19 September,2018

بين الحجيري وحمية... أبناء مقتولون وآباء قاتلون!  

بقلم علي الحسيني

الحجيري  مقتولا

قلت له <إذا رديتلي روح ابني وجعلته ينطق في قبره، فسوف أطلق سراحك.. لكن هذا الأمر لم يحصل فأرديته قتيلاً وانا افتخر بما قمت به وهناك المزيد>.

هي جملة توجه بها معروف حمية والد الشهيد محمد حمية الجندي في الجيش اللبناني الذي كانت قد أعدمته <جبهة النصرة> بين مجموعة من العسكريين الذين اختطفتهم يوم اقتحامها بلدة عرسال، إلى الشاب حسين الحجيري نجل مختار عرسال السابق محمد الحجيري المعروف بـ<العصفور> وابن شقيق الشيخ مصطفى الحجيري الملقب بـ<أبو طاقية>، وذلك قبل أن يُفـــــرغ مخزن سلاحــــــه الحربي بكامله في كافة أنحاء جسده وليضع بعد ذلك جثته علــــــى قـــــبر نجلــــــه قــــــائلاً لــــــه <افـــــــرح يا محمـــــد وانبســــــط يا بيّي، اليــــوم تمكّنت من الأخذ بالثأر من أحد أبناء المتهمين بقتلك>.

 عندما يتوقف العمر عند الأبناء

 

هو مشهد غير مألوف، مشهد لم يُشرّعه دين ولا يسمح به عقل. ثلاثون رصاصة أفرّغت في جسد شاب كان من المفترض أن يعود إلى عائلته بعد يوم عمل شاق، لكن حب الثأر والتعطش والاحتكام إلى الغريزة جعلت منه هدفاً أو ضحية ليفدي بها الكبار، لتنقلب هنا الادوار وتتبدّل المقولات والحكم، فيصبح <الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون> وهذا ما حصل مع محمد الذي دفع حياته ثمناً لارتكابات عمّه وربما والده المتهمان من قبل آل حمية بأنهما سهلا مقتل الجندي حمية وغيره من الجنود الذين نُفذ بهم حكم القصاص على يد <النصرة> و<داعش> باسم الاسلام الذي هو براء من أفعال كهذه. ولتبدأ هنا رحلة عذاب جديدة بطلها هذه المرة والد أعمته البصيرة فارتكب جرماً لن يغفره له الدين ولن ينام عليها القانون، ولن تنساها الانسانية التي ربما عاودت وسكنته للحظات بعدما اختلى بنفسه عقب ارتكابه المعصية الكبرى. ولربما ضميره أنّبه وعاتبه على زهرة شباب سرقها من بين أحبائها وأهدر دمها من دون ان يسأل نفسه حتّى ماذا بعد اليوم؟

موعد مع الموت

كعادته في كل يوم توجه حسين الحجيري ابن العشرين عاماً صباح يوم الثلاثاء الفائت من بلدته عرسال إلى عمله في بلدة رأس العين للمشاركة في ندوة داخل مكتب تابع للأمم المتحدة وهو الذي يعمل في مجال الإغاثة الخاصة بموضوع النازحين السوريين في لبنان وهو عمل إضافي يزاوله إلى جانب عمله في <سوبرماركت> يمتلكه في بلدته. وأثناء عودته ظهراً، أقدم مجهولون على اختطافه بواسطة سيارة رباعية الدفع توجهت به الى جهة مجهولة ثم ما لبث ان وجد مقتولاً داخل جبانة بلدة طاريا على مسافة قريبة جداً من قبر الشهيد محمد حمية، وسرعان ما عم الخبر بلدته عرسال التي استنفر اهلها وشبابها مطالبين الاخذ بالثأر ومتوعدين القتلى بالرد بالمثل، إلا ان دوريات الجيش والقوى الأمنية، ساهمت في إخماد الفتنة قبل ان تقع، خصوصاً بعدما انتشرت هذه القوى عند حدود البلدة ومنع السير بالاتجاهين خوفاً من استغلال الحادثة والتورط اكثر والوقوع في بحر من الدماء بعد تبادل عمليات الثأر، ولذلك قام بإغلاق جميع المنافذ المؤدية الى عرسال وعزلها خشية تدهور الأمور نحو الأسوأ، وهو أيضاً ما دفع بعقلاء البلدة الى تهدئة الشبان الذين انتشروا بكثافة وبسلاحهم الظاهر مطلقين هتافات ضد الدولة وضد بعض البلدات المجاورة.

معروف حمية لـ<الأفكار>:

 لست نادماً

الشهيد محمد حمية الذي قتلته جبهة النصرة

بعد ساعات على قتل حسين الحجيري ظهر معروف حمية على شاشات التلفزة في مقاطع ومشاهد متعددة وهو يعترف بقتل الشاب حسين الحجيري وبأنه أخذ بثأر نجله، وقد بدا عليه نوع من الارتياح وهو يعتقد ان ابنه قد ارتاح في قبره.

