغف وحب الرقص تقول جورجيت جبارة: أتحرّق لزيارة القدس مسقط رأسي!

 

Georgette-Gebara-2بين شرق وغرب، وبين خطوة وأخرى رسمت حياتها التي كان للقدر فيها اكثر من بصمة. جورجيت جبارة، مصممة الرقص و<الباليرنا> المولودة في زهرة المدائن، تريد ان ترجع يوماً اليها، وهي في ذلك تتوجه للمسؤولين لتحقيق امنية غالية يرغب بها الكثيرون. حياتها <عجنتها كسارة البندق> ولونتها رائعة <روميو وجولييت>، لكن نهش منها ايضا ازيز المدافع وصوت القصف والزجاج المحطم الذي كانت تلملمه قبل ان يصدح صوت الموسيقى لتباشر بالرقص والتمارين. افتتحت اولى مدارس الرقص في الشرق الاوسط في العام 1964 بمرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية آنذاك شارل حلو ورئيس الحكومة رشيد كرامي، ضمتها الى ثانية وثالثة… للأسف، تعرضها اليوم للبيع. تكريمها، لم يأت متاخرا لانها سبق ونالته من محبة الناس ومتابعتهم خاصة في لجنة <ستوديو الفن> حيث كانت تعطي رأيها بتجرد ومحبة. اليوم، وبين ضفتي كتاب تضع الكثير من مسيرة جابت فيها ارض دول العالم كله، من دون ان تحمل غير الجنسية اللبنانية التي تعتز بها وترفعها بكل فخر.

عشية تكريمها واطلاقها لكتابها الجديد <بين خطوة وخطوة>، كان معها لقاء <الافكار> حلقت فيه الى فضاء رسمت تصميمه على هواها، فجعلته رحيباً فيه مكان واسع لله تعالى ولإشاراته التي تدركها وتتعاطى معها برضى وايجابية.

فأي اشارات التقطتها؟ ما علاقة جدّيها بشاه ايران؟ لماذا تحب يوغوسلافيا تحديداً؟ كيف التقت <الغيشا>؟ وما الذي قالته عن ناديا جمال وعن حال الرقص اليوم؟

معها كان حديث راقٍ فيه من الذكريات ما يكتب لمجلد، وسألناها اولاً:

ـــ سأعود بك في الذاكرة الى تكريم جديك من قبل شاه ايران حينذاك. ما كان سبب التكريم؟

– لم يكن اسمها ايران حينذاك انما <la perse> أي بلاد الفرس، وكان جدّي من التجار الكبار ومن الناشطين في المجتمع، وممن يخدمون البلد اجتماعياً، فمنحه الشاه الجنسية كإشارة تكريم منه. ولما عدنا من مصر ولنا الجنسية اللبنانية عاد جدي الى ايران ليرد الجنسية شاكراً السلطات، فأتاه الرد من اعلى المراجع <عندما نولد ايرانيين نموت ايرانيين> فأبقوا له على جنسيته ورفضوا استعادتها منه.

ـــ والدتك فرنسية – اسبانية وانت ولدت في القدس ولك طلب ملحّ ولكنه صعب في هذا المجال، ما هو تحديداً؟

– اتمنى ومن كل قلبي كما الكثيرين من الاشخاص على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم، ايجاد طريقة للحج الى القدس، وأطلب ذلك من المسؤولين الزمنيين او الدينيين وكل سلطة مختصة. في قلبي حرقة لأجل ذلك. هذا حق لنا، مسلمين ومسيحيين ان نزور الاماكن المقدسة، فأنا ولدت في هذه المدينة العظيمة وهذا مذكور على بطاقة هويتي وأفتخر به جداً وقد مكثت فيها حتى شهري السادس.

ــ ولادتك كانت نوعاً ما فريدة. ما الذي حدث؟

– اعتقد الاطباء بأنني ولدت ميتة ووضعوني جانباً لانقاذ والدتي، وصودف مرور طبيب متمرن فوجد فيَ نبضاً وأشار اليهم بأنني لا زلت حية ارزق. وبعد سنوات اخبرتني والدتي بأنها كانت ووالدي في السيارة في الاردن، وهي حامل بي في شهرها التاسع، فانزلقت السيارة في نهر الاردن حيث عمِد السيد المسيح، وقد اعتبرت والدتي بقاءهما حيَين ومن ثم ولادتي اعجوبة. انا اؤمن بالاشارات التي يمنحنا اياها الخالق، وانه يجب ان نتعامل معها ونحسن قراءتها وتفسيرها، والأهم قبولها والتعاطي معها بإيجابية. منذ فترة راح زوجي (روبير عريضة) والاهل والاصدقاء من حولي ينصحونني بالتوقف عن التعليم في مدرسة الرقص الخاصة بي، حتى أرتاح وأتفرّغ للكتاب الذي اعدّه، وكنت أواجههم بالرفض الى ان كسرت وركي وتعرضت لآلام مبرحة جعلتني اتوقف غصباً عني، وقد تقبّلت الأمر بإيجابية فوجدتها اشارة للراحة وإنهاء الكتاب.

