19 September,2018

بيروت تنتصر لاتفاق الطائف بتكريس المناصفة

 

بقلم وليد عوض

a3

دموع المخرجة اللبنانية الشابة نادين لبكي قطب لائحة <بيروت مدينتي> أمام الكاميرات ظهيرة يوم الأحد نزلت في صندوق الاقتراع، من فرط حرقتها على الوضع المتردي في بيروت، وعلى حق ابن بيروت في أن تكون له بلدية تخرجه من حالة الاحباط واليأس، وجفاف فرص العمل، وغياب المناخ البيئي. وسواء أدى فرز صناديق الاقتراع السبعة عشر، بعدما قيل انها غابت عن لجان الاقتراع، أم بقي كل شيء على حاله، فإن نادين لبكي تستحق التقدير والاحترام.

وبرغم قلة الاقبال على صناديق الاقتراع في بيروت، بحيث لم تتجاوز نسبة العشرين بالمئة، مقابل أربعين وستين بالمئة في البقاع، فلا بد من الاعتراف للرئيس سعد الحريري الذي قاد عملية انتخاب بيروت بكل شجاعة وشفافية، بأنه انتصر لاتفاق الطائف الذي كرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، كما في المؤسسات السياسية، كذلك في المؤسسات الادارية، فسقطت أسماء مرشحي البلدية المسيحيين الاثني عشر في صندوقة الاقتراع <زي ما هي>، وكان ذلك عامل استقرار وتهدئة وعيش مشترك في العاصمة اللبنانية التي هي عاصمة نموذج لكل لبنان.

والسؤال هنا: أين ذهبت جموع الذين تقاطروا على مهرجانات ولقاءات الرئيس سعد الحريري من الطريق الجديدة ورأس النبع الى النادي الرياضي في رأس بيروت؟ أين ذهبت الهتافات بأغنية <يا سعد يا فل.. يا أغلى  من الولد>؟ أين اختفت كل هذه الأصوات عن صناديق الاقتراع؟ لقد كان المطلوب أن تكون بيروت المثل والمثال في الديموقراطية، من خلال الاقبال الكثيف على التصويت، لا أن تكون آخر حافلة في قطار الاقتراع!

إنه النقص في الثقافة الديموقراطية عند المواطن في بيروت، أو ردة فعل على اصطلاح <البيارتة> كعنوان للائحة <تيار المستقبل>، إشارة الى المتجذرين في بيروت، ولاقى ذلك نقداً من الزعيم وليد جنبلاط، بينما هناك مقيمون في بيروت أباً عن جد، سواء أكانوا من الشمال، أم من الجبل، ام من الجنوب أم من البقاع. وقد أراد الرئيس سعد الحريري بهذه التسمية أن يشد عصب أهالي بيروت، بالهوية التي تتصف بها، ولم يكن يقصد المقيمين في بيروت أباً عن جد. فقد كان الوزير الراحل عبد الله المشنوق والد الوزير محمد المشنوق، ومنشئ جريدة <بيروت المساء> يعتز بأن أصله من حماه، مدينة النواعير، وأحد أجنحة الثورة السورية ومنها انطلق المجاهد فوزي القاوقجي. وكان نائب بيروت عدنان الحكيم يفاخر بأنه طرابلسي المهد، والوزير الراحل أنطون صحناوي يفاخر بأنه آتٍ من محلة <باب توما> في دمشق، ونائب بيروت والوزير السابق نصري المعلوف بأنه آتٍ من عين القبو، وقد مثل بيروت خير تمثيل.

 

من هم <البيارتة>؟

IMG_5029

والأمثلة كثيرة. فقد انتزع خير الدين الأحدب مقعد بيروت البرلماني عام 1934 من المحامي الصاعد عبد الله اليافي، وأصول خير الدين الأحدب طرابلسية أباً عن جد، كما ان ابن طرابلس حسين الأحدب كان محافظاً لبيروت، برغم جذوره الطرابلسية، وأصبح خير الدين بعد ذلك أول رئيس وزراء مسلم في عهد الرئيس اميل إده.

