24 September,2017

بين الاسئلة الشائكة والقفشات الكوميدية: فيلــم ”المسافـــر“ لهــادي غنــدور... سفــر نحــو الـــذات!

بقلم عبير انطون

3

لم يبعد المخرج ومؤلف فيلم <المسافر> هادي غندور في فيلمه الروائي الأول المسافر عن الغواية التي <تنتاب> كل شاب او صبية لبنانية يحلم بالسفر والتحرر وعيش تجربة مختلفة، الا ان لهذه التجربة نتائجها وانعكاساتها، ليغوص المسافر في بئر لا ينضب من الاسئلة والمشاعر والتقلبات ووضع الذات امام اسئلة وجودية قد يصعب الخروج منها بتوازن.

في توليفة جميلة بين التراجيديا والكوميديا قدم هادي قصة <عدنان> الذي يسافر الى باريس ليكون امام تجربة فريدة، تكتسب عمقها لما يزور قريبته <انصاف> المرأة التي هجرها زوجها الى غير رجعة تاركا ايضا ابنة من الجميلات في عاصمة النور، فهل سيمكنه <المقاومة> هو المتزوج والاب؟

<الافكار> حضرت العرض الاول للفيلم الذي بدأ في الصالات اللبنانية، وكان لها لقاء مع <عدنان> (رودريغ سليمان) وقريبته <انصاف> الممثلة عايدة صبرا.. ومع عايدة بدأنا:

ــ أخبرينا عن <انصاف> وكيف دخلت في جلدها؟

– مع التحضير الجيد للعمل تمكنت من الشخصية، ومع الخبرة والتمرس تتلاشى الصعوبات. لقد تناقشت والمخرج حول رؤيته للشخصية وكيف يريد ترجمتها خاصة انه من كتب السيناريو، تشاركنا بالأفكار وأبديت رأيي كيف يمكن لسيدة ولدت في لبنان وتربت على عاداته ان تعيش في فرنسا، واعددت لها بنية تناسب خلفيتها وتقنع المشاهد بأسباب تصرفاتها، هي التي تركها زوجها من دون عودة، ولما يحضر رجل ثان في حياتها تسعى الى التمسك به وتحاول ان تغريه… لقد أخذت هذه العناصر جميعها بعين الاعتبار.

 ــ قدّم الفيلم للجمهور على انه كوميدي، وما شاهدناه أوحى بعكس ذلك…

 – صحيح، يطرح الفيلم الكثير من الاسئلة الشائكة ويثير قضايا جوهرية ووجودية حول الانسان وحياته وخياراته، ولو أتيح له انه يختار فأي طريق ينتقي؟ <عدنان> وهو البطل يعيش في بلدة <النبطية>، ارتبط تقليديا في زواج مدبّر، وهو يعمل في مكتب سفريات، طموحه ان يخرج الى ما بعد الحدود، حدود الذات والمكان والجغرافيا والبيئة. نراه يسافر عبر المعلومات الى البلدان التي يقطع التذاكر للمسافرين اليها عبر المكتب الذي يعمل فيه موظفا من دون ان يركب طائرة ولو لمرة يتيمة، وفاجأته فرصة قضاء خمسة أيام في باريس عاصمة الحلم والغواية.. راح يكتشف ذاته ويسبر أغوارها وكيف يحب ان يعيش… ان يتحرر من قيود اختزنها او اجبر عليها، ونطرح معه التساؤل: ترى لو كان ولد في باريس هل كان سيحب العيش فيها؟ هل كان ليراها من المنظار عينه؟.. الفيلم باختصار هو سفر نحو الذات.

ــ يطرح الفيلم ايضا علاقة الأم المتجذرة بلبنانيتها بابنتها الفرنسية، وهي علاقة جيلين مختلفين وبيئتين مختلفتين…

– الام بقيت محافظة على ما نشأت عليه من عادات ترسخت فيها وثقافة تشربتها فيما ابنتها تعيش في باريس بنمط مختلف كليا، خاصة انها تختار مجال الفنون وتاريخها، وفي هذه المدينة لا يمكن فرض الآراء، والحرية الفردية مقدّسة، ما أثار صراعا لا يهدأ بينهما، ولن يستكين للوالدة بال حتى تزوج ابنتها وتسعى لها بعريس على صورة <عدنان>.

ــ لقد عشت شخصياً تجربة بطل <المسافر> في البعد عن الوطن، هل طرحت الاسئلة التي طرحها؟ وهل من نقاط مشتركة بين ما واجهه <عدنان> وما واجهته شخصياً؟

– نعم، في السفر يواجه الانسان الكثير مما لم يكن يتوقعه، انا سألت نفسي: <شو جايي أعمل بكندا>؟ لكن في السفر ايضا تتفتح الشخصية، وهذا ما يمدها بالقوة ولو كانت الصعوبات بالغة. في مكان ما، واجهت الاسئلة عينها التي واجهها <عدنان>.

