26 September,2018

«بوتين» المالك الأول للورقة الرئاسية في لبنان!

 

بقلم وليد عوض

franjieh  

السهم الديبلوماسي الاقليمي والدولي ينطلق الآن من موسكو، ومن مكتب الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>. فالوعود الخلابة التي قطعها الرئيس الأميركي <باراك أوباما> بحل المسألة الفلسطينية يوم العاشر من نيسان (ابريل) 2010 من قلب جامعة القاهرة سقطت في الفراغ، والحل الذي قدمه لسوريا، واشترط فيه رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، كان سهماً طائشاً بدليل انه الآن وبالتوافق مع الجبار الروسي لا يرى في رحيل الرئيس بشار الأسد ضرورة للمرحلة الانتقالية، بل جعل الرئيس السوري ينقلب 180 درجة ويتعاطى الآن من خلال العباءة الأميركية.

وعندما يأتي ذكر موسكو يتعين أن نشير الى العصا السحرية التي جعلت المعارضة السورية تنتظم في مائدة المفاوضات في جنيف أمام رئيس وفد النظام السوري السفير بشار الجعفري، وتجعل معارضين مثل خالد خوجة ورياض حجاب يطيعون التعليمات الروسية، لعلمهم ان الدور العسكري والديبلوماسي الآن في سوريا هو للجبار الروسي. صحيح انه سحب أكثر قواه الجوية من سوريا، إلا انه ما زال يمسك بناصية الموقف العسكري، ولولا السلاح الجوي الروسي لما أتيح لمدينة تدمر الأثرية وظلال ملكتها عبر التاريخ زنوبيا أن تتحرر من جماعات <داعش> الارهابية.

ولا يمكن المرور مرور الكرام بالحدث الآخر المتصل بالشغور الرئاسي اللبناني والوضع في سوريا، وهو زيارة الرئيس سعد الحريري لموسكو في الأسبوع الماضي على رأس وفد يضم وزير الداخلية نهاد المشنوق، والنائب السابق غطاس خوري، ونادر الحريري. ومن المُسلّم به أن يكون الرئيس الحريري قد أثار موضوع المعركة الرئاسية في لبنان وانحسار المواجهة حتى الآن بين الحليفين سليمان فرنجية وميشال عون. والرئيس الروسي <بوتين> لم يبحث في الأسماء بل ترك الرئيس سعد الحريري يحدثه عن فضائل سليمان فرنجية وقدرته على استقطاب كل الطوائف، فيما العماد ميشال عون بعصبيته الطائفية المذهبية لا يملك جمع كل الأطياف في لبنان. ورئيس الجمهورية كمال قال سليمان فرنجية وهو يزور المفتي الشيخ مالك الشعار ان الرئيس المسيحي القوي قد يكون خطراً على لبنان.

 

استدارة كميل شمعون

  

صحيح ان سليمان فرنجية لم يدخل في الأسماء، إلا ان اللبنانيين يتذكرون ماذا فعل الرئيس المسيحي القوي كميل شمعون، ثم حاول متأخراً أن يصلح ما أفسده الدهر في الصراع الطائفي، عندما كلف الوزير السابق جوزف الهاشم، من سريره في مستشفى أوتيل ديو بإجراء اتصال بالرئيس رشيد كرامي ربيع عام 1987 للوصول الى صيغة تنقل صلاحيات رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعاً، وهو ما أسفر عنه اتفاق الطائف خريف 1989.

ونعود الى موسكو في عهد السوفييت لنتذكر ما الذي حصل في مطلع صيف 1970. لقد استقبل <ليونيد بريجنيف> يومئذ وزير الاقتصاد اللبناني سليمان فرنجية الكبير، وأنس الى حديثه وحكمته، ولكنه لم يعلن اختياره له كرئيس جمهورية للبنان، بل أراد أن يترك الأمر لنواب البرلمان اللبناني. إلا ان فضيحة طائرة <الميراج> الفرنسية الجديدة قلبت الموازين لصالح سليمان فرنجية.

