19 December,2018

«بوتين» تبنى تعويم النظام السوري وأدخله التحالف الدولي مع الولايات المتحدة والخليج

  

بقلم وليد عوض

putin-moallem الصحف الفرنسية والأميركية والبريطانية تعيش جميعاً هاجس <داعش>، ونعترف بأن التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة ضد <داعش> لم يسجل حتى الآن هزيمة <داعش>، لا في سوريا، ولا في العراق، بل وصل <داعش> الى الكويت وتونس وفرنسا، ويقتضي الأمر دراسة استراتيجية جديدة للوصول الى المبتغى. لقد انتظروا <داعش> من الشرق فجاءهم من الغرب، ضارباً في الكويت وتونس ومرفأ <كاليه> الفرنسي المطل على بحر <المانش>. ويريد زعيم <داعش> أبو بكر البغدادي أن يقول إن يده طويلة تعبر البحار، وتتجاوز الجبال، وتضرب حيث يكون الوجع أشد، بدءاً من منتجع <سوسة> السياحي في تونس والشمال الفرنسي في مدينة <كاليه>.

   لقد تمدد إرهاب <داعش> كخيوط العنكبوت، ولم يتورع عن تبني العمليات الارهابية التي تذهب بعشرات المئات من الضحايا.

   في <سوسة> التونسية التي كان الرئيس التونسي باهي قائد السبسي يعوّل عليها كمصدر من أموال السياح ودعم لموازنة الدولة، فإذا بالتنظيم الارهابي يجرده من أحلامه الوردية، ويجبر عشرات آلاف السياح الأوروبيين، وأولهم البريطانيون والألمان، على حزم حقائبهم ومغادرة تونس تاركين الشقاء على من بقي.

   ولا فرنسا، ولا الجزائر، جارة تونس، بقادرتين على منع مكاره <داعش> عن تونس. فعند فرنسا ما يكفيها من مشاكل، وعند الجزائر، وإن كانت الأكثر استقراراً، هموم أخرى غير هموم مساعدة تونس ضد <داعش>. ولا يبقى إلا أن تحزم الولايات المتحدة أمرها وتنزل من الجو الى الأرض في العراق لمقارعة <داعش> ومنعه من بناء دولته التي بدأت ملامحها تظهر على الخريطة.

   وقد أراد <داعش> بتفجيره الارهابي لمسجد الإمام الصادق في الكويت أن يشعلها سنية ــ شيعية، ولكن ظنه خاب، لأن السنة في الكويت انتصروا للشيعة واعتبروا مصاب مسجد الإمام الصادق مصابهم.

   لقد كنا بأسامة بن لادن واحد، فإذا بنا أمام نسخ متعددة من أسامة، طبعها وسجل بصماتها التنظيم الارهابي <داعش> ونشرها على كل خريطة أوروبا والشرق الأوسط.

 

القبّاع لم يكن وحيداً!

   والسؤال المحيّر هو: كيف وجد الانتحاري السعودي فهد القباع السبيل للوصول الى الكويت، والدخول إليها بصورة غير شرعية؟ لقد نقلت وكالة الأنباء البحرينية عن مدير عام الإدارة العامة لأمن المنافذ، ان فهد القباع وصل الى منفذ مطار البحرين الدولي آتياً من الرياض بتاريخ 25 حزيران (يونيو) المنصرم على متن طائرة شركة طيران الخليج (الرحلة رقم 170) في تمام الساعة العاشرة والأربعين مساء بطريق الترانزيت وغادر الى الكويت على طائرة شركة طيران الخليج (الرحلة رقم 211) في تمام الساعة 1,10 من صباح الجمعة 26 حزيران (يونيو) 2015. وما لم تجمعه الوسائل الأمنية هو ان هناك من مد المجرم الارهابي القباع بمعلومات عن مكان مسجد الإمام الصادق، والمصلين الذين يترددون عليه، وبينهم أدباء وأساتذة جامعات. وهذا يعني ان القباع جزء من شبكة ولم يكن يعمل تفجير-المسجدمنفرداً.

   ومثله الارهابي الطالب التونسي سيف الدين الرزقي (23 عاماً) الذي تولى تفجير بلدة <سوسة> التونسية الساحلية الذي أدى الى سقوط 39 سائحة وسائحاً أجانب من بينهم 15 بريطانياً. فسيف الدين لم يكن يعمل لوحده بل هناك من مده بالمعلومات السياحية والجغرافية. ومن حق رئيس وزراء بريطانيا <دايفيد كاميرون> أن يحذر من استهداف الإرهاب لبريطانيا. فقد ذهب البريطانيون الخمسة عشر الى <سوسة> في تونس، وهم في كامل العافية، وعادوا الى لندن في خمسة عشر نعشاً..

   ويطالب <كاميرون> بتحالف دولي ضد إرهاب <داعش> وأخواته، لأن بريطانيا يد واحدة لا تصفق، ولا بد من أن تكون جزءاً من تحالف دولي لكسر شوكة هذا الارهاب..