والصحافي الكبير كامل مروة الذي احتفل بذكراه مؤخراً بتظاهرة إعلامية ــ سياسية ــ ثقافية هو ابن الجنوب، ومع ذلك فقد أنشأ في بيروت جريدة <الحياة> التي كانت نقطة تحوّل في الصحافة اللبنانية، ومثله ابن طرابلس سليم اللوزي الذي أنشأ مجلة <الحوادث> التي كانت مجلة العالم العربي.

وذلك كله يتطلب وصل ما انقطع في انتخابات بيروت البلدية بين وليد جنبلاط وسعد الحريري، وهما الحليفان في وقت الشدة، خصوصاً وهما مقبلان بعد غد الأحد على انتخابات الجبل، ولاسيما اقليم الخروب حيث لتيار <المستقبل> حضور كبير وانتشار لافت. وإذا كان موقف جنبلاط من الحريري في بيروت سينعكس على بلديات اقليم الخروب، ولاسيما برجا وشحيم وكترمايا، حيث من المتوقع أن يرد الحريري لجنبلاط التحية بمثلها، فسوف تكون المعركة هذه المرة سنية ــ درزية، لا سنية ــ مارونية كما كانت في بيروت، وتحمل وزرها رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع.

المهم الآن ان هناك مجلساً جديداً لبلدية بيروت برئاسة مهندس خبر شؤون الانماء والإعمار هو جمال عيتاني، ومعه فريق من أهل الخبرة والنجاح الميداني، وأصبحت انتخابات بيروت وراءنا، وصار لزاماً أن نسأل: ماذا يعد هذا المجلس الجديد من اختراقات للوضع المعيشي السيء في بيروت، دون تمييز بين منطقة وأخرى. فالكل في الشكوى سواء.

ولكن نقطة ضعف هذا المجلس هو أنه منزوع الصلاحيات لصالح المحافظ زياد شبيب ابن عكار. وهكذا يقتضي قانون بلدية بيروت. ومن حق المجلس البلدي الجديد على السلطة الحاكمة أن تعدل هذا القانون في مجلس النواب، فيكون ما للمحافظ للمحافظ وما لقيصر المجلس البلدي لقيصر، وإلا فإن اجراءات المجلس البلدي ستصطدم بأكثر من جدار.

وأول ما يتعين على رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني أن ينشئ تحالفات مع بلديات أوروبا، وآسيا، وأميركا، فتغتني بالتواصل والتجربة وتفتح لبيروت نافذة بلدية على العالم، وتكون لها بذلك فرص انمائية، ولاسيما مع بلديات العواصم الغنية، مثل باريس، وبرلين، وروما، ولندن، ويكون تبادل الخبرات هو مدخل التواصل.

وحسناً فعل الرئيس سعد الحريري في حملته الانتخابية لصالح لائحة <البيارتة> عندما وعد بأن لا ترى عيون بيروت بعد اليوم هذا الجحيم من النفايات التي أفسدت البيئة، ونشرت الأمراض، وكشفت عجز بلدية بيروت عن استباق الأمور، وعدم الوصول الى كارثة النفايات. ويخبرك أطباء مستشفى <كليمنصو>، ومستشفى الجامعة الأميركية، ومستشفى <رزق> الذي أصبح في عهدة الجامعة اللبنانية الأميركية ورئيسها الدكتور جوزف جبرا، أن غبار وروائح النفايات قد تسببت في امتلاء أجنحة الأمراض الصدرية بالمرضى، وان وفيات بالجملة نتجت عن آثار هذه النفايات، منها وفاة السيدة جمال يموت عقيلة نائب بيروت الراحل الدكتور زكي مزبودي.

 

بلديات الاصطياف على المحك!

دموع-نادين-لبكي

كان درهم الوقاية خيراً من قنطار علاج، ولكن ضاع سبيـــــل بلديـــــة بـــــيروت عن اكتشاف ذلك الدرهـــــم، وهذا ما يجب ألا يقع في محظوره مجلس بلدية بيروت الجديد.

ونحن الآن أمام الاستحقاق البلدي الثاني وهو جبل لبنان، تلالاً وساحلاً، وعندما يقال جبل لبنان، تهل كواكبه الجغرافية مثل بعبدا، وعاليه، وجونيه، وجبيل، وجون، والمختارة، وبرمانا، والمتنين الشمالي والجنوبي، ويجري التركيز على بلديات الاصطياف لأن الاصطياف هو حبل النجاة الاقتصادي والمعيشي في بلديات تلك المناطق، بدءاً من بلدة صوفر التي كان لها ماضٍ من العز زمان الأربعينات والخمسينات عبر فندق صوفر الكبير الذي كان المصيف المفضل للرئيس اميل اده، والعميد ريمون اده، وآل سرسق، وآل العسيلي، وإذا هو الآن أطلال تنعي من بناها. وفي صوفر كلها، لا يوجد مقهى واحد يأنس إليه المصطاف، بل هناك فندق واحد هو <شاتو برنينا> يكاد يكون عاطلاً عن العمل.

وإحياء اقتصاد المصايف هو أولاً وآخراً مسؤولية البلديات، من خلال الرسوم التي تتقاضاها من المواطنين، ومن الصندوق البلدي الخاص في وزارة الداخلية. وكما هناك اتحاد بلديات القضاء، كذلك يجب أن يكون هناك اتحاد بلديات المصايف من سوق الغرب مروراً بعاليه وبحمدون وصوفر وفالوغا وبكفيا وبرمانا نزولاً الى شاطئ جونيه، وشاطئ جبيل، على أساس ان السباحة جزء لا يتجزأ من السياحة.

ولن تكون مفاجأة إذا دعا وزير الداخلية نهاد المشنوق رؤساء بلديات المصايف الى الاجتماع في مقر الوزارة عند حي الصنائع بمشاركة وزير السياحة ميشال فرعون، ودراسة تفعيل موسم الاصطياف الذي أصبح على الأبواب.

موعد مع… الغد

تلك هي الرؤية لبلديات الغد الآتي، وتتطلب تكاتف رؤساء البلديات الجدد لنقل المشاريع من دائرة الورق الى دائرة النور. وهي رؤية تتطلب دراسة الأخطاء التي شابت انتخابات بلدية بيروت وبلدية زحلة، وغيرهما من بلديات المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية. ومن هذه الأخطاء عدم انضباط التحالفات السياسية، وهذا ما أشار إليه الرئيس سعد الحريري في خطاب ما بعد اعلان النتائج، وقال إن بعض الحلفاء خرجوا عن سكة التحالف، وأعطوا أصواتهم للائحة <بيروت مدينتي>، وهذا ما أتاح لهذه اللائحة أن تحصد في الأشرفية أكثر مما حصدته لائحة <البيارتة>.

على كل حال الذي ضـــــرب ضـــــرب والذي هرب هـــــرب، وهـــــو درس يتعين الاستضـــــاءة بـــــه في الانتخـــــابات النيابيــــــة المقبلــــــة التــــــي لم يعـــــد هناك ما يبرر عدم اجرائها، حتى بقانون الستين. ومن طلائع الانتخابات المقبلة ان طاقماً من النواب لن يكون له حظ العودة الى البرلمان من جديد، لأن هناك أجيالاً نبتت بأفكار جديدة على مدى السنوات الثماني التـــي مــــرت على نواب البرلمان دون حصول أي تغيير.

ولأن رب ضارة نافعة، فإن أخطاء الانتخابات البلدية، بدءاً من بيروت، سوف تكون مرشداً للانتخابات البرلمانية التي صارت محكومة بالاجراء، ولم يعد التمديد للنواب… مقبولاً!

وصار واضحاً ان ربيع 2017 سيكون موعداً للانتخابات النيابية و.. للتغيير!