ــ لنتحدث عنه وما الذي يضمه؟

– الكتاب هو بعنوان <بين خطوة وخطوة> <Entre Deux Pas> اما العنوان المكمل له فهو <Quelques Glissades De Parcours>  وقد اخترت كلمة <غليساد> لأنها تحمل معنيين: الأول هو الخطوة الاولى التي يتعلمها كل طالب رقص في <الباليه> وتساعده لاحقاً على الحركة والقفز، وهي ايضا <الشطحات> التي قد تكون في مسيرة كل واحد منا. فكرة الكتاب انبثقت من تقليد درجت عليه منذ حفلاتي الاولى، وهو ان يكون برنامج الاحتفال الذي يوزع على الجمهور المشارك على شكل حوار بيني وبين هذا الجمهور بدل ان اضع صورتي ونصاً يعرف عني. اعتمدت ذلك ورحت اكرره من حفلة الى اخرى، وكان الصحافيون او النقاد يعتمدونه في كتاباتهم. ارتأيت ان اجمع تلك البرامج للحفلات في كتاب تزينه صور نادرة لم تنشر في اي موقع سابقا. من خلال هذا الكتاب يمكن تكوين فكرة عني وعن مسيرتي. وكما قالت لي الدكتورة الهام كلاب التي مهدت للكتاب، ان تميزه يكمن في انه ليس كتابا عن الرقص ولا هو بيوغرافيا عن حياتي، انما <رقصة> بين الاثنين وهذا ما يجعله فريداً. كذلك فأنا اشكر المطبعة التي اخترتها والتي اخرجته على افضل ما يمكن في عمل محترف مبدع، وقد جعلوا من الكتاب نفسه رقصة رائعة أيضا، وهو يتألف من 150 صفحة تقريباً، وكأنه حفلة بذاتها.

1 

<وينن؟>

ــ لماذا لا نرى الكثيرين من راقصي وراقصات <الباليه> المحترفين في لبنان وأين مكمن الخلل؟

 – <الباليه> فن صعب من دون ادنى شك ويتطلب الكثير من المثابرة والجهد. ومشكلتنا الاساسية هي مع برامج تعليم الرقص عبر <اليوتيوب> وهي بالطبع في الكثير منها غير كافية ولا محترفة، كما ان مدرّسات هذا الفن من النادر ان تنقلنه بشكل صحيح وهو يتطلب وقتاً وتضحية. نحن في عصر السرعة وكل شيء فيه <فاست> بدءاً من الاكل وصولاً الى الرقص. وأعرف من الطلاب الذين كانوا يقصدونني انهم يفتقرون الى خلفية ضرورية لا تنقلها <الكليبات> المصورة البعيدة عن الاصول والتقنيات. كذلك فإن للتربية البيتية اليوم اثراً كبيراً، فالرقص ثقافة، والاهل لا يأخذون على عاتقهم تعميق هذه الثقافة وإدخالها الى بيوتهم عبر شرحها والحث عليها بهدوء اعصاب ونفس طويل. اجد الغالبية يتجهون نحو انواع الرقص السريع، وهذه بدأت في شوارع نيويورك في الستينات، من <البريك دانس> تحديداً. كنت اقيم في تلك الفترة هناك واراهم كيف يجمعون اولاد الشوارع في ورش رقص لإلهائهم بالفنون وتنفيس ما لديهم من احتقان وحتى يلهوهم عن العبث في الممتلكات العامة وعن حنفيات المياه المستخدمة لإخماد النيران اذا ما شب حريق مثلاً، فكان هذا النوع من الرقص السريع سبباً لإلهائهم وما لبث ان انتشر في العالم كله بعد ذلك.

ــ وماذا عن الرقص الشرقي في لبنان وفي الدول العربية، هل هو الجو السياسي الذي ادى الى انحساره بعد فورته لفترة؟

– الجو السياسي والاقتصادي بالمقام الأول. للأسف الرقص الشرقي بات مبتذلاً. راقصة واحدة أحترمها واطلق عليها اللقب عن حق وهي الراقصة اماني، وقد ابتعدت الآن عن الرقص في النوادي والمرابع وتقوم بالتدريب عليه ما بين المغتربات، وكانت منذ فترة في الارجنتين تعلم 150 طالبة وقد شاهدتها عبر <اليوتيوب> واندهشت.

يوغوسلافيا… وناديا

ــ تعتبرين مرحلة يوغوسلافيا الأجمل في عمرك، لماذا؟

– انها بين المحطات الأجمل في صباي. كنت يافعة وأتيحت لي فرصة السفر للدراسة فيها ليس من قبل دولتي انما من يوغوسلافيا وذلك لدراسة فن <الباليه> لمدة ثلاثة أشهر مرت مثل الحلم، على يد اهم الاساتذة في هذا المجال عالميا وهي الراقصة <انا رويي>. كانت تعتزم اقفال بيتها – ومدرستها فيه – والهجرة الى اميركا. لكنني، وبحكم انني حائزة منحة من حكومة بلادها اضطرت للبقاء لأجلي، وكنت الطالبة الوحيدة لديها وأصبحت بعد العلاقة الوطيدة معها وكأنني ابنتها، وطلبت ان اكون مساعدتها بالتعليم وفي كتابة مذكراتها وان أوافيها الى الولايات المتحدة، لكن وفاة والدي للأسف اجبرتني على العودة لإعالة عائلتي.