ــ وما الذي جعلك تقررين العودة الى لبنان؟

– لم ارد ان اكون رقماً.. شخصاً عادياً. كنت أشعر بنفسي رقماً يتنقل فقرّرت العودة. ليس سهلاً ابداً مواجهة ثقافة مختلفة وقبول اهل المجتمع الجديد لك، فتصارعين لأجل ذلك… عملت على ان افرض نفسي وان اكون بثقافتي حاضرة بينهم وهذا ليس سهلاً، وما اعادني الى لبنان هو أيضا حبي للمسرح.

ــ الم يكن ذلك ممكنا هناك؟

– كان هناك مجال لو <طوّلت> بالي وحزت شهادة <الماستر> الا انني اتجهت أكثر نحو المحترف ولغة الجسد، خاصة وانني استمررت لعشرين عاماً في رقص الباليه الكلاسيك والمودرن، وقد ساعدتني اقامتي في كندا على تطوير مهاراتي بهما بشكل أكبر خاصة ان الشعب هناك عريق في هذا المجال.

 

1لكل مشهد حقه

ــ كيف تقيمين اداء رودريغ سليمان بطل الفيلم بشخصية <عدنان>؟

– رودريغ كان تلميذي في الجامعة وما لمسته من خلال العمل في الفيلم انه شديد الحرص على تطوير ذاته وتقديم دوره بتميّز والانتباه الى التفاصيل. لطالما رأيته يطرح الاسئلة على المخرج ليكوّن رؤيته وهذا ناتج عن احترامه لمهنته، كما لفتني بطريقة تحضيره للشخصية فهو <لا يمرّق> اي أمر، وكانت هناك ورشة عمل فعلية مع هادي المخرج، وهناك أكثر من مشهد تمرّنا على أدائها مسبقاً.

ــ اي مشاهد مثلاً؟

– المشهد الذي البس له فيه الفستان الأحمر إذ تدربنا على كيفية التصرّف، اين أضع يدي، بأي احساس. مثله مشهد توضيب اغراض <عدنان> في الحقيبة عازما العودة، وكنت من اقترح هذه الهستيريا التي رافقت المشهد، فهذه المرأة لم تصدق ان رجلا دخل بيتها وحياتها من جديد، فهل ستتقبل فكرة فقدان رجل للمرة الثانية بعد أن تركها الأول؟ ثم ان هذه المرأة ساذجة <naive> وتستميت حتى يبقى بقربها.

ــ كنا مجموعة اصدقاء لما شاهدنا الفيلم واثنينا عليه في اكثر من مجال، لكننا وجدنا فيه <لمعة> مفقودة وقد تكون في <ايقاعه> البطيء، هل توافقيننا الرأي؟

– في لبنان لسنا معتادين على الايقاع الهادئ، النمط العادي، نريد <الأكشن> دائماً لأننا في مجتمع يعيش <الأكشن> يوميا في أكثر من مجال، ففي كل يوم تطالعنا قصة او فضيحة جديدة ذلك ان ما حولنا يجعلنا متوترين بشكل دائم، ونمط حياتنا ينعكس علينا. خذوا مثلاً: نكاد لا نمسح عرقنا من احد الاعمال على المسرح مثلاً ليعاجلنا الصحافيون والجمهور بالسؤال عن عملنا المقبل… في <مونتريال> مثلا يعيشون بايقاع هادئ، وانا شخصيا واجهت هذا الأمر اذ كنت اجد ان كل شيء يسير ببطء.. كذلك تعرفون ان المخرج هادي غندور لا يعيش في لبنان وهو متأثر بالبيئة التي يعيش فيها، لذلك قدم فيلمه بهدوء وهو اراد ان يعطي لكل مشهد حقه. أنا لا أدافع، وربما كان بالامكان <كبس> بعض المشاهد أكثر واختصارها بأن يكون ايقاعها أسرع.

ــ مؤخراً، سمعنا ردود فعل كثيرة إزاء ما أدليت به حول نجماتنا اللبنانيات من نادين نجيم الى نادين الراسي وسيرين عبد النور لما اجبت ردا عن سؤال انه يكررن انفسهن في الاداء فانهالت التعليقات، كيف وجدت الردود؟

– اتمنى عليك عدم الحديث بالموضوع، لقد اخذ حقه وانتهى.

ــ لنتناول اذاً عملك المسرحي الجديد الذي تعدينه حالياً.

