24 September,2018

«بوغدانوف » «استمع » الى مقاربات القيادات رئاسياً ونصح بـ «الحوار » لانتخاب رئيس ربما يحقق «التوازن الوطني الحقيقي »!

bogdanov-mikati إذا كان الهدف المعلن لزيارة نائب وزير الخارجية الروسي <ميخائيل بوغدانوف> لبيروت الأسبوع الماضي هو المشاركة في فعاليات الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وروسيا ولاسيما في الاحتفال الذي أقيم في قصر <الأونيسكو>، إلا ان الأهداف غير المعلنة للزيارة كثيرة وتختصرها عبارة واحدة وهي تفعيل الحضور الروسي في لبنان ودخول الى أوضاعه من الباب الواسع. فالذين تابعوا الزيارة الأولى لـ<بوغدانوف> منذ أشهر لبيروت، وعاينوا تفاصيل المحادثات التي أجراها خلال محطته الثانية في العاصمة اللبنانية الأسبوع الماضي، أدركوا ان الديبلوماسي الروسي المخضرم أصبح متخصصاً بالشؤون اللبنانية على غرار نظرائه الفرنسيين والأميركيين الذين يحفظون الملفات اللبنانية عن ظهر قلب، الأمر الذي سهّل مهمته من جهة، ومهمة الذين التقاهم من رسميين وسياسيين وحزبيين من جهة ثانية، رغم أن الأولوية في حوارات <بوغدانوف> كانت للأوضاع الاقليمية والتطورات في سوريا وإيران وفلسطين حيث كان المسؤول الروسي متحدثاً وبإسهاب، في حين بدا مقتضباً ومستمعاً في كل ما اتصل بالملف الرئاسي مع تكرار لازمة أمام جميع من التقاهم حول ضرورة الاتفاق على إجراء الانتخابات الرئاسية وعدم إبقاء الفراغ في الموقع الأول في الدولة اللبنانية في أسرع وقت ممكن. إلا أن الملفت ان المسؤول الروسي تعمّد استيضاح أمرين من مختلف الذين التقاهم: الأول عن مغزى التوازن الوطني الذي ورد ذكره في اتفاق الطائف ومدى تناغم الحياة السياسية في لبنان معه خصوصاً بعد العام 2005. أما الأمر الثاني، فتناول مسألة معاودة الحوار بين اللبنانيين ومدى قابلية القيادات اللبنانية للنقاش الموضوعي والهادئ والفاعل في آن. وأكدت مصادر مطلعة ان <بوغدانوف> لم يحدد مواصفات الرئيس العتيد بل نادى بضرورة الاتفاق عليه وبسرعة.

   وقد أسهب الذين زارهم <بوغدانوف> من رسميين وسياسيين في عرض وجهات نظرهم في ما خص الشأن الداخلي، لكنهم في المقابل سألوا عن موقف روسيا من الأحداث الاقليمية والجهد الذي تبذله موسكو على خط تسوية الأزمة السورية. وحرص المسؤول الروسي على إعطاء الطابع الاستطلاعي للقاءاته لاسيما وأنها أتت بعد سلسلة زيارات لرسميين لبنانيين لموسكو، بدءاً بوزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، الى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط وصولاً الى زيارة الوفد العسكري اللبناني برئاسة رئيس الأركان اللواء وليد سلمان على رأس وفد من الضباط بحث في ما يمكن أن توفره موسكو من مساعدات وهبات للجيش في مواجهة ظاهرة الارهاب. وقد أبدى <بوغدانوف> في هذا المجال استعداد بلاده لتوفير متطلبات لبنان العسكرية مع التزام بتسليم العتاد المطلوب مع مطلع السنة المقبلة لاسيما تلك التي ستُمّول من هبة المليار دولار أميركي التي قدمها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وأوكل الى الرئيس سعد الحريري مهمة الاشراف على تسييلها. وأكد <بوغدانوف> ترحيب بلاده بزيارات المسؤولين اللبنانيين، وعلى اللائحة قريباً زيارة لوزير العدل اللواء أشرف ريفي لتوقيع ثلاثة اتفاقات في مجالات التعاون القضائي مع نظيره الروسي <ألكسندر كونوفالوف>.

 