ــ في مرحلة مصر ايضا، شبكت علاقة قوية مع الراقصة ناديا جمال. كيف بنيتها؟

– ارتدنا مدرسة الرقص عينها، وكانت الدنيا لا تسعنا، وهي كانت ما دون الخامسة عشرة بقليل. كان ذلك طبعاً قبل ان تبدأ مسيرتها المهمة، ولطالما واكبتها والدتها كظلها وكانت قاسية معها. كنا نتعلم سوياً عند مصمم الرقص الأقدر محمود رضا، المصمم الذي اعطى لمصر كلها الفولكلور الحقيقي. بتنا صديقتين مقربتين، وبحكم صلتنا تعرفت والدتانا على بعضهما البعض ورحنا نتبادل الزيارات، الى ان سماها الموسيقار فريد الأطرش ناديا واسمها الاصلي ماريا وقد عرفت شهرة واسعة. ولما عدت الى لبنان جاءت هي ايضاً بعد فترة، وكان منزلانا قريبين في منطقة الحازمية فعدنا الى تلك العلاقة الطيبة التي جمعتنا، وقد مكثت فيها لفترة في أواخر حياتها قبل ان ينهكها مرض السرطان وتغادر الى كندا.

3وتزيد <الباليرينا>:

– كانت ناديا تعلم الرقص في الولايات المتحدة ولطالما اصررت عليها ان تعلم الرقص في لبنان فتجيبني بالرفض الى حين بنيت مدرستي في منطقة ذوق مصبح. اصطحبتها معي اليها ذات مرة ولما رأت المساحة الشاسعة والمكان الجميل المطل على البحر الازرق الواسع اقتنعت، وبدأت بتعليم الرقص فيها فكانت طوابير السيارات بأعداد هائلة تصطف تحت المبنى لشدة ما تسجلت فيها تلميذات للرقص.

ــ ما حال المدرسة اليوم، وكم تلميذة تضم؟

– المدرسة؟ ما عاد هناك مدرسة. ها انني اعرضها اليوم برسم البيع. تسألني السيدات: <ولو اليس عندك من يستمر بها؟>، فأسألهن بدوري: <سيداتي اين اولادكن؟>، فيجبنني ان هذا في البلد الفلاني وذلك هناك وجميعهم خارج لبنان. للأسف هذه حالنا والغالبية الكبرى من تلميذاتنا تزوجن وأنجبن فابتعدن، او انهن سافرن ومنهن من لمعن وافتتحن مدارس للرقص في فرنسا مثلاً.

ــ ومدرستك الاولى التي افتتحتها عند منطقة الحمرا، ماذا حل بها؟

 – كانت خلف اوتيل الـ<كومودور> واليوم يحل مكانها متجر للدراجات النارية هي الأحدث من نوعها. قبضت خلواً وتركتها. لكن والحق يقال كان اصحاب المبنى بمنتهى اللياقة اذ انهم تركوا اللافتة الخضراء ورمز المدرسة واسمي هناك. ومنذ فترة وجيزة قصدتني صبية تتخصص في السمعي- البصري وقامت بـ<ريبورتاج> وزعته ما بيني وبين البطل اللبناني في المصارعة الحرة جان سعادة، وهي ايضا مثلك سألتني عما حل بالمدرسة الاولى للرقص التي اسستها، الا انها اجابت عن ذلك بالصورة.

 ــ كنت قد عتبت على الدولة بأنها لم تكرمك. هل هذا العتب لا يزال قائماً وممن جاءت لفتة التكريم هذه المرة؟

– لم اقل يوماً هذا الكلام، ولا اعتب على احد ولست ادري من نقل ذلك عبر الصحافة. انا مكتفية بعلاقتي مع تلامذتي وطلابي وبصداقاتي ولا اعتب على احد. والتكريم جاء من قبل الصديق الذي كان طالباً في مدرستي اميل شاهين عبر مهرجان سينمائي لأكثر من خمسين دولة في <جامعة سيدة اللويزة>، وقد خصوني به عند افتتاحه وانا طبعاً شاكرة ومقدرة لهذه اللفتة الحلوة.

ــ لنختم بـ<الغيشا> التي كان لك لقاء فريد معها.

– انها <الغيشا> الحقيقية الشهيرة التي تم وضع كتاب وفيلم عنها بعنوان <غيشا>. التقيت بها في <كيوتو> عصر احد الايام وكان فعلاً يوماً من العمر، ولبست <الكيمونو> المحاك من خيوط الحرير بكامله وهو دهشة للعين لا توصف، كان بعمر المئة والعشرين عاماً لما ارتديته في العام 1999.