وتتمثل فضيحة <الميراج> يومئذ باتهام السفارة السوفييتية (مقرها في كورنيش المزرعة) من قبل الرائد محمود مطر، ابن الشهابية بمحاولة سرقة نموذج طائرة <الميراج> من خلال التسلل الى مربضها في مطار بيروت، ورد القائم بأعمال السفارة السوفييتية يومئذ متهكماً: <إنها المرة الأولى التي تقلع فيها طائرة من داخل شقة>.

وهذا الحادث الذي اعتبر فضيحة بحد ذاته لم يذهب من ذاكرة السوفييت. فلما أعلن موعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية مكان الرئيس شارل حلو الذي انتهت ولايته، وكان هناك مرشحان: واحد باسم كتلة النهج هو حاكم مصرف لبنان الياس سركيس، وآخر مرشح عن كتلة الوسط برئاسة كامل الأسعد وصائب سلام، هو وزير الاقتصاد سليمان فرنجية، كانت المخابرات السوفييتية تعلم ان المعركة ربما كانت معركة الصوت الواحد، فقررت أن تنزل بكل ثقلها الى جانب سليمان فرنجية بعدما اجتمع به أهل السلطة في hollandeموسكو.

هذا الصوت الواحد كان صوت حليف السوفييت الزعيم كمال جنبلاط. وقضت اللعبة البرلمانية بأن تكون هناك جولة انتخاب أولى وجولة انتخاب ثانية. في الأولى أعطى كمال جنبلاط صوته مع رفاق كتلته لحاكم مصرف لبنان الياس سركيس، وفي الجولة الثانية انتقل كمال جنبلاط من موقع النهج الى موقع سليمان فرنجية، فهيأ له أن يفوز ولو بفارق صوت واحد. إلا ان رئيس مجلس النواب صبري حمادة اعترض على هذا الانتخاب واعتبره غير شرعي لأن الفارق نصف صوت لا صوت واحد، وهنا أمسك سليمان فرنجية بالميكروفون أمامه وضرب به المنصة.

ودارت لعبة الكواليس بعد انسحاب صبري حمادة الى الداخل وحلول نائبه ميشال ساسين مكانه. يومئذ كان الجو خارج المجلس النيابي مفعماً برائحة البارود، بعد تجمع مئات المسلحين من زغرتا وقضائها، فإذا بالرئيس شارل حلو يتصل بالرئيس صبري حمادة ويقول له: <الأمر جد خطير. فتفضل وأعلن فوز سليمان فرنجية بالرئاسة وبارك له بها>. لكن الرئيس حمادة، وكان محسوباً على فريق النهج، امتنع عن هذا الاعلان وتولاه نيابة عنه نائب رئيس المجلس ميشال ساسين.

وكان من الطبيعي بعد ذلك أن يكون كامل الأسعد هو الآتي الى رئاسة البرلمان بعد صهره الرئيس صبري حمادة.

 

همسات <بوتين>

هذه الوقائع كانت ماثلة للأعين خلال زيارة الرئيس سعد الحريري لموسكو في الأسبوع الماضي. وكانت هناك جلستان بين رئيس وزراء لبنان الأسبق سعد الحريري والرئيس <فلاديمير بوتين>. الأولى كانت جلسة فريقين. أما الثانية فكانت خلوة بين الحريري و<بوتين> دون أن يكون فيها ثالث. وفي هذه الخلوة قام الحريري ربما، بتسويق اسم النائب سليمان فرنجية من حيث قدرته على استقطاب الجناحين: المسلم والمسيحي. وبطبيعة الحال يبقى ما دار في الخلوة ملك صاحبيها، وغير قابل للنشر والبث، وإلا لماذا سموها خلوة؟

