19 July,2018

”بوتين“ والأسد باقيان... وكل الآخرين ذاهبون!

بقلم خالد عوض

putin

الأزمة السياسية في ألمانيا ليست مشكلة محصورة بالمستشارة <أنجيلا ميركل> زعيمة حزب الوسط الديموقراطي المسيحي أو تحالفها الحكومي الهش مع الحزب الإجتماعي المسيحي، الذي يقوده وزير الداخلية <هورست سيهوفر>، حول مسألة اللاجئين. انها مشكلة تهدد شكل أوروبا الذي عرفناه خلال العشرين سنة الماضية وسيكون لها ربما تبعات إقتصادية ومالية تنعكس على العالم كله.

 منذ ١٩٧٢ بدأ عدد الوفيات السنوية في ألمانيا (الغربية والشرقية) وعدة دول أوروبية أخرى يزيد عن عدد الولادات مما يعني أن شعوب هذه الدول بدأت بالإنقراض، وإلى جانب إزدياد الطلب على العمالة الذي بدأ في الستينات بسبب النهضة العمرانية الأوروبية كان لا بد من فتح باب الهجرة إلى أوروبا بشكل أكبر يسمح بالتعويض عن النقص العددي المتزايد. في البداية كانت الهجرة محصورة بالمجمل باللجوء السياسي، أي أن أي شخص مضطهد في بلده لسبب عرقي أو طائفي أو انه موجود في دولة تعاني من حروب أو ظروف أمنية غير مستقرة، مثل حال عدة دول أفريقية وإيران وتركيا والعراق وحتى لبنان في فترة ١٩٧٥-١٩٩٠، يمكن أن يطلب اللجوء السياسي إلى ألمانيا أو السويد أو الدنمارك أو غيرها من الدول الأوروبية التي فتحت هذا الباب، ويحصل لاحقا على الجنسية فيها، ثم بدأ اللاجئون الجدد الذي عرفوا خصوصيات نظام البلد المستضيف يجرون اقاربهم وأصدقاءهم ومعارفهم إليهم حتى تكونت جاليات كبرى من المهاجرين، منها تداخلت مع مجتمع البلد ومنها حافظت على تميزها الثقافي والديني. ومع إزدياد الفارق بين الولادات والوفيات لم يعد اللجوء السياسي الذي يخضع لمعايير إنسانية وإجتماعية وسياسية خاصة يكفي وحده لتعويض النقص في عدد السكان، وبدأت أوروبا بقبول توافد العمالة إليها بشكل أكبر من السابق وتراخت نسبيا في قوانين الهجرة ومنح الجنسية، وكان من الطبيعي أن ينتفخ عدد المهاجرين إلى أوروبا مثلما حصل مع الولايات المتحدة في الفترة نفسها. اليوم يقدر عدد المهاجرين المجنسين في فرنسا وألمانيا بأكثر من عشرة بالمئة من عدد السكان، وعشرة بالمئة آخرون هم من المهاجرين الشرعيين ولكن غير مجنسين، مقابل حوالى ٣ بالمئة على الأقل من المقيمين بصورة غير شرعية. ومنذ عام ٢٠٠٥ بدأ عدد المتسللين إلى دول أوروبية عن طريق البحر يتزايد وقد تفاقم مع الأزمة السورية عام ٢٠١١ حتى وصل إلى أكثر من مليون وثمانمئة ألف مهاجر عام ٢٠١٥… كل هذا يعني أن أكثر من ربع السكان في عدة دول أوروبية ليسوا من السكان الأصليين.

بعد ٢٠١٥، وتحديدا في ٢٣ حزيران (يونيو) ٢٠١٦ صوت البريطانيون على الخروج من أوروبا (BREXIT) في ما ترجم وكأنه ردة فعل بريطانية على تفلت الهجرة إلى أوروبا والخطر الآتي من ذلك. ومع تدفق Revitalizing Global Trade: Merkelالنازحين واللاجئين صعدت شعبية التيارات اليمينية المتشددة في دول أوروبية عديدة وأصبح الكلام عن اللاجئين والتمسك بالخصوصية القومية هو صلب النقاش السياسي الداخلي لمعظم الدول الأوروبية.  ألمانيا بقيادة المستشارة <أنجيلا ميركل> حسمت النقاش الأوروبي واستقبلت أكثر من مليون ونصف المليون نازح وعارضت إقفال حدود الدول الأوروبية بين بعضها البعض لمنع التسلل. ورغم فوزها المتواضع في الإنتخابات في العام الماضي فإن شعبيتها اليوم في تراجع مستمر لأن الألمان اصبحوا يرون في أوروبا مسرحا للتنازلات، فمن جهة هم في أفضل حال إقتصادية عرفوها منذ زمن طويل اذ ان النمو الإقتصادي – رغم تراجعه بعض الشيء مؤخرا – لا زال مستمرا منذ حوالى أربع سنوات وهذا لم يحصل منذ ١٩٩١ أي بعد الوحدة بسنة، ومن جهة أخرى يشعرون بعدم حاجتهم إلى أوروبا وإلى قرارات في <بروكسيل> ليسوا بالضرورة متحكمين بها، كما أن كلفة وجودهم في أوروبا ستزداد بعد خروج بريطانيا ولا يرون فائدة من ذلك. هذا الجو جعل المستشارة الألمانية تتنازل مؤخرا بعد تهديد وزير داخليتها <سيهوفر> بالاستقالة وقبلت بإنشاء مخيمات للنازحين على حدودها وبزيادة الرقابة على الحدود من دون أن يعني ذلك العودة إلى الحدود المقفلة. ما قامت به <ميركل> لإنقاذ حكومتها هو أكبر تنازل تقوم به على صعيد سياستها الأوروبية ويدل على أن الألمان لم يعودوا أوروبيي الهوى.

أحد أسباب كل ما يحصل في ألمانيا وقبلها إيطاليا التي رفضت إستقبال وانقاذ عدة سفن للمهاجرين رغم إمكانية غرقها، هو الأزمة السورية منذ ٢٠١١، فوصول عدة ملايين من السوريين إلى ضفاف أوروبا سرع في النقاش حول الهوية الوطنية وسياسة فتح الحدود بين الدول الأوروبية… حتى الأزمة المالية التي ضربت عدة دول في جنوب أوروبا عام ٢٠٠٨ لم تؤجج النقاش السياسي وتغذِ العصبيات الانفصالية في أوروبا كما يحصل اليوم، وإذا إستمر الحال على ما هو عليه فلن تكون أوروبا بعد سنوات هي نفسها التي ضرب المثل بوحدتها والتي أصبحت عملتها اليورو تمثل أكثر من ٢٠ بالمئة من حجم التداول النقدي العالمي… هناك من يرى مصلحة في إستمرار الأزمة السورية لأن فيه إضعافاً لأوروبا. ربما هذا هدف غير معلن عند بعض القوى العظمى، لذلك ليس مستغربا أن يبقى بشار الأسد في سوريا لفترة غير قصيرة رغم ذهاب <باراك اوباما> و<نيكولا ساركوزي> و<هولاند> وربما قريبا <انجيلا ميركل>… هناك رئيس واحد فقط لن يقدر بشار الأسد على البقاء بعده، هذا إن رحل، واسمه <فلاديمير بوتين>.