<الافكار> اتصلت بقاتل الحجيري الذي ما ان رد على هاتفه حتى بادرنا بالقول <نعم انا قتلته، قتلته بالنيابة عن الدولة التي تقاعست عن القيام بدورها، وبالنيابة عن دماء الشهداء رفاق ابني محمد الذين قتلهم المجرمون>. وأضاف: <لن أسلم نفسي قبل ان اكمل طريقي للاقتصاص من بقية القتلى الذين يعرفون انفسهم جيداً>. نسأله: من هم، فيجيب: الشيخ مصطفى الحجيري <أبو طاقية> وأخوه المختار الذي يوم اختطاف محمد قال لي على الهاتف إن اي شعرة تمس محمد كأنها مسّته وعائلته، وايضاً سوف اقتل رئيس بلدية عرسال السابق علي الحجيري <ابو عجينة>، واحذر آل الحجيري انه في حال تعرضوا الى اي شخص من آل حمية فلن تكفيني دماؤهم جميعهم وستُفتح نار جهنم عليهم.

ورداً عن سؤال يقول معروف حمية: <نعم لقد توسلني أن لا اقتله وقال لي أن لا ذنب له بما اقترفه والده وعمه وبأنه لا ينتمي الى اي مجموعة مسلحة ووعدني ان يساعدني للقبض على المجرمين وقد اعطاني بعض الاسماء التي يمكن ان تكون متورطة بقتل نجلي، لكن بعد كل ما قاله طرحت عليه سؤال واحد: <إذا رديتلي روح ابني وجعلته ينطق في قبره سأطلق سراحك>، فأجاب: يا ليتني أستطيع فعل هذا، عندئذٍ أفرغت الثلاثين رصاصة في انحاء جسده وأنا افتخر بما قمت به وسأقتل بقية المتهمين. ومن يقتل <أبو طاقية> يخدم البشرية عبر تخليصها من جرثومة ارهابية. كما وان السنة اهلنا واخوتنا وثأرنا هو مع بعض الاشخاص من آل الحجيري وليس مع السنة والفتنة لن تقع في البقاع.

 

كيف هو الحال في عرسال ؟

البقاع على صفيح ساخن وعلى فوهة بركان. تشبيه غير بعيد لا عن المنطق ولا عن مجريات الامور اذ ان البعد المذهبي بدأ يُستثمر من داخل عرسال وخارجها، وهنا يشير العراسلة الى ان كبار الوجهاء يعملون على منع تفاقم الامور وتطورها، لكن في الوقت عينه هناك سؤال يطرحه الجميع وهو كيف لقلب هذا الرجل ان يقوم بهذا الفعل الاجرامي بحق شاب لا شأن له في السياسة ولا يكترث لأي نشاطات حزبية لا في البلدة ولا خارجها. كان همه الوحيد ان يتزوج ويبني عائلة وان يُفرح قلب امه ووالده. ويسود اعتقاد في البلدة ان طرفاً في عرسال عمل على مراقبة المغدور وتقديم معلومات عنه للجهة الخاطفة التي وعلى ما يبدو كانت تمتلك صورة واضحة عن تحركات الحجيري ووقت وصوله إلى المبنى في رأس بعلبك ووقت مغادرته له ونوع السيارة التي كان يقودها وهي عوامل تؤكد تتبعه.

أما عائلة الشاب الحجيري التي تفضل التكتم عن مجريات ما حدث وكيفية ردها، تؤكد ان عرسال تعيش حال من الغليان. وفي اتصال مع والد الشاب المغدور يؤكد ان لا علاقة لنجله بكل التهم التي تفوه بها معروف حمية، وقال: <اذا كان يريد الثأر مني او من شقيقي، فلماذا غدر بهذا الشاب؟ لماذا لم يتوجه الى الجرود ليقتل عناصر <جبهة النصرة>؟. وتابع: <حسبنا الله ونعم الوكيل بهذا المجرم الذي لم يرعَ حرمة الجيرة بابني ولن يرأف قلبه لحاله ولا لتوسلاته قبل ان يطلق عليه رصاصات الغدر، لكن كيف سيرأف لحاله والقتلى معروفون بأنهم أناس جهلة يعودون الى القرون الوسطى وهم بلا كرامة وبلا حمية. وشدد على ان نجله لا علاقة له بالسياسة بل كان مشاركاً في اجتماع لمنظمة تابعة للأمم المتحدة، كما وانني كنت مختاراً لفترة ثمانية عشر عاماً والجميع يعرف أن ابني معتدل ولا يتعاطى بالشأن السياسي>.