– تتحدث مسرحيتي الجديدة عن رجلين يلتقيان في كل يوم ولا يعرفان بعضهما البعض ولما يقرر أحدهما الحديث مع الآخر، تتكشف لنا من خلال الحوار بينهما احوال المدينة ومدى تأثيرها عليهما وكيف يريان نفسيهما من خلالها، ما يظهر ازمتنا جميعا، وبأن من يريد ان يعيش حياة هانئة فلن يمكنه ذلك في بيروت.

ــ ما دامت تحكي عن رجلين فهي لن تكون من بطولتك اذاً!

– لا، اردت ان اكون على مسافة في هذا العمل وسأكون مؤلفتها ومخرجتها.

ــ ومن هما بطلاك، متى العرض، ولمن الانتاج؟

– قد تعرض في السنة الجديدة وانا <أنحتها> نحتا وقد تحمل عنوان <هوى بيروت> او <ميتيو بيروت> اي طقسها. البطل الاول سيكون ايلي نجيم الذي شاركني في مسرحيتي السابقة وهو شاب يتمتع بموهبة عالية وذكاء وقّاد، وقد يكون البطل الآخر <المفكّر به> بديع ابو شقرا علما انني لم اعرضها عليه بعد. بالنسبة للانتاج، المشكلة <الدهرية> للجميع، فإنني اقوم باتصالاتي وقد انتجها بنفسي في النهاية كما في كل مرة.

والى رودريغ سليمان بطل <المسافر> استدرنا لنسأله:

2ــ كيف تلقيت ردود الفعل على العرض اليوم؟

– ردود الفعل سبق وحصدتها في مهرجان <دبي> الا انني كنت بانتظار ردود الفعل على الفيلم في بيروت وكانت جيدة بالنسبة للاداء والفيلم بشكل عام.

ــ وهل انت من النبطية كما <عدنان> في الفيلم؟

– (مبتسما) لا أبداً.

ــ ما الذي جذبك في شخصية <عدنان> حتى جسدتها؟

– اكثر من سبب. اولها القصة بشكل عام، كذلك تطور الشخصية في كل مشهد من الفيلم وقد شكّل دور <عدنان> تحديا لأجعل المشاهد لا يشيح بنظره عن الفيلم لحظة، خاصة وان الشخصية تعرف تقلبات نفسية بسرعة رهيبة. لقد تعرفت بهادي غندور قبل المشاركة واطلعت على طريقة تفكيره وعمله وثقافته السينمائية والجامعات التي تخرج منها وتناقشنا في السيناريو وفي وجهة نظري لبعض الأمور. لقد اتعبتني الشخصية وفي بعض المشاهد كنت اختلي بنفسي واستمع الى الموسيقى لادخل في جوها.

ــ هل سبق وعشت مشاعر متناقضة كالتي عرفتها في الفيلم؟

– حتى الآن لا، الا انه وانا اجسّد الشخصية كنت اتساءل كيف يمكن لانسان ان يعيش هذه الحالة، وكيف يستطيع ان ينقلب كليا في عيش تجربة جديدة بين ليلة وضحاها.

ــ عايدة صبرا كانت استاذتك في الجامعة، هل يكون العمل صعبا بوجود الاستاذ؟

– كانت استاذتي الا اننا كنا صديقين منذ أيام الجامعة، وهذا ضروري في ميداننا، وكان العمل وتبادل الآراء ممتعا ما جعل المستوى يرتفع.

ــ شاركت مؤخرا في عدة ادوار تلفزيونية وسينمائية، هل من متعة اكبر في ميدان اكثر من الآخر؟

– انه فيلمي الثالث عشر وفي التلفزيون اقدم مسلسلا في العام، ولا يمكن تجاهل دور التلفزيون وفضله الكبير في دعم السينما.

ــ في مسلسل <ورد جوري> اديت شخصية حبيب ثائر، وفي <المسافر> تعيش مشاعر جارفة، ما سر هذا الاختيار للادوار القوية وكأنك بركان ثائر؟

– لأن شخصية الثائر بعكس شخصيتي وطبعي، وانني افضّل ان اختار الادوار التي تكون بعيدة نوعا ما عن شخصيتي.

ــ اختار المخرج <باريس> لغواية <عدنان>.. هل كنت تفضل شخصيا لو تعيش فيها؟

– بالطبع لا، لقد عشت فيها لاربع سنوات بعد دراستي للمسرح والسينما في لبنان، الا انني شعرت بالاختناق فعدت الى بيروت وبيئتي ومجتمعي، وأفضّل ان اشعر بنفسي <مسيطراً> على ان اكون في مكان ليس لي..

ــ كبطل الفيلم..

– دعونا لا نفضح النهاية ولا الاحداث ونتركها مفاجأة للجمهور حتى يستمتع بالمشاهدة.