ودور الروس متقادم العهد في تشكيل حكومات لبنان. ففي صيف العام 1974 عهد الرئيس سليمان فرنجية الى السياسي المحنّك تقي الدين الصلح بتشكيل الحكومة، بعد فشل الرئيس أمين الحافظ. وظل تقي الدين الصلح في حالة التكليف أكثر من أسبوعين، ثم جاءه الفرج. فقد وصل الى دمشق مبعوث سوفييتي اسمه <كيريلنكو> وكان في برنامج هذا المبعوث أن يزور لبنان ويلتقي الرئيس سليمان فرنجية. فطلب تقي الدين الصلح موعداً عاجلاً من الرئيس فرنجية ليقول له ان استمرار التكليف سيجعل من <كيريلنكو> ضيفاً بلا حفاوة لغياب الحكومة، وهذا أمر غير مستحب في العلاقات السوفييتية ــ اللبنانية، كما أنه عندما يأتي الى لبنان سوف يكون صاحب الفضل في تشكيل الحكومة، لا الرئيس فرنجية، فما كان من الأخير إلا أن قام بتوقيع مرسوم الحكومة الجديدة برئاسة تقي الدين الصلح.

وسواء طال أمد الشغور الرئاسي أم قصر، فسوف يكون للرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> دور وحصة في اختيار رئيس الجمهورية الجديد، سواء أكان سليمان فرنجية الحفيد، أم مرشحاً ثالثاً غير فرنجية وغير ميشال عون. وحسناً فعل سعد الحريري وهو يشعل تظاهرة المبايعة بالرئاسة لسليمان فرنجية في دارة مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار. وحسناً استخدم سليمان فرنجية ذكاءه فاستبق احتفال المفتي الشعار بزيارة راعي أبرشية الموارنة في طرابلس المطران جورج أبو جودة، ليقول ان رئيس الجمهورية الآتي هو الذي يجمع بين بيت المسيحيين وبيت المسلمين.

putin-hariri-2 

لا بد من الرياض أو طهران

 

هل معنى ذلك اننا أسقطنا الدور السعودي والدور الإيراني من حسابات معركة الرئاسة؟!

تفاهم الرياض وطهران هو حجر الرحى في انتخابات رئاسة جمهورية لبنان، وهذا الدور يتفهمه الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> جيداً، وعلى أساسه خطط لاستقبال كل من الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز والرئيس الإيراني <حسن روحاني> خلال هذا الصيف. وكانت زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هي مقدمة هذه الاتصالات.

هي إذن عملية ربط خيوط سياسية بين موسكو والرياض وطهران، مع اطلالة رفع عتب على الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> الذي يزور لبنان في الأسبوع المقبل، وجاء إليه يستمع ويصغي، أكثر مما يتكلم، مع انه هو أبو الكلام. يأتي <هولاند> ليفحص حظوظ المرشحين للرئاسة والمحاور التي تؤيدهم، فلا يكون في غربة عن الرئيس الجديد الذي سيتعامل معه حتى انتهاء ولايته (ولاية <هولاند>) في ربيع 2017. ومن المسلم به أن يجتمع <هولاند> بالمرشح الرئاسي سليمان فرنجية، ثم بالمرشح الرئاسي الثاني العماد ميشال عون، فلا تكون فرنسا في غربة عن الطبخة الرئاسية اللبنانية وعن الرئيس العتيد. وما حكاية زيارة <هولاند> للنازحين السوريين سوى مجرد ديكور سياسي!

ويدرك <هولاند> ان هناك شخصيات لها تأثيرها في مجرى معركة الرئاسة بدءاً من الرئيس نبيه بري، والبطريرك بشارة الراعي، والزعيم وليد جنبلاط، والاستئناس بآرائها في معركة الرئاسة أمر لا غنى عنه لتكامل الصورة الرئاسية..

وعلـــــى <هولانــــد> أن يســــأل: مــاذا يريــــــد <بــــوتين>؟ وســـــر <بــــــــوتين> كسر كاهن الاعتراف غير قابل… للنشر!