ورداً عن سؤال عما اذا كانت هذه رسالة إلى شقيقه الشيخ مصطفى الحجيري، قال: <لا دخل للشيخ مصطفى به، فالشيخ مصطفى له أولاده وبيته، ومن يريد توجيه رسائل لا يقتل شخصاً لا علاقة له بأحد>. وبالنسبة للخطوات المستقبلية رأى انه لو كان هناك دولة ما كان حصل ما حصل وفي حال كانت هناك دولة القاتل معروف وهو أعلن عن نفسه. ولا بد من التذكير انه يوم اعلان مقتل الجندي محمد حمية، خرج والده للقول ان المسؤول عن دماء ابنه هما فقط <أبو طاقية> ورئيس بلدية عرسال السابق علي الحجيري، وقال ايضاً ان ثأره لن يكون مع اي شخص آخر من ال الحجيري الذين هم أهلنا واقاربنا.

<أبو طاقية> لـ<الأفكار>:

حسين لم يكن يحمل سكيناً

معروف حمية قاتل محمد الحجيري

الاتصال مع الشيخ الحجيري ليس بالأمر السهل في هذه الفترة، فالرجل يعتقد ان هاتفه مراقب طوال الوقت وان هناك من يريد الايقاع به، ولذلك تم تأجيل التحدث الينا اكثر من عشرة مرات الى حين عاود الاجابة بنفسه على الهاتف. ماذا حصل يا شيخ مصطفى؟ يجيب <أبو طاقية>: <لقد قتل نفساً بريئة لا ذنب لها في كل ما يدعيه، وابن شقيقي مسالم لا يقتني حتى مسدساً للدفاع عن نفسه ولا يحمل سكيناً، فكيف يفعل ما فعل به. هذا الرجل يحب الدم فما ذنب حسين ابن الثامنة عشرة حتى يخطفه الأشاوس مستخدمين ما يدعون انه سلاح المقاومة الشريف لقتله بهذه الطريقة التي يعجز الانسان عن وصفها. هذا لا يريد الحقوق ولا يطالب بالحقيقة بل هو هاوي دماء. وتابع: في السابق ارسل آل حمية رسالة تهديد الى ابني كما قتل اخي علي في الهرمل وهو في طريق عودته من طرابلس بالسلاح والجمهور والحاشية نفسها وتم انزاله من سيارته وقتل على الطريق من دون مبرر. وانا أستغرب كل ذلك، فمنذ ان قُتل حمية ووالده يهدد ويعلن انه يريد الثأر، من دون ان يحرك احد ساكناً او يوجه اليه أي استفسار او اي سؤال، فهل وصلنا الى مرحلة بات البلد فيها عصابة معروف من يتزعمها ومن يغطي السلاح ومن يمارس الاجرام.

وطالب <أبو طاقية> القوى الامنية بالقيام بدورها، هذا في حال أخذت الدولة برأيه، اما اذا لم يكن هناك دولة فللأسف نصبح في غابة القوي يقتل فيها الضعيف من دون حسيب أو رقيب. وأنا اؤكد أنني لم اكن يوماً متوارياً عن الانظار، فقط أنا مهدد من آل حمية ومن حقي ان احمي نفسي وايضاً فلتتفضل القوى الامنية والحكومة وتوقف من يهدد الناس ويقتلهم، فأنا اضع ما حصل مع ابن شقيقي برسم الحكومة ورئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله والعشائر التي تعتبر ان لديها عقائد، فحسين الحجيري قتل بطريقة لا يقدم عليها الوحوش.

وللتذكير فأنا فاوضت <جبهة النصرة> بعلم من كل الاجهزة الامنية وبتكليف من الحكومة اللبنانية وعدد من الوزراء وكنت أمر على حواجز الجيش اللبناني.

وختم: محمد حمية اخذ اسيراً من ثكنة عسكرية وحاولت يومئذٍ معه كما مع سائر العسكريين ان امنع عملية القتل الا انني فشلت في منع قتله. المسلحون قتلوه فلماذا اتهم أنا؟

مشهد للتاريخ

قبل ان يُصبح معروف حمية قاتلاً جلس ذات يوم خلف طاولة خلال مؤتمر صحافي ليُدلي ببعض المعطيات حول ابنه الذي كان مخطوفاً في ذلك الوقت. قال يومئذٍ: لدينا الأمل ان ابننا في خير، لكن ما هي الا ساعات قليلة حتى جاء الرد موجعاً لوالد بنى آمالاً على عودة ابنه من رحلة الاسر، فإذ  بمقطع <فيديو> بثته <جبهة النصرة> يظهر عملية اعدام محمد رمياً بالرصاص والى جانبه الجندي المخطوف الشهيد علي البزال كان الذي يناشد الجميع وعلى رأسهم حزب الله الخروج من عرسال والا فسيكون الضحية الثانية. بعدها وعاود معروف حمية عقد مؤتمر صحافي آخر بدأه بالقول: <نزف ابننا محمد شهيداً لكل الوطن لتنضم روحه الى الشهيدين عباس مدلج وعلي السيد اللذين كانا سبقاه في الاعدام.