   ومن أعجب المفارقات أن يدعو الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>، وهو يستقبل وزير خارجية سوريا وليد المعلم ونائبه فيصل المقداد، الى تحالف ضد <داعش> في سوريا، ومن ضمن هذا التحالف الأميركي ــ الروسي ــ الأوروبي ــ الخليجي، كما وصفه <بوتين>، نظام بشار الأسد نفسه. ولا يحتاج المراقبون الى دليل بأن ما اقترحه <فلاديمير بوتين> هو محاولة تعويم للنظام السوري، إذ نقل وليد المعلم عن لسانه بأن روسيا متمسكة بدعم سوريا الأسد، بالسلاح والسياسة والمال.

   وكان طبيعياً أن يعلن وليد المعلم استغرابه لتركيبة هذا التحالف باعتبار أنه يضم دولاً سبق لسوريا أن اتهمتها بالضلوع في مساعدة <داعش> مالياً وعسكرياً، ولكن الحكومة السورية ستمتثل لطلب الرئيس <بوتين> مقابل ما تعهد به من دعم للحكم في سوريا.

 

جرعة أوكسيجين للنظام السوري

   والاستنتاج الطبيعي لما دعا إليه <بوتين> هو أن الأزمة السورية دخلت حالة تمديد جديد، وأن القضاء على <داعش> دونه عقبات لوجستية وجغرافية، وأن التنازع بين <داعش> والنظام السوري مستمر الى حين، والحين هنا ليس مجرد شهور.

   وما دامت الأزمة السورية ممعنة في الاستفحال، فانعكاساتها على الساحة اللبنانية تبقى مستمرة، والشغور الرئاسي سيطول أمده، وسدة التشريع التي هي مجلس النواب لن تجد متسعاً للتشريع، حتى لما سمي <تشريع الضرورة> وهو عبارة ابتكرها نائب رئيس حزب القوات اللبنانية النائب جورج عدوان.

   وهذا الشغور الرئاسي هو الذي حكم على العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، والزعيم الشمالي سليمان فرنجية، بأن يباركوا فكرة الاستطلاع في الشارع المسيحي، للتوصل الى اسمين يفرزهما الاستطلاع ويذهب صاحبا الاسمين الى المجلس النيابي ليقطف كل واحد منهما حظه، ولا يكون أمام الخاسر إلا أن يهنئ الفائز. وكان ملفتاً، حتى لا نقول صادماً، قول النائب سليمان فرنجية انه شخصياً لن ينتخب سمير جعجع، ولكنه في حال فاز سمير جعجع، حسب الاستطلاع، بالرئاسة، فسوف يذهب إليه ويهنئه، ولكنه يظل على تعارض مع خطه السياسي.

 

محاذير الاستطلاع

   وخلاصة القول في كل هذه المستجدات والملابسات ان <داعش> نفسه يجد مصلحة في الشغور الرئاسي، لأن استكمال الدولة لمؤسساتها بدءاً من رئاسة الجمهورية، سيسجل عهداً آخر فرنجية-جعجعفي مقاومة <داعش>، و<داعش> لا يجد سبيلاً الى الحركة سوى في مجتمع مأزوم، لا في مجتمع صحيح البنية.

   والحالة السياسية اللبنانية تدور الآن في حلقة مفرغة. فالاستطلاع الذي اقترحه عون وجعجع، سيأخذ مجراه، وقد أحيط عدد من شركات الإحصاء والاستطلاع بالاستعداد لإجراء الاستطلاع الموعود، مقابل إبعاد شركات احصائية أخرى مشكوك في انتمائها السياسي. ولكن لنفرض ان الاستطلاع وصل من مداه الى منتهاه، وحدد اسمين لرئاسة الجمهورية هما ميشال عون وسمير جعجع، فهل يبقى الموضوع في عزلة عن التأثير الخارجي؟ بل هل يمكن أن يكون في منأى عن <الفيتو> الاسلامي، خصوصاً وأن مفتي الجمهورية اللبنانية قال عبر هذه المجلة <لا خلاص للبنان إلا برئيس توافقي>؟ وعندما يتكلم المفتي دريان، فهو يمثل الرأي العام الإسلامي السني.

   وإذا جاء <الفيتو> فذلك لأن رئيس الجمهورية الماروني حسب الدستور هو رئيس كل اللبنانيين، أي من حق كل اللبنانيين أن يكون لهم رأي في الرئيس الآتي ولا يهبط عليهم بالباراشوت، حتى لو كان باراشوت العماد عون والدكتور جعجع..

   والرئيس أمين الجميّل زعيم ماروني هو أيضاً لا يرى فائدة من الاستطلاع، ويرى فيه انحيازاً لأسماء دون أسماء، ومتفق بذلك مع المسلمين في المطالبة برئيس توافقي.

   في موسكو أطيل أمد الأزمة السورية، وإطالة الأزمة السورية تعني أن لبنان لن يخرج من أزمته إلا… بأعجوبة!

   فمن يملك هذه الأعجوبة؟

   ومن هو صاحب القرار في أن يقول: افتح يا سمسم؟!