ملم بالتفاصيل اللبنانية

   ولأن <بوغدانوف> ملمّ بالتفاصيل اللبنانية، فقد حرص على التأكيد ان بلاده تتفهم معاناة اللبنانيين نتيجة الأحداث في سوريا والتي تركت تداعيات مباشرة على الأوضاع اللبنانية السياسة والأمنية والاجتماعية والصحية والتربوية… في وقت لم يقدم المجتمع الدولي الدعم المطلوب لتمكين لبنان من التعاطي مع مليون و400 ألف نازح سوري على أراضيه، واعداً ببذل جهود إضافية في سبيل التخفيف من الأعباء على لبنان، علماً ان <بوغدانوف> كان صريحاً مع المسؤولين اللبنانيين بأن أي تقدم ايجابي على طريق الحل السياسي في سوريا سينعكس إيجاباً على الحياة السياسية والأمنية في لبنان وسيخفف من الاحتقان بين الأطراف اللبنانيين. وفي هذا السياق، أكد <بوغدانوف> ان بلاده على اتصال مع الحكومة السورية والمعارضة في الداخل والخارج لترتيب الاتصالات التمهيدية لمفاوضات جدية من دون شروط مسبقة، لكنه أقر في المقابل بوجود مشكلتين: من يمثل الحكم؟ ومن يمثل المعارضة؟ علماً أن موسكو تميل الى المعارضة <السلمية والوطنية والفاعلة> ولا تحبذ مطلقاً المعارضة المتطرفة والارهابية. وأشار <بوغدانوف> الى أن ما يهم بلاده سورياً هو المساعدة في اصلاح النظام <لأننا غير معنيين بالذين يسعون الى إسقاط الأشخاص واستبدالهم بآخرين موالين لهم>.

   وكشف المسؤول الروسي عن محادثات دارت بين موسكو والرياض تناولت الوضع في سوريا لمس خلالها الروس ان السعودية ترغب في إسقاط الرئيس بشار الأسد ولا مشكلة لديها من يكون الخلف، لكن موسكو كانت واضحة في اعتبار الأسد الحاكم الفعلي لسوريا والرئيس الدستوري لها المنتخب من الشعب. ولا يعطي المسؤول الروسي توقيتاً لمستقبل الوضع في سوريا سواء نجحت المفاوضات أم لم تنجح، لكن أوحى في سياق حديثه أن الأحداث لن تنتهي بسرعة، لكن ستتزامن التطورات الأمنية مع الجهود السياسية بحثاً عن الحل السلمي الموعود.

متابعة إيرانية ومراوحة فلسطينية

bogdanov-salam

 

   في الملف الإيراني، توسع <بوغدانوف> في شرح وجهة نظر بلاده من الملف النووي الإيراني ليشير الى تباين في وجهات النظر بين إيران ودول الغرب لاسيما في ما يتعلق بالمهل الزمنية بين توقيع الاتفاق ورفع العقوبات، ذلك ان طهران تريد رفع العقوبات فوراً، في حين يرى الغرب ضرورة وضع فترة زمنية بين التوقيع والتطبيع، وفي اعتقاده ان لــــدى واشنطن صعوبــــة في رفع العقوبات حالياً عن إيران لأن المجتمع الأميركي غير مهيأ بعد لهذه الخطوة وان ادارة الرئيس <أوباما> غير جاهزة بعد لهذا الإجراء خصوصاً مع التغيير الذي حصل داخل الكونغرس الذي بات معارضاً بمجلسيه للرئيس <أوباما> وسياساته. وفهم الذين التقوا <بوغدانوف> ان بلاده <تتابع> عن كثب تطور الحوار مع إيران وستكون حاضرة، مع حرص روسي على الوصول الى حلول سريعة.

   ولم يغب ملف الصراع العربي ــ الإسرائيلي عن محادثات <بوغدانوف> في بيروت حيث رأى أن المساعي الأميركية كانت <جدية> لإحداث خرق في الجدار السميك، لولا أن العلاقات تدهورت فجأة بين الرئيس <أوباما> ورئيس الوزراء <بنيامين نتانياهو> الذي قرر على ما يبدو عدم تسهيل مهمة الرئيس الأميركي لا بل ان يحبط كل مساعيه. ولا يرى <بوغدانوف> تطورات ايجابية سريعة في ملف الصراع العربي ــ الاسرائيلي وما يتصل خصوصاً بمشروع <الدولتين> الذي لم يعد قابلاً للحياة.

   يذكر ان <بوغدانوف> الذي التقى نحو 20 شخصية سياسية ورسمية وأمنية وحزبية، لم يلتقِ رئيس <القوات اللبنانية> الدكتور سمير جعجع من دون معرفة السبب، في حين تعذّر عليه لقاء رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية بسبب قطع أهالي العسكريين المخطوفين طريق الشمال.

    زيارة <بوغدانوف> لبيروت محطة مهمة في العلاقات اللبنانية ــ الروسية، وما لمسه اللبنانيون من المسؤول الروسي يؤكد ان موسكو عادت الى المنطقة بقوة وستمارس دور <الشراكة الكاملة> مع الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الغربي مع ادراكها ان مثل هذه الشراكة تحتاج الى معايير معينة غير واضحة بعد في العلاقة اللبنانية ــ الروسية، لكن الاستعداد موجود والرغبة متوافرة، ويبقى حجم التجاوب الذي دونه <مخاوف> أميركية وأوروبية من <الطموح> الكبير لـ<الدب الروسي> الذي سبق أن مورس في دول عدة سرعان ما غرقت تحت تأثير النفوذ الروسي سياسياً واقتصادياً. لكن مثل هذا الأمر لا ينطبق على لبنان حيث التعددية هي سر صموده وبقائه.