 

الشيخ مصطفى الحجيري 2رئيس البلدية الجديد: نعم لتهدئة الأمور

في اتصال مع رئيس بلدية عرسال المنتخب باسل الحجيري، اكد لـ<الأفكار> ان اجواء البلدة متشنجة وهناك حالات استنكار واسعة وسط الاهالي وتحديداً بين اقارب الشهيد حسين الحجيري، ولولا وجود القوى الامنية لوصلت الامور الى ما لا تُحمد عقباه خصوصا وسط الدعوات الى الاخذ بالثأر سواء من البلدة او من خارجها. وانا أدعو وجهاء القرى والبلدات المجاورة للعمل على تهدئة الامور، فجميعنا مستهدفون وإذا لم نقم بخطوات لاحتواء ما حصل، فإن الهيكل سيقع على رؤوسنا جميعاً. وانا ادعو المؤسسات الامنية الى القيام بواجبها وان تأخذ العدالة مجراها، فهذه العقلية العشائرية الثأرية والتي تتحول احياناً الى مذهبية وطائفية، فلن توصل الى نتيجة بل بالعكس سوف تزيد الامور تعقيداً وتأزماً.

ويقول: نعم نخشى من تطور الامور بشكل مفاجئ، فهناك جريمة بشعة وقعت وهناك شخص اعترف بالقتل والدم ما زال حامياً خصوصاً وان احداً لم يكن يتصور حصول هذا الامر وعلى هذا النحو، ولذلك ندعو اهلنا في عرسال الى التهدئة والصبر وان شاء الله كل انسان سينال حقه والمرتكب اياً يكن سينال جزاءه، وحتى وان لم ينل عقابه في الدنيا فهناك عقاب الآخرة والله ليس بغافل عن عبيده. وأريد ان أؤكد ان ما حصل ليس بطولة، بل هو عمل اجرامي ووحشي وجبان، فالرجال تواجه ولا تغدر وحسين الحجيري قُتل غدراً على يد مهوسين بالدماء والقتل.

المولى: الحسين سقط وحيداً.. يا لعارنا

رئيس بلدية عرسال المنتخب باسل الحجيري 

الباحث السياسي الدكتور سعود المولى أشار بدوره إلى أن <الحسين سقط بالأمس وحيداً على أرض الوطن في بعلبك مضرجاً بدمه وبعار المواطنة والشرف والكرامة، واسمه حسين الحجيري. الحسين سقط بالأمس وحيداً على أرض الوطن ببيروت مضرجاً بدمه وبعار المواطنة والشرف والكرامة، واسمه وسام بليق الشاب الذي قتل برصاصة طائشة لم تجد سوى رأسه لتستقر فيه. واحسيناه.. يا لعارنا في طاريا وعلى جسر سليم سلام، فمن يتحدث عن تقاليد الثأر البعلبكية لتبرير جريمة قتل حسين الحجيري لا علاقة له بشرف وكرامة وتقاليد أهل بعلبك الهرمل، ومن يتحدث عن جريمة تصفية الجنود المخطوفين لتبرير جريمة قتل حسين الحجيري شريك مباشر في الجريمة.

 

شهيد على ضريح شهيد

 

قد يكون الشهيد محمد حمية الذي يرقد في قبره منذ ان افرجت <النصرة> عن جثته العام الفائت، شعر بضيق في انفاسه حين وضع والده جثّة الشاب حسين الحجيري على قبره بعد ان وزّع رصاصاته على كافة انحاء جسده. لم يستطع محمد التحدّث حينذاك الى والده ليقول له <اغفر له يا ابتاه فهو ليس قاتلي، إنما هو شاب مثلي يحلم بتأسيس عائلة وبطفل يحمل اسمه كما سيحمل طفلي اسمي. دعه يا ابي، فهذا الجرح الذي ينزف من قلبك بعد مقتلي، ليس حسين هو المسؤول عنه، بل الدولة هي المسؤولة لأنها اهملت قضيتنا أو ربما باعتها لدول في سبيل تثبيت مقاعد الحاكمين والمُتحكمين بنا. اصفح عنه يا ابي، فهو ايضا حلم بدولة تزيح عن بلدته صفة الارهاب وتُعيدها الى كنفها>. لكن وبعد كل ما قاله محمد في سرّه وما شعر به في تلك اللحظة القاسية، أخذ الغرور بالقتل والده وداس على زناد الموت